سماحة العقوبة

محمود الأمين         محمود الأمين         

فى الشارع الهادئ بعد منتصف الليل , يسير مترنحا بجوار صديقه الذى رفض أن يشاركه الشراب , يغمغم بكلمات غير مفهومة , يتخبط يمينا ويسارا وصديقه ممسك بيده كى لا يسقط على الأرض , ثم سأله فى وجوم : لماذا ؟

فأجاب : إنها متعة عدم التحكم فى الذات , ويالها من متعة .. نحن منذ أمد نعيش تحت إدعاء الحرية والسيطرة فى نفس ذات الوقت , ولكنها قيود أحطنا بها أنفسنا , صرنا نخجل من أفعالنا فلا نتصارح بها , ونعيش فى قوقعة أفكارنا كى لا يسخر من كلامنا أحد .

حاول إبتلاع ريقه فوجد حلقه جافا , ثم استقام واقفا ونظر الى صديقه وقال : لماذا يسخرون ؟ هل يفهمون حقا ما أقول ؟ هل هم على قدر عقولنا ؟ أم انا الذى على قدر أقل من عقولهم .

أصدر ضحكة عالية سمع صداها عائدا اليه وسط أطلال البنايات الفارغة وقال : يذكروننى بمزحة القرد التى ضحك عليها جميع الحيوانات إلا ذلك الحمار الذى فهمها فى اليوم التالى , متى سيأتى اليوم التالى ؟

انتهت كلماته وجلس على الأرض وجسده كله يهتز, يحاول أن يمسك الأرض بيديه كى لا يسقط مغشيا عليه , فجلس صديقه بجواره وقال : أما آن لنا أن نعود ؟ يكفى ما قلته اليوم .

نظر اليه فى فتور وجفناه ساقطان وقال وهو يحاول رفع يده الثقيلة : هل تعرف الفرق بين الحقيقة والوهم ؟ الكثير يحارب من أجل أوهام تعلقوا بها , أما أنا فأحيانا أتوه بين الحقيقة والوهم , أيهما بين يدى وأيهما خلفى .. هل أنا الآن حقا الامس الأرض ؟ هذا ما نراه ! ولكن ما لا نراه هوالمسافة بينى وبين الأرض , هل تعلم لماذا أعشق رواية” life of pi ” لأنها قالت ما أود قوله ,لأنها صرخت فى الناس بصوت هامس : أيها الناس إنكم لا تصدقون إلا ما أعتدتم على تصديقه , سأتلاعب بكم , وأثبت أنكم تقبلون الوهم لا لشيئ إلا لأنه مريح .. أما الحقيقة فهى ليست كأحلام الطفولة الخصباء , وأمان الأبوة الذى لا يدوم , إنها الألم .

حاول صديقه أن يقاطعة فابتسم فى وجهه قائلا :أتعلم أجمل ما فى الحياة ؟ إنها العشوائية المطلقة , لا حارس ولا نظام , ومع ذلك فشلنا فى صنع النظام .. لأنه ليس هناك من لديه القدرة على صنعه .

سقط على ظهره مستسلما لدوار لا يستطيع إيقافه, شعر أنه فوق أمواج تتحرك به , كأن قدميه يعلوان ثم يهبطان , أغمض عينيه واستكان لتقلبات وجدانه , غاب عنه الضوء وانتقل من أمواج إلى أمواج حتى رأى الضوء من بعيد, صار فوق سحابات عاليات ثم انتهى الضوء وجاء آخر .موت رحيم . حقن .دواء

كان يجلس مع صديقيه المتبقيان له بعد الحادثة التى أفزعت الجميع , وسط خيام فارغة لا حياة فيها , وأدخنة متصاعدة وركام وحطام فقال أحدهما : ياصديقى إنهم يتحدثون دوما ولا يفعلون شيئا , هذا العالم مليئ بالشرور ولا يستطيع أحد أن يخاطب الحشد فيقول : أيا كان ما ينتظركم بعد الموت فعيشوا اليوم .

فقال : وما يدريك ؟ لو كان قولك حقيقيا لما تحمل الناس , إنهم يموتون جوعا , تهبط عليهم المصائب كالصواعق , لو عرفوا أن عنائهم بلا مقابل لانتحروا .

راح الضوء ثانية شعر بمن يحمله ويعدو به ثم عاد : ياصديقى إننا إن اخبرناهم الحقيقة لاقتتلوا .فأجابه قائلا : إنهم يقتتلون على أى حال , من أجل ما يعتبرونه حقيقة .

فقال الآخر : إذا , ما هى الحقيقة ؟ وما هوالوهم ؟

استند بيديه على ركبتيه وقال : لا أعرف ,ولكن سيظل عقلى يحارب محدثا نسيجا بين الإثنين كى أستمر فى البقاء .

اختفت الأرض من أسفله وخانته قدميه فسقط من أعلى , راح يلوح بيديه وقدميه يبحث عن شيئ يتشبث به , حتى إرتطمت رأسه بالأرض , شعر بوخز خفيف فى أطرافه وصداع يكاد يشق رأسه نصفين , وبرودة تتصاعد من أصابع قدميه ,فوقف محتضنا نفسه كى يحمى نفسه من البرد , ونفخ فى يديه واحتضن رأسه فخف الألم قليلا .. رفع رأسه فإذا بالجميع ينظرون اليه وهم يسيرون مبتعدين عنه , النساء والرجال والأطفال يختلسون النظرة اليه فى خوف ثم يدخلون بيوتهم ويغلقون أبوابها ..تجاهل الأمر وتحرك مبتعدا إلا أنه ظل يتسائل : لماذا ؟

ثم استطرد قائلا : وما الضير سأعيش وحدى , لايعنونى فى شيئ .

الشوارع صامتة كأن البيوت منافذ للآخرة ,وفارغة سوى من أوراق الخريف المتناثرة , أخذ يدور فى الشوارع باحثا عن أى من مظاهرالحياة , لا شيئ .. فقط مبان شاهقة وشوارع ضيقة .

أرهقه السير فجلس بجوار أحد المبانى منتظرا لا شيئ , مرت ساعات تلو ساعات , فقام ينادى : ياناس , أين أنتم ؟ لماذا تخافون منى؟ أنا لا اؤذى أحدا .

لا أحد يجيب فراح يعدو وينادى حتى شعر بإعياء كاد يوقف تنفسه , حاول أن يهدئ من نفسه , إلا أن صعوبة التنفس فى ازدياد ,قلبه يخفق بشدة ويضيق صدره حتى توقف الهواء تماما , راح يطرق على الأبواب كى ينقذه أحد , لا أحد يجيب  .. يعدو كالمجنون , لاهواء ولا صوت ولا أحد يراه .

سقط مغشيا عليه وكأن كل شيئ انتهى , فإذا بالهواء يعود من جديد وجفنيه يكافحان من أجل أن يرى .. جسده مقيد فى سرير تخرج منه الأنابيب البلاستيكية , ورجلان بملابسهما البيضاء وكمامات ونظارات , وآخر ببدلة مهندمة وفى يده ورقة يتلو منها قائلا : قرار 1657 :إنه فى يوم الجمعة الموافق ..من صفر عام 1494 هجرية , .. من شهر أكتوبر عام 2073 ميلادية , وبعد ثبوت الهرطقة بالدليل الذى لا يقبل الشك , والعودة الى مجمع العلماء تبين الإدانة بالإجماع ,وتأكيدا على سماحة العقوبة ومواكبتها لتطورات العصر , سيتم تنفيذ الخطوة النهائية من عقوبة الإعدام بـالحقن  ” الموت الرحيم ” .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمود الأمين and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.