رائف بدوي ومأساة القضاء بما أنزل الله

أرنست وليم     ارنست وليم             

تذكرة بالقضية : رائف بدوي هو كاتب سعودي ليبرالي ومناضل حقوقي ، مؤسس موقع “الليبراليون السعوديون” الالكتروني عام 2006م حتى إغلاقه عام 2012 .. .. مثل أمام المحكمة الشرعية في المملكة العربية السعودية 2012 م بتهمة وجود “بوستات” أو تعليقات على صفحته تسيء إلى الإسلام (حسب تصورهم ) ولو كانت ليست له ، ولكنه بصفته مدير الموقع كان الواجب عليه الحذف وإلا صار تركه لها تواطأ وتأييد مبطن بحسب رأي اصحاب الدعوى..

التهمة : الردة  ..

الحكم : صدر الحكم الأول في 29 يوليو 2013م بالسجن 7 سنوات والجلد 600 جلدة ..

 وفي عام 2014 وعلى خلفية التصريح الذي أدلى به في حديث خاص على شبكة السي أن أن الأمريكية أواخر 2008 والذي طالب فيه صراحة بإلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكلها الحالي بل ومحاسبة رئيسها “إبراهيم الغيث” ومحاكمته في محكمة العدل الدولية للتحقيق في جرائم تعتبر انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان من تصفية وإبادة وتعذيب وإخفاء الأثر تتم على أرض السعودية .. وكان هذا التصريح هو القضية الثانية التي عرضت على القضاء الشرعي السعودي فغُلظت العقوبة من السجن سبع سنين لعشر سنين ، وأضافت التغريم بمليون ريال ، وزادت عدد الجلد بالسوط إلى 1000 جلدة على عشرين دفعة كل دفعة 50 جلدة ..

تساؤلات مشروعة حول الحكم .. لو كان الأمر في إهانة الإسلام فهو يعني أنه أهان الله أو الرسول والقرآن .. فإن كان قد سب الله والقرآن والدين فيستتاب فإن رجع فقد عُذر وأطلق، وإن أبا قُتل فهلك .. وإن سب الرسول فلا توبة له بل يقتل، هذا هو الشرع على مذهب الوهابية .. فالسؤال هو أننا سنفترض أنه سب الرسول أو لم يعود عن ضلاله فلماذا لم يطبق عليه الحد فتقطع رقبته كما قطعت آلاف الرقاب قبله ؟؟ ..

 وإن سب الدين والله وتاب .. فهل الضرب 600 جلدة وسجن سبع سنين (في القضية الأولى الخاصة بالردة) تعذير يقبله من أوتي من العقل ولو النذر اليسير؟؟

وفي النهاية هل يحتمل رجل (ضعيف البنية مريض بالسكر) 50 جلدة عشرين مرة ويقيم في أقبية السعودية (بتوصية خصوصية من أولي الأمر وكهنتهم) لمدة عشر سنين ويخرج حيا ؟؟

فقد بلغت هذه العقوبة لرجل قال بضع كلمات ولم يحمل سلاحا ولا دعى حتى لثورة ، فجريمته أنه قال رأيا لم يوافق رجال الدين ولم يعجب السلطان ، ودافع عن رجال في السجون لا يعرف حي عنهم شيء لتهم غير محدد ولا منطقية ..  بشاعة هذه الإساءة للإنسان قبل الإسلام مبلغا يندى لها جبين من يعيش على كوكب الأرض وقد سمع بها ولم يفعل شيئا ولم يقل شيئا بل قام فأكل وشرب وتوضئ فصلى وشكر ونام على كل هذا العار..

 تبدوا بشاعة هذا العقاب الذي يخالف حتى الشرع في تصورهم الضيق – اي ما يحسبونه شرع إلهي ديني اسلامي – عند المقارنة بقضية أخرى حدثت في نفس التوقيت تقريبا لنرى من خلال الأحكام الصادرة هول ما يمكن أن يصل إليه قضاء لا يحتكم لنص واحد موحد قابل للتعديل والتطور وليس بالإضافات التي لا تنتهي حتى الترهل .. وعندما – وهو الأخطر – يكون رجل الدين بسيكولوجية رجل الدين قاضيا .. فأنها والله لهي الكارثة المحققة ..

… المحكمة الشرعية للعربية السعودية يا سادة يا كرام حكمت في عام 2012 ، أي في نفس العام الذي صدر فيه الحكم الأول على رائف بدوي كمرتد ، على داعية إسلامي شهير اسمه “فيحان الغامدي” بدفع دية لزوجته واعتبرت بقائه في السجن اثناء التحقيقات 10 شهور عقوبة كافية كعقوبة على ما ثبت ضده من اتهام ..

فماذا كان جرمه أعزكم الله أخواني القراء .. هو بكل بساطة قد أرتكب واحدة من أبشع جرائم ارتكبت في حق البشرية منذ خلق الله الإنسان على وجه هذه الأرض .. هل أبالغ ؟!! .. اسمعوا وأحكموا بأنفسكم والله شاهدا بيني وبينكم ..

هذا المخبول، المدعو داعية، ذهب بابنته البالغة من العمر 5 سنوات إلى المستشفى وهي في حالة غيبوبة ، مدعيا انها سقطت وعبثت بأشياء في المطبخ ، لا حظ الفريق الطبي بالإضافة لتضارب اقوال الأب في شرح ما حدث للطفلة انه يخفي أشياء وأنه يكذب إلى حد الهذيان .. وبأجراء الفحص الطبي في حضور فريق موسع من الأطباء وأخصائية اجتماعية “راندا كليب”

والتي أدلت بتصريحاتها على الفور تؤكد فيها أن الطفلة قد تم اغتصابها من كل موضع [التي ستغير أقوالها فيما بعد] .. هذه التمزق الذي يصعب إخفائه قد أصاب العضو التناسلي الغير مكتمل (لطفلة عمرها 5 سنوات) وكذلك مؤخرة الطفلة .. وهذا ما صدر رسميا في التقرير الطبي بعد الفحص الكلينيكي حيث أكدت أجراء أول فحص على الطفلة التي وصلت في 25 ديسمبر عام 2011 م وبالفحص تبين أنها تعاني من كسور في أماكن متفرقة من الضلوع ، وكسر في العمود الفقري وشرخ في الجمجمة وبعد الأظافر المقتلعة من أصابع اليد والقدم تم اثباتها .. بالإضافة لحروق متفرقة أغلبها على الجسد وكذلك كي في فتحة الشرج .. وذكر التقرير أن هذه الفتاة تعرضت بلا شك للضرب بعصي وأسلاك كهربائية وكي بعد اغتصابها من كل موضع بطريقة همجية نادرة الحدوث… وبعد وفاة الطفلة في العناية المركزة بعد 10 شهور ، في 22 أكتوبر 2012 خرج تقرير المشرحة يؤكد ما تم تسجيله في تقرير الفريق الطبي .. وفي تحقيقات النيابة اعترف الداعية بكل ما جاء في التقرير الطبي وأنه حاول أخفاء أثار التمزق أو وقف النزيف الحادث في الشرج بالكي بالنار أكثر من مرة ..رائف بدوي

وبعد مسائلة الأم تبين أنها طليقة هذا الوحش البهيمي وأنه سبق وأن طالبت باستمرارها بحضانة الطفلة ولكن المحكمة رفضت .. وان الأب يوم تنفيذ الحكم باستلام الطفلة من أمها أتهم الطفلة بسوء السلوك وطالب بأجراء فحص طبي يتأكد من خلاله أنها – أي الرضيعة- عذراء ، وتم الفحص الطبي في المستشفى بالفعل وخرج التقرير يؤكد عذرية الرضيعة …

وعرض هذا المجرم على القضاء .. ومع تقرير الفريق الطبي وتقرير المشرحة واعترافاته بكل ما نسب إليه .. صدر الحكم في مطلع 2013 م من القضاء السعودي بإطلاق سراحه باعتبار 10 شهور التي قضاها في الحجز على ذمة القضية كافية كعقوبة مع دفع ما يعادل 31 ألف جنية استرليني لطليقته كدية شرعية .. (حسب جريدة “التيمز” اللندنية – نقلا عن جريدة “القدس” عدد الجمعة 21 / 2013)

 القضاء السعودي الشرعي يعمل وفق ما ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يقتل الوالد بولده ، واحتجوا بما رواه الترمذي (1401) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ” –  (عن موقع الإسلام سؤال وجواب للشيخ محمد صالح لمنجد)

طبيعة أحكام ما يسمى القضاء الشرعي ..

من حق من يقرأ ما يصدر عن القضاء الشرعي أن يتذكر حكم رجال الدين كقضاة في القضايا الدينية والمدنية بل وحتى في الأحوال الشخصية … فاعتمادهم على نصوص ثابتة ضيقة مهما اتسعت ومحاولة اسقاط الواقع عليها يكاد يكون مستحيلا .. ولكنهم من منطلق أن الدين ملئ كل فراغ وهو الحاكم الصداق العادل المنزه عن الهوى يجعلهم يشدون شعر وذقن كل النصوص ليطوعوها على هواهم ويقولون أنما هو شرع الله المبين .. وإنما الحُكم لله ..

ولكن الحق والواقع أنهم يخدعون الناس بأقبح الكذب وهو الكذب على الله بإقحام أقوال يمكن لأي شخص استخدامها بلا حرج بعد أن فرغت من معناها وهي : “أجماع الأمة” … “ما ذهب إليه جمهور العلماء” ، “حكم اهل السنه” ، “جاء على لسان فلان كذا وكذا” … … … إلخ ..

وهم يعلمون جيدا ، ومطمئنون تماما ، أن أحكامهم تفتقر إلى تشريع قانوني محكم يمكن الاحتكام إليه بنفس مطمئنة .. فمثلا لو أردنا قتل رجل قتل أبنه لقلنا هذا الحديث المأخوذ عن أبن عباس ضعفه أكبر أهل الحديث باعا .. فلا يمكن الاطمئنان لصحته في أحسن الأحوال أن لم نقل حديث ضعيف وذهب بعضهم أنه مدسوس ملفق .. وأخذنا بمذهب مالك الذي قال بقتل القاتل ولو كان أب القتيل .. واستشهدنا بالنص القرآني :” وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس” دون أن يضع لهذه القاعدة استثناء بابن أو أهل ذمة أو حتى كافر ما لم تكن هناك حرب – “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين  ..

فالمجال أمام رجال الدين وفقهائها واسع فضفاض غير محكوم بنصوص واضحة صريحة تتغير بتغير تطور المجتمع فتجُب ما قبلها بل نحن أمام اطنان يختلط فيها المذهب مع الأحكام مع التفاسير ، والاجتهاد القديم يضاف إليه مستحدث ليخرج بعدهم ثالث يوفق، لرابع يرجح، لخامس يرى، لسادس يحسب ويظن، لسابع يعيد البحث والتقصي ليصل إلى لا شيء أو يتخذ من أحد الموجود عمادا … إلى ما لا نهاية ..

إذا لنعترف أن النص حمال أوجه بل مطاط إلى ما يفوق قدرتنا على التصور .. ثم انعدام المحاسبة لهؤلاء القضاة إلا من السلطان .. فالأمان هو موافقة رأي السلطان أو تصير القضايا محاولة لإثبات وجود هل نحن الفقهاء قادرين على الحكم أم مازال للسلطان شكيمة فنتراجع قليلا حتى نجد زماننا فننقض على الأمير (الصراع الحتمي على الحكم في الدول المتخلفة بين رجل الدين والسلطان بين حامل كتاب الله وحامل السيف ) … ولكن النتيجة الحتمية الأبدية هو أن ينحر على مذبح الصراع على السلطة طالبي العدالة ..

وحتى لا نطيل فإلى المقال القادم حيث نعود لقضية رائف بدوي  وفيحان الغامدي – سود الله وجهه – كمثال على طبيعة العلاقة الآثمة بين رجال الدين وأهل السلطة والتي عندها تنتحر العدالة بين الناس ويهجر الحق الأرض ويصدح الكفر باسم الله ..

 

Print Friendly
This entry was posted in ارنست وليم and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.