الحزب العلماني والحزب الديني 

 رفعت عوض الله  رفعت

الأستبداد السياسي وحكم الفرد، والسير في طريق ومسار الحاكم الزعيم الملهم حامي حمي الوطن والحارس للقومية والمعادي والمتوجس من مؤامرات الغرب والاستعمار والمحذر المتخوف من الغزو الثقافي والداعي للاصالة والحفاظ علي هويتنا القومية… علي مدي عقود هذا المسار الأستبدادي جرم الحرية واحتكر التفكير والتوجيه والوصاية الابوية علي جموع الناس، فربي اجيالا احادية الفكر والنظرة والتوجه، لا تعرف التنوع والاختلاف ولا تحترم المخالف بل تري فيه عدوا خارجا علي الإجماع الوطني بل وخائنا وجب عقابه وتجنيب المجتمع شره.

فشلت دولة الاستبداد تلك يوم هزيمة يونيو 1967، ولان المجتمع والناس كانوا بفعل ممارسة الدولة التسلطية القهرية، ولانهم لم يعرفوا شيئا عن التنوير وإعمال العقل، ولانهم لم يتربوا علي الديمقراطية، ولم يتدربوا علي التفكير بطريقة علمانية تفصل بين المطلق والنسبي…. أقول عشية هزيمة 67 التي عكست فشل دولة الاستبداد أسلموا انفسهم للدين والإيمان لعل نفوسهم وارواحهم القلقة المضطربة الحائرة والتي تجرعت كاس الهزيمة حتي الثمالة ترتاح وتنعم بهدوء البال… وهكذا أفضي بنا الاستبداد الي الارتماء في احضان الدين نشدانا للعزاء والتعويض الروحي ومصالحة السماء.

شيئا فشيئا قوي في العقول والنفوس وجوب العودة للإسلام ونشط رجال الدين والخطباء والكتاب الأسلاميون في حث الناس للرجوع للإسلام الذي فيه الخلاص والقوة والمنعة. 

رحل عبد الناصر في 1970 وتولي السادات دفة حكم الدولة الاستبدادية…السادات اراد ان يكون ذا شخصية مستقلة وله بصمة تختلف عن سلفه….فماذا يفعل ؟

اخرج الإخوان من السجون، ترك لهم الشارع والنقابات والمدارس والجامعات.اعلن عن ذاته بوصفه الرئيس المؤمن، رفع شعار دولة العلم والإيمان.

في تلك الإثتاء رحل للخليج علي إثر تفجر الثروة البترولية اعداد غفيرة من المهنيين المصريين والعمال الذين انبهروا بالغني والوفرة المادية في دول الخليج وفي القلب منها السعودية… في غمرة أنبهارهم ربطوا مابين الوفرة والغني المادي والإسلام الوهابي الراديكالي وأمنوا بان غني تلك البلاد سببه تمسك الناس والدوله هناك بالإسلام الحرفي الشكلي الوهابي… نقلوا تلك الثقافة لمصر، بدأ التسلف والحجاب والحرام والحلال…كل هذا مع تفجر الثورة الإسلامية في إيران ونشوء ما سمي بالصحوة الإسلامية..أقول كل هذا أدي إلي صعود تيار الإسلام السياسي الذي عمل بحماس وتخطيط وبدأب علي أسلمة المجال العام في بلادنا المنكوبة، فاصبح “الإسلام هو الحل “هو شعار الجميع.

بعد سقوط مبارك بعد 25 يناير 2011 تكونت أحزاب علي اساس ديني ” حزب النور السلفي ” وحزب الحرية والعدالة الإخواني، وعدد من الأحزاب الصغيرة… في الإنتخابات التشريعية أيام حكم المجلس العسكري بعد مبارك فاز الاسلاميون من إخوان وسلفيين بمعظم مقاعد مجلس النواب ولم يحصل دعاة الدولة العلمانية إلا علي أقل المقاعد.

جرت في تلك الاجواء الإنتخابات الرئاسية ففاز فيها ممثل الإسلاميين محمد مرسي.

جرب المصريون الإخوان الذين عمدوا للعمل علي تعميق أسلمة الدولة بل اخونتها، وككل التيارات الفاشية عمد الإخوان وهم في الحكم الي تمييز فصيلهم ووضعه فوق كل اطياف المجتمع.. بدات مصر تتداعي تحت حكم الإخوان، فطن الجيش المصري الوطني لخطورتهم علي الدولة والمجتمع المصري فساند ثورة المصريين عليهم وتم عزل مرسي في 3 /7 / 2013.

ألف المصريون دستورا جديدا ينص علي عدم جواز قيام احزاب علي أساس ديني وصدر حكم بحل حزب العدالة والحرية ولكن حزب النور السلفي ظل موجودا وفاعلا في الساحة السياسية حتي الآن.

الأحزاب السياسية غير الإسلامية مثل حزب المصريين الاحرار والمصري الإجتماعي وغيرهم لم تعلن قط إنها احزاب علمانية رغم كونها احزابا في الواقع علمانية فهي تدعو لفصل الدين عن السياسة وتنظر للدين علي انه شان فردي خاص وتري إن اساس الدولة والمجتمع اساس بشري وليس إلهيا.

أقول لماذا رغم كل هذا لا تصرح تلك الاحزاب انها علمانية ؟

نجح  الإسلاميون نجاحا هائلا في تسويق العلمانية علي إنها مرادفة للإلحاد والكفر والإباحية والأنحلال الاخلاقي.ولان الناس في غالبيتهم متأثرون بما يسمعونه من شيوخ المساجد والفضائيات وليس لديهم أدني ثقافة بشان التنوير والعلمانية، ولان الثقافة السائدة هي ثقافة السمع وترديد ما نسمعه فنؤمن به أستقر في وعي الجماهير المسوقة ما أشاعه الإسلاميون عن العلمانية، لذا لا يجرؤ أي حزب علماني علي البوح بانه علماني فهي كلمة مجرمة مؤثمة.

في حين ان العلمانية وفقا لتعريف مراد وهبة ” التفكير في النسبي من حيث هو نسبي وليس من حيث هو مطلق ” وهذا يعني حصر الفكر في امور الدنيا والزمان وما يتجاوزها ليس لنا ان نحكم فيه ولكن نسلم بما قال به الدين… وعلي هذا ليست العلمانية إنكارا للدين ولكن فصل مابين ما للسماء وما للارض… ولما كانت السياسة وقيام الاحزاب هي من امور الدنيا التي تصرف بعقولنا وتجاربنا في الحياة فلا يجب إقحام الدين فيها لان هذا خلط للمطلق ” الدين” بالنسبي المتغير ” السياسة “.

ولان الدين من شان البشر فليس للدولة دين ولكن الدولة بوصفها جهاز يدير شؤون الناس ترعي وتحترم الدين وتكفل حرية العقيدة والعبادة.

علي الاحزاب العلمانية ان تعلن صراحة انها علمانية ولا تنبطح وتخضع لابتزاز الإسلاميين لها. عليها ان تنشر الثقافة العلمانية بين الناس… عليها ان تثبت ان الأحزاب الدينية ليست دستورية وليست في صالح الدولة والمجتمع..عليها ان تناضل لإقامة الدولة العلمانية في بلادنا…. العلمانية هي الحل.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in رفعت عوض الله and tagged , , , . Bookmark the permalink.