رمــضـان

 محمد هشام  محمد هشام

منذ أيام كنت وصديقي أكرم بالمركز الثقافي الروسي لحضور أمسية موسيقية أعطتنا ما أعطتنا من تفاؤلٍ وطاقاتٍ إيجابية ومزيد من الأمل والإقبال على الحياة، وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث بعدها على إحدى المقاهي لنستكمل استمتاعنا بهذه الليلة الوثيرة الغراء، وبعد جلستنا قررنا أن نأخذ جولة على كورنيش البحر إلي منازلنا دون استقلال أية مواصلة رغم المسافة الطويلة التي تفصل بين المقهى الذي انطلقنا منه إلى شاطئ البحر ومنازلنا، ويكأن القَدَر يُخبِئ لنا شيئاً؟!! يبدو أن تلك الليلة تأبى أن تودعنا دون مفاجآت.. دون تلك الأحداث التي تزور نفسك وتقرها دون سابق إعدادٍ أو إنذار لتتذكرها طوال عمرك وتحكيها للناس والأصدقاء.. 

وجدنا شاباً على كورنيش البحر بالإبراهيمية يفترش الرصيف وأمامه عُلَب الحلوى والبسكويت ولكن أكثر ما جذب انتباهي وصديقي هي الأوراق والقصاصات المُلقاة على جانبيه، والأقلام والكشكول الذي أخذ منهمكاً يكتب فيه ويدون، فرأيناه شاردَ الذِهْن غير آبهٍ بالمنتجات التي يبيعها ويتحصل منها على الأموال فجُل اهتمامه كان وقتها بما ينثره في كراستِه!! نظرنا إليه ومشينا خطواتٍ قلائل دون أي حديثٍ أو تعليق.. توقفنا.. حملقت في وجه صديقي وهو كذلك.. أخذنا نتحدث؛ ناظرين إلى هذا الشاب، سألت صديقي: يبدو أنه يذاكر؟! قد يكون في الجامعة ويدرس بالتوازي مع عمله في البيع على الرصيف؟! وقال أكرم: لنذهب إليه نتحدث معه! تحفظت على الفكرة ورأيت أنه لا داعٍ من هذا؛ فيكفي أننا رأيناه وأعجبنا بصنيعه حتي ولو لم نتحدث معه، وأصر أكرم على الذهاب للحديث معه.. 

أكرم: انت بتذاكر؟ 

الشاب: لا أنا بسعد الناس 

أنا وأكرم في ذهول: بتسعد الناس ازاي؟ 

الشاب: زي منتو شايفين الناس بتجبلي أسماءها وبعمل عليها قصائد شعر، بصوا الورق ده كل اسم هتلاقي جمبه بيت شعر بيوصفه وبيتغزل فيه،، وقرأ علينا بعضاً مما كتبه، وأعجبنا جداً بشعرِه..!! 

أكرم: أيوة بتاخد مقابل نظير الشعر ده؟! 

الشاب: منا قلتلك أنا بس بسعد الناس، مش عايز غير كدة!! 

وعرفنا حبه للشعر وقص علينا قصيدة قد كتبها؛ رثاءاً لعبد الرحمن الأبنودي عنوانُها “غاب الخال”، وعرفنا قصته التي تبدأ بنشأته عشر سنين ونيف بإحدى دور الأيتام؛ وقص علينا قصته بهذا الملجئ وتلك المعاناة التي عاشها هناك وحدثنا عن القسوة وعدم الإنسانية وقفز إلي ذهني في الحال نموذج أوليفر تويست الذي صور معاناته الشديدة أديب انجلترا الأعظم تشارلز ديكنز.. 

وقص علينا رمضان –اسم الشاب- كثيراً وكثيراً مما لاقاه وقاساه في داخل الملاجئ وخارجها، ويكأن الحياة تؤرجحه وتقذفة تارةً داخل تلك المؤسسات التي من المفترض أن يُناط بها أدوارٌ عدة أهمها الحفاظ على تلك الأرواح التي انفرط عقد عائلتها البيولوجية لتجد آخر ملجأ وملاذ لها في العائلة الإنسانية، تلك العائلة الأوسع والأشمل والأعم.. ولكن تلك المؤسسات التي أصبحت تخرج إلينا أجيالاً من المشردين والمجرمين واللصوص فقط بسبب معاملتها القاسية وبسبب عمليات النهب والسرقة التي تُجرَى داخلها ويلاحظها النُزلاء والمُرَبين داخلها، وتارةً أخرى تقذفهم الحياة إلي الخارج ليقاسوا العراء وصقيع البرد وحرارة الشمس والأقسى وخز كلمات الناس وأحجار عيونهم التي يقذفونهم بها، فحاولت قدر الإمكان تسجيل بعض تلك التفاصيل في إحدى الوريقات التي استعرتها من رمضان؛ حيث أخبرته بأنني سأكتب عنه مقال الخميس القادم، وحاولت اختزال الباقي في الذاكرة علني أتذكر منها ولو نذرٌ يسير يكون عصباً ودُعامةً لأركان تلك الأقصوصة الإنسانية.. 

وبرغم ما لاقاه وكابده رمضان بالملجأ الأول إلا أنه لا قيمة له بالقياس مع ما لاقاة في مدته الأخيرة قبيل مغادرته؛ فكان يزور الدار دائماً في تلك المُدة رجل أعمال سعودي وتعرف على رمضان وكان الأخير يُلقي عليه قصائده الشعرية وإنتاجه الأدبي فأعجب به رجل الأعمال وأعطى للجمعية سبعين ألف جنيه ليتم وضعهم في حسابه، ونهبت الجمعية تلك الأموال وأخذت تتذرع وتتصيد الأخطاء لرمضان حتى قاموا بطرده من الجمعية مع إرسال شكوى بشأن هذا الأمر لوزارة الشؤون الاجتماعية، وذهب رمضان إلى جمعيةٍ أخرى ولم يدُم أيضاً فيها طويلاً –مكث بها خمسة أشهر- حيثُ عقدت الدار الموجودة بها احتفالاً سنوياً كعادتها وتخلله مسابقة أدبية شارك فيها رمضان وحضر المسابقة محافظ الإسكندرية الأسبق اللواء عادل لبيب، وألقى رمضان بالمسابقة إحدى قصائده التي أعجبت المحافظ فأوصى له بسبعة آلاف جنيه، وأخذ رمضان يطالب بأمواله يوماً بعد يوم من إدارة الجمعية ولكن آماله ومطالبته المتكررة بحقوقه ذهبت أدراج الرياح ونُهب حقه للمرة الثانية، فقرر ترك الجمعية والذهاب إلى القاهرة.. 

وقرر رمضان الذهاب إلى القاهرة والمعيشة بها، ولم يكُن يملك المال اللازم لهذه الرحلة فقرر الذهاب ماشياً من خلال الطريق الزراعيِ، وكان يقرع الدور الريفية للحصول على الطعام، فكانوا يعطونه دوماً الخُبز والجُبْن ومما يصلُب ويشد عوده لاستكمال رحلته، وكان ينام في الأزقة والطرُق، حتى وصل إلى قاهرة المعز بعد سبعة أيام من المشي على الأقدام، ولم يكن هناك بالطبع أسعد حالاً فأوذي كالعادة ولم يهنأ بعيشه هناك، فعمل بإحدى الورش هناك وكان يختزل من راتبه الأسبوعيِ وقام بالدخول في جمعية مع زملائه بالورشة، وعندما رسى الدور عليه للحصول على ماله أخذ سبعمائة جنيه وفي هذا اليوم كان يعبر الطريق ووجد كلباً قد صدمته إحدى السيارات وكان يتكأ على إحدى أرجله وجزء من كليته خارجاً من بطنِه، فألم هذا المنظر رمضاناً وأخذه إلى إحدى العيادات البيطرية وأعطي لسائق التاكسي -الذي رفض حمله والكلب في البداية- مائة جنيه لييتم إنقاذ الكلب بسرعة، وتم إجراء للكلب عملية دفع فيها رمضان الستمائة جنيه التي كانت بحوذته، وذهب به إلى أحد الجراجات وحكى لهم ما حدث للكلب وأوصاهم به لأنه لا يملك المكان ولا الوقت الذي يمكنه من التفرغ له ولمتابعته –أي الكلب- وشكروه ووعدوه بتربيته ومتابعته، ورجع رمضان إلى ورشته وحكي لزملائه ولصاحب الورشة ما حدث وما فعله بأموال الجمعية التي قبضها أول اليوم فما إلا أن ثارت ثائرته وسخر منه زملاؤه واعتبروه مجنوناً ومختلاً عقلياً فطرده المعلم خارج الورشة!! 

ورجع رمضان مرةً أخرى إلى الإسكندرية وتعرف على بعضٍ من أهل الخير هناك الذين قاموا بجمع ستة آلاف جنيه ليبدأ بهم مشروعاً يعينه على المعيشةِ والكسب بعيداً عن حياة الشارع، وتعرف وقتها على أحد السائقين وأخذ يقضي معه وقتاً كبيراً كل يوم، وفي يوم من الأيام أخبره هذا السائق بأن ابنته تحتاج إلى عملية الزائدة التي تتكلف مالاً كبيراً ولكنه لا يمتلك هذا المال وأعطاه عمر الستة آلاف جنيه التي كانت من المفترض تعينه في مشروعه القادم، وتظاهر هذا السائق بحب رمضانٍ بعد ما فعله معه وابنته، وبعدها بشهور كان السائق يحتاج بعض اللوازم لبيته ووجد مع رمضان خمسين جنيهاً فقام بضربه وأخذها منه ليفارقه رمضان غير مصدقٍ ما حدث بعد ذلك المعروف الذي أسداه إليه، وبعد مدة اتصلت زوجة السائق برمضان وأخبرته بأنه في المستشفى ويرغب في رؤيتك فما أن سمع رمضان بهذا فذهب لشراء الفاكهة ولبى النداء وزار صديقه القديم الذي خانه وأعطاه مائة جنيه وطلب السائق منه أن يسامحه على ما فعله معه!! 

وبرغم تلك المعاناة وتلك الأحداث الجِسام -التي يبيض من هولها شعر الصبيةِ الأسود- ورغم خوفه الدائم من الناس، إلا أن رمضان ما زال يبتسم ويضحك ويسعد الناس.. فالكلمة عند رمضان سلاح يدافع به عن نفسه، الكلمة والشعر والأدب عنده الستار الذي يختبئ به من قسوة القلوب وغياب الإنسانية، ويبدو أن رمضان يفخر بمعيشته في الشارع فخر النبلاء في قصورهم؛ فالحياة داهله وليست فيما هو خارج عنه، فيراها في الشِعْر.. في حديثه وبوحه مع الآخرين.. في البسمة التي ترتسم على شفاة من يتغزل بأسمائهم شِعراً.. نعم رمضان يعيش على هامش الحياة في الرصفان إلا أنها الحياة التي يراها رمضان تليق به لكي يستمر في مهمته ورسالته الإنسانية كعازف للسعادة!! 

وأبى رمضان أن يودعنا إلا ببعض أبياته الشعرية والتقطت منها ما أستطيع.. 

ذلك هو الضُعف الذي يجعلني إنسان جبان.. 

أخاف من كل الناس لأنني ضعيف البنيان.. 

أريد الهروب لأي مكان.. 

أبحث عن وطن خارج الاوطان.. 

يرحمُك يا ضعفي.. 

Print Friendly
This entry was posted in Alexandria's memory من ذاكرة الإسكندرية, محمد هشام and tagged . Bookmark the permalink.