فلسفة إلغاء العقوبات البدنية

طلعت رضوان  طلعت رضوان

بعد صدور الحكم بإعدام بعض الأشخاص من جماعة الإخوان المسلمين ومن (السلفيين) الذين شاركوا فى أعمال عنف وتخريب وقتلوا جنودنا المصريين إلخ، تباينتْ الآراء بين مؤيد ومعارض لتلك الأحكام. وكانت المفارقة أنّ من بين المُعترضين شخصيات تنتمى للأصولية الإسلامية، واستشهدوا بأنّ دول الاتحاد الأوروبى عارضتْ تلك الأحكام وأدانتْ القضاء المصرى، وهنا وقع الإسلاميون فى تناقض، إذ أنّ الدول الأوروبية ألغتْ من قوانيها كل العقوبات البدنية (قص الرقبة، قطع اليد والجلد) وهى عقوبات نصّ القرآن عليها، فهل الإسلاميون مع إلغاء تلك العقوبات بشكل مبدئى، أم أنهم وقفوا ضدها (فقط) لأنها نالتْ إسلاميين مثلهم؟ والمفارقة الثانية أنّ المؤيدين للإعدام (وخاصة من جمعيات المجتمع المدنى والحقوقيين وبعض المحسوبين على الليبرالية واليسار) لم يهتموا بمناقشة العقوبات البدية من منظور فلسفى، ولم يمتلكوا شجاعة المُطالبة بإلغاء تلك العقوبات اللاإنسانية من التشريعات المصرية. 

كذلك فإنه بعد انتفاضة يناير2011انطلقتْ أصوات الشرفاء بمطلب القصاص من القتلة الذين خطّطوا ونفّذوا جريمة قتل أبناء من شعبنا فى معظم مدن مصر، ومن الضباط الذين مارسوا التعذيب فى أقسام الشرطة وفى السجون، ومن الذين نهبوا المال العام وأودعوه فى بنوك أوروبا، ومن الذين أفسدوا الحياة الاقتصادية فجعلوا مصرفى ذيل الأمم حتى المتخلفة، ومن عتاولة كبار المجرمين من (ترزية) القوانين الذين صاغوا تشريعات أبدية الحكم والتوريث وجعلوا السلطة التنفيذية فى يد شخص واحد، والأكثر إجرامًا تبعية السلطتيْن التشريعية والقضائية فى يد هذا الشخص (الواحد القهار) صاحب صلاحية (كن فيكون) 

وإذا كان القصاص العادل من القتلة والمُفسدين أحد المطالب المشروعة لتطهير مصر من (كل) البؤر الصديدية التى تركها نظام رئاسى قمعى بدأ مع كارثة سيطرة ضباط يوليو1952 على مصر، فإننى أختلف مع من طالبوا فى الصحف وفى الفضائيات بأنْ يكون (الإعدام) هو العقوبة الأمثل لهؤلاء القتلة والمُفسدين، كما طالب البعض أنْ يكون الإعدام فى ميدان عام. وأسباب رفضى لعقوبة الإعدام هى : 

1- تأسيس فلسفى : تفترض منظمات حقوق الإنسان (خاصة منظمة العفو الدولية) افتراضًا مشروعًا هو ظهوربراءة المتهم بعد إعدامه، كما حدث فى معظم دول العالم بموجب أحكام قضائية. وفى الولايات المتحدة الأمريكية ثبت براءة 23 إنسانـًا بعد إعدامهم (نقلا عن كتاب “عقوبة الإعدام ضد حقوق الإنسان”- مطبوعات منظمة العفوالدولية- عام 89 ص31) 

2- تأسيس سياسى : إذْ حدّثنا التاريخ الحديث والمعاصرعن آلاف الأبرياء الذين أعدموا لأسباب سياسية. ففى إيران سجّلتْ منظمة العفو الدولية ما يزيد عن ألفىْ سجين ورد وقوعهم ضحية لموجة إعدامات سياسية فى الفترة من يوليو88 ويناير89 (نقلا عن كتاب “انتهاكات حقوق الإنسان فى إيران من 1987- 90من مطبوعات العفوالدولية) وبعد استيلاء الخومينيين على السطلة تم إعدام الآلاف. وفى عام 1980 إعتمد النظام الليبى سياسة تصفية خصومه عن طريق أحكام الإعدام. ونفس المنهج فعله نظام صدام حسين فى العراق (المصدر السابق ص 167، 194) وفى السودان تمّ إعدام محمود محمد طه فى سجن كوبر يوم 18يناير1985بأوامر من جعفر النميرى، لأنّ الشيخ الفاضل كان ضد تطبيق نميرى وأتباعه للشريعة الإسلامية بقطع يد الفقراء. وفى مصر تمّ إعدام الشابيْن الصغيريْن مصطفى خميس ومحمد البقرى من عمال مصانع كفر الدوار بعد شهر من إنقلاب أبيب / يوليو52. وقال البكباشى عاطف نصار الذى قرأ (الحكم العسكرى) أنّ ((مصطفى خميس كان يُعادى الله ورسوله فحقّ عليه القتل)) كما تمّ إعدام سيد قطب وستة من الإخوان المسلمين، رغم أنهم من أصحاب الرأى، ورفض النظام الناصرى إتاحة الفرصة لليبراليين للرد على الأفكار التخريبية للإسلاميين، وهى الأفكار المُعادية للتعريف العلمى لمعنى الإنتماء، الذى يجب أنْ يكون للوطن وليس للدين.

أما رفض الإعدام فى ميدان عام فيتأسس على مرجعية ثقافتنا القومية المصرية التى تنبذ العنف وتكره رؤية دماء الضحية حتى ولو كانت (فرخة) وفى طفولتى كان الكبار يمنعوننا من رؤية ذبح (خروف العيد) وكانت (الست) المصرية عندما تذبح (الفرخة) تقول بعد البسملة ((اللهم صبّرك على ما بلاكى)) 

الإعدام أم عودة الأموال المنهوبة : لاشك أنّ عودة الأموال المنهوبة مطلب شعبى لا خلاف عليه. فكيف يتم ذلك إذا تم الإعدام ؟ لذلك فإننى أميل إلى رأى بعض الأصوات العاقلة الذين رأوا أنّ (السجن) هو وسلة الضغط الفعالة على المتهم (سيكولوجيًا) للكشف عن البنوك وأرقامه السرية بها واستخدام بصمة الصوت، لعودة هذه الأموال إلى مصر، وكذا الكشف عن شركاته وفنادقه وكافة أصوله العقارية فى أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية. ويرى بعض الخبراء أنه يُمكن مساعدة المتهم على إتخاذ قرار عودة الأموال المنهوبة بوعد الإفراج عنه، مع حرمانه من الإقامة فى مصر. أعرف أنّ هذا الاقتراح قد يختلف حوله كثيرون، ممن يؤسسون رفضهم على أنّ عودة الأموال المنهوبة حق مشروع، ولكن ماذا لوتعنــّتَ المتهم ورفض التعاون مع جهة التحقيق، وفضل الموت على عودة الأموال لشعبنا، خاصة من معه دكتوراه فى العند ؟ أعتقد أنّ المَخرج من هذا المأزق قد يُسعفنا به الخيال الخلاق والإبداع (حتى فى التشريعات)  حدود

إبداعات غير مألوفة فى تنفيذ العقوبات : فى الحضارة المصرية أبدع جدودنا عقوبة على القاتل (خاصة فى حالات ذوى الأرحام) أشد قسوة من الإعدام، إذْ نصّتْ العقوبة على القاتل أنْ يحتضن جثة القتيل لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال، وتحت إشراف حراسة لضمان تنفيذ الحكم (ول ديورانت- قصة الحضارة- ترجمة د. زكى نجيب محمود، محمد بدران- المجلد الأول – نشأة الحضارة- هيئة الكتاب المصرية- عام 2001 ج 2 ص 98) وعندما انتصرتْ الثورة الصينية عام 1949كانتْ العقوبة التى فرضها الثوار على امبراطور الصين هى أنْ يتحوّل دوره فى المجتمع الجديد من منصب امبراطور إلى وظيفة (جناينى) وتقبّل الشعب الصينى هذا الحكم بارتياح، وتراجعتْ رغبة الانتقام لتـُـفسح المجال للبعد الحضارى، عندما يرى الشعب أنّ الامبراطور يدخل فى منظومة المجتمع الجديد، ويكون عضوًا نافعًا لهذا المجتمع، ويعمل بيديه مثله مثل باقى أبناء الوطن. 

ونظرًا لأنّ وظيفة (جناينى) لا تصلح ولا تنطبق على قتلة شعبنا بالرصاص وبالتشريعات المعادية لأبسط حقوق الإنسان، ومن نهبوا المال العام وأفسدوا الحياة الاقتصادية والسياسية، لذلك أقترح أنْ تكون العقوبة الواجب توقيعها عليهم، بعد إدانتهم بواسطة جهات تحقيق قانونية محايدة وعادلة، أنْ يتحوّلوا إلى عمال نظافة وعمال فى مصلحة المجارى. وأعتقد أنّ هذه الوظائف (الشريفة) هى (المُطهر) الحقيقى الذى يُزيل (جراثيم) النفس البشرية من صدور كل من أجرم فى حق شعبنا (من الحكام ومن الإسلاميين) وفى نفس الوقت هى عبرة لكل صاحب نفوذ سياسى أو اقتصادى، يُفكر فى (توظيف) جراثيمه العقلية والنفسية ضد شعبنا. عبرة تقول بكل وضوح : إنّ انتفاضة يناير2011 خلقتْ مجتمعًا جديدًا، لا فرق فيه بين إنسان وإنسان إلاّ بالعمل، وانتهاء عهد (النظام) الذى يتبنى نهج عصابات المافيا العالمية، وإنتهاء منظومة سادة وعبيد كما قال مدير أمن البحيرة، وهو يُصدر تعليماته لمرؤوسيه (فى شريط فيديو مصوّر ومنشورعلى موقع جريدة البديل) حيث قال لمن يُنفذون تعليماته ((مخطط السيطرة على الحكم لم يكتمل.. وإحنا أسيادهم.. واللى يمد إيده على سيده ح نضربه بالجزمه ونقطعها.. إحنا موجودين ورجاله.. وما فى ش أى عرص يقدر يقرّب منكم)) (صحيفة الأخبار1/3/2011ص4) ولم يُحاكم هذا الضابط على جريمته التى سبّ فيها شعبنا بأكمله، بل ويزدريه ويعتبره من (العبيد) وهو وأمثاله قد تملكونا وصاروا هم (الأسياد) علينا، وهذا الضابط يجب أنْ تكون عقوبته تحويله إلى مصلحة المجارى مع باقى القتلة والمُفسدين. أرجو أنْ يُناقش الرأى العام اقتراحى، ليكون إضافة لثورة شعبنا، تتعلم منها الشعوب الحرة، أنّ شعبنا المصرى عندما رفع شعار ((سلميه.. سلميه)) فى الأيام الأولى، لم يكن (مُبدعًا) فقط فى تسطير حروف انتفاضته، وكان سلاحه الوحيد الحرية لولادة مصر جديدة، يختفى منها كل أشكال التمييز، لم يكن شعبنا مبدعًا فقط فى انتفاضته، وإنما أيضًا مبتكرًا لأشكال من العقوبات، تنزع رغبة التشفى اللاإنسانية (الإعدام نموذجًا) من جهة، وتحقق مبدأ القصاص العادل من جهة أخرى. فهل يرتفع المشرع إلى مستوى تجليات شعبنا فى الإبداع، فينتقل من مرحلة العقوبات البدنية والمقيدة للحرية، إلى مرحلة التطهر بالعمل ؟ كما أنّ الإعدام – فى رأيى – أشبه برصاصة الرحمة التى تـُطلق على الحصان المريض، بينما الأشغال الشاقة والعمل فى مصلحة المجارى سوف تـُذكــّر الحكام الفاسدين والقتلة المجرمين من الإسلاميين، بما ارتكبوه من جرائم فى حق شعبنا. وهل يأتى يوم على مصر فيكون لدينا (الأحرار) الذين يُطالبون بإلغاء كافة العقوبات البدنية، فتدخل مصر ضمن مجموعة الدول المُـتحضّرة؟ 

This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.