الاستخدام النفعي للدين والحاجة للتجديد

د‏.‏ نصر حامد أبوزيد  نصر ابو زيد

ينطلق كاتب هذا المقال من موقف واضح وصريح فحواه أن ما يطلق عليه اسم ‘ الصحوة الأسلامية ‘ في العالم الإسلامي عموما، وفي العالم العربي علي وجه الخصوص، ليس إلا تعبيرا عن أزمة تاريخية اجتماعية سياسية ثقافية بدأت ملامحها في التبلور في الربع الأول من القرن العشرين، وتحديدا مع أزمة ‘ الخلافة ‘ بعد قرار الكماليين بإلغائها. قبل ذلك بوقت قليل كانت الثورة المصرية ضد الاحتلال ثورة 1919- تتوج انتصارها بتدشين دستور 1923 بعد نقاش حول مإذا كان من المفيد النص علي ‘ أن دين الدولة الإسلام ‘. انتهي النقاش إلي أنه ‘ لا ضرر ‘ من هذه المادة. لكن أزمة الخلافة وما تبعها من جدل بين المؤيدين لإلغائها علي أساس أنها كانت مجرد نظام تاريخي اختاره العرب، ومن حقهم الآن أن يختاورا مايشاءون من أنظمة ( علي عبد الرازق ) وبين هؤلاء الذين رأوا في إلغائها جريمة دينية تعود بالمسلمين إلي ‘ الجاهلية ‘ إذا لم يسارعوا بإعادة إقامتها ( رشيد رضا.

ومع فشل كل محاولات إقامتها نتيجة تنافس الحكام والملوك العرب وغير العرب علي تبوؤ سدتها تحولت دعوة ‘ الخلافة ‘ إلي دعوة إقامة ‘ حكم الله ‘( الإخوان المسلمون ) بتطبيق أحكام الشريعة. تلك هي البدايات الحديثة لتبلور مفهوم الدولة التي يجب أن يسود فيها شرع الله بدلا من القوانين الغربية. وهي بدايات تأزم كما نري، إذ لم يكن في الإمبراطوريات الإسلامية الأموية أو العباسية أو الفاطمية أو دول الأندلس نظام تشريعي موحد يشبه من قريب أو من بعيد النظام القانوني في الدولة الحديثة. ومن اللافت للنظر أن دعاة دولة ‘ الشريعة ‘ وقفوا بحزم ضد محاولات ‘ تقنين الشريعة ‘, بمعني صياغتها في قوانين يستطيع القاضي مسلما كان أو غير مسلم أن يطبقها في القضاء. كان المبرر أن ‘ تقنين ‘ الشريعة سيحولها إلي قوانين ‘ وضعية ‘ فتفقد بذلك قداستها ( رشيد رضا ). ومعني عدم التقنين أن تظل مرجعية القاضي القانونية غير واضحة، فكتب الشريعة الفقه مليئة بمناقشات وتفاصيل وافتراضات واشتقاقات يعجز معها أي قاض عن اتخاذ قرار إزاء موضوع بعينه، ما لم يكن هو نفسه فقيها بالمعني الكلاسيكي. 

تفاقمت الأزمات بسبب طبيعة الدولة الوطنية القمعية غير الديمقراطية إذ هي إما وراثية أو عسكرية انقلابية، تحاول جاهدة استيراد إيديولوجيات ترسخ بها مشروعيتها السياسية. تعددت هذه الإيديولوجيات من أقصي اليمين ( الوهابية ) إلي أقصي اليسار ( القومية الاشتراكية ), لكنها اشتركت في ملمح واحد، هو طبيعتها القمعية اللاديمقراطية، وبنيتها المهترئة في علاقتها بالخارج. كان إقامة الكيان الصهيوني لدولته بمثابة مبرر لانتصار مفهوم الدولة الدينية، وكان انتصار هذا الكيان علي الجيوش العربية سببا كافيا ومقنعا للاقتناع بأن ‘ الدين ‘ عنصر للقوة، وأن البعد عنه قرين الضعف والهزيمة. قامت في شبه الجزيرة الهندية في نفس الوقت دولة للمسلمين الهنود أطلق عليها اسم باكستان، ثم تحللت إلي دولتين بعد ذلك. كانت أوروبا العلمانية – وهذا من المفارقات التاريخية الملتبسة – وراء إنشاء الدولتين لأسباب مختلفة بطبيعة الحال. 

كانت هزيمة 1967 الشاملة قد كشفت بالفعل عن وجود أزمة في الواقع، وكشفت أيضا عن وجود أزمة في الفكر وفي النظام السياسي بصفة خاصة. ورغم أن الهزيمة لم تكن مفاجئة تامة إذ ورد توقعها في النبوءات الشعرية والأدبية وبعض الكتابات السياسية، فإن حجم الهزيمة وشمولها كان هو المفاجأة الفعلية للجميع، المتفائلين والمتشائمين علي السواء. تجلي رد الفعل إزاء ما كشفته واقعة الهزيمة مما كان مستورا من أوضاع في فيض من الكتابات عن التراث بحثا عن جذور الأزمة. في هذا السياق يمكن التذكير بعشرات العناوين، نذكر مثلا كتابات ‘ زكي نجيب محمود ‘ التي تحولت من الكتابة عن ‘ الوضعية المنطقية ‘ للبحث في التراث. يمكن أيضا الإشارة إلي كتابات ‘ طيب تيزيني ‘ و ‘ حسين مروة ‘ و ‘ مهدي عامل ‘ و ‘ محمد عابد الجابري ‘ و ‘ أدونيس ‘, بالإضافة إلي بيان جماعة ‘ الشعر ‘. 

كانت ‘ إيران ‘ نموذجا للدولة العلمانية القمعية بامتياز، بينما كانت ‘ تركيا ‘ قد أقامت علمانيتها علي أساس الحماية العسكرية. قدر للنموذج الإيراني أن يخلق نقيضه لأسباب لا تتسع لها هذه الورقة، بينما استطاعت تركيا أن تجذب العواطف والمشاعر الإسلامية إلي أرض ‘ العلمانية ‘. قامت الثورة الإسلامية في إيران علي أنقاض عرش الطاووس، وحين نجحت أقامت ‘ جمهورية ‘, وتلك مفارقة أخري حيث كان من المتوقع أن تؤسس ‘ خلافة ‘ أو ‘ إمامة ‘. أعطي هذا النجاح زخما هائلا لدعاة الدولة الدينية في كل مكان. فهل كان ذلك نجاحا بالمعني الإيجابي، أم كان قمة التعبير عن ‘ الأزمة ‘ السؤال يستمد مشروعيته من النقاش اللاهوتي والاجتماعي السياسي الحاد الآن في إيران، وهو نقاش يتحدي الأساس المعرفي لمقولة الدولة الدينية. 

1- الاستخدام النفعي للإسلام: 

من أهم التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا العربية الآن، ذلك الاستخدام الإيديولوجي النفعي للإسلام لتحقيق مصالح وغايات ذات طبيعة فئوية محلية عاجلة. وسواء تم هذا الاستخدام من جانب جماعات سياسية بعينها، أو من جانب أنظمة وسلطات سياسية فاقدة للمشروعية الاجتماعية والسياسية والقانونية، فالنتيجة واحدة، هي تحويل الإسلام إلي أداة من الأدوات واختزاله في وظائف وغايات ذات طبيعة دنيوية متدنية. ولننظر مثلا في مقولة أن الإسلام دين شمولي، من أهم أهدافه ووظائفه تنظيم شئون الحياة الإنسانية الاجتماعية والفردية في كل صغيرة وكبيرة، بدءا من النظام السياسي ونزولا إلي كيفية ممارسة الفرد لنظافته الذاتية في الحمام. هذه المقولة تفترض أن دخول الفرد في الإسلام بالميلاد والوراثة أو بالاختيار الواعي يعني تخلي الإنسان طواعية أو قسرا عن طبيعته الإنسانية الفردية التي تسمح له باتخاذ القرار بشأن كثير من التفاصيل الحياتية التي من شأنها أن تتضمن اختيارات عديدة. 

أصبح السؤال المتكرر هنا وهناك لا يتعلق بمدي ملاءمة هذا الاختيار أو ذاك بالنسبة للمجال الذي يتعين علي الإنسان الاختيار فيه، وإنما صار يتعلق بمدي سلامة هذا الاختيار أو ذاك من الوجهة الدينية والشرعية. وحين تأخذ أسئلة الحياة هذا المنحي يتحتم أن تتوقع الإجابات الصحيحة من رجل الدين لا من رجل الخبرة والاختصاص في الشأن المعني. وقد عهدنا رجال الدين في كل عصر من العصور إذا سئلوا عن رأي الدين في شأن من الشئون أن يصعب علي الواحد منهم أن يقول مثلا:’ هذا أمر لا شأن للدين به ‘, ذلك أن مثل هذا الجواب من شأنه أن يزعزع مقولة ‘ الشمولية ‘ التي يستند الخطاب الديني عليها في ممارسة سلطته. وحين تواجه الواحد من هؤلاء بأن نبي هذا الدين ومتلقي وحيه من الله عز وجل بواسطة الروح القدس جبريل لم يجد غضاضة، حين لم ينجح اقتراحه في تأبير النخل، أن يعلن أن هذا كان رأيا ارتآه ولم يكن وحيا من عند الله – حين تواجه الواحد منهم بهذه الواقعة التي أرست مبدأ ‘ أنتم أدري بشئون دنياكم ‘- تجده يستجيب علي مضض. لكنه لا يلبث، حين تشرح له دلالة الفصل بين شئون الدين وشئون الدنيا، بل وأهمية الفصل بين آراء النبي واجتهاداته الخاصة وبين ما يبلغه عن ربه وحيا، أن يلقي في وجهك مباشرة ودون تفحص بقول الله ‘ وما ينطق عن الهوي ‘. ولو تفحص الآية الكريمة في سياقها، وكذلك لو تفحص سياق قوله تعالي ‘ والله يعصمك من الناس ‘ لأدرك أن عظمة نبي هذه الأمة لا تكمن في عصمته وارتفاعه عن أفق البشر – وما العظمة في هذا إذا كان الأمر محض اختيار وترتيب إلهيين لا تعليل لهما – بقدر ما تكمن في ارتفاعه هو بجهده واختياره إلي آفاق المسئولية الكونية دون أن يفارق بشريته. 

لكن ما هو الخطر في ذلك الخطر إنما يكمن في ذلك الفهم السقيم للإسلام، الذي من شأنه أن يرسخ سلطة رجل الدين والمؤسسات الدينية، لتصبح سلطة شاملة ومهيمنة في كل المجالات. ومن شأن هذا الاستفحال والامتداد السلطوي أن يخلق وضعا نعاني منه الآن أشد المعاناة اجتماعيا وسياسيا وفكريا. فبرغم كل الادعاءات والدعاوي العريضة، والفارغة من المضمون، عن عدم وجود سلطة دينيه في الإسلام تشبه سلطة الكنيسة في المسيحية، فالواقع الفعلي يؤكد وجود هذه السلطة، بل وجود محاكم التفتيش في حياتنا. والسلطة هذه تجمع السياسي والديني في قبضة واحدة، فيصبح المخالف السياسي مارقا خارجا عن الإجماع ومهددا لوحدة الأمة، وبالمثل يقول رجل الدين إن من يغير دينه يجب التعامل معه بوصفه خائنا للوطن. إن اتحاد الدين والوطن يجد تعبيره في كل الدساتير السياسية التي تحصر الوطن في دين، وتختزل الدين في الوطن. وهنا يختزل الوطن في الدولة، وتختزل الدولة في نظامها السياسي، ويجد المواطن نفسه حبيس أكثر من سجن. إن مقولة الشمولية تبدأ من الفكر الديني لتخترق مجال السياسة والمجتمع، أو تبدأ من الفكر السياسي لتأسر الدين في إيديولوجيتها، والنتيجة واحدة. فأي خطر أشد من هذا وأي بلاء

الخطر الذي يجب التحذير منه أن يحدث في الإسلام ما حدث في المسيحية، حيث أدي كفر الناس بسلطة الكنيسة إلي تحميل الدين كل جرائم الكنيسة. ولا شك أن أخطاء خطابنا الديني لا فرق بين خطاب ديني معارض وآخر سلطوي، فالسعي لفرض الهيمنة جزء جوهري في بنية كليهما – تتفاقم يوما بعد يوم، خاصة مع تحالف بعض قطاعات هذا الخطاب مع إرهاب أعمي البصر والبصيرة لا يفرق بين حاكم ومحكوم أو بين أعزل ومسلح، ولا يميز بين رجل وامرأة، ناهيك عن أن يميز بين طفل وراشد. 

من شأن هذا الخطر الماثل أن يهدد الإسلام كما هدد المسيحية، وليست العبرة هنا بالفروق النظرية واللاهوتية بين الدينين، فالتاريخ الاجتماعي للمسيحية حولها من دين الموادعة والتسامح حتي مع الأعداء، ناهيك عن إعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله – إلي دين توحدت فيه السلطتان فعاني الناس ما عانوا فأحرق العلماء وقتل المفكرون، وكان من شأنهم ما هو معروف. وما يحدث الآن في مجتمعات الإسلام ليس أقل خطرا ولا أهدي سبيلا، ولن يفيد في شئ التمسك بالفارق النظري واللاهوتي الذي لا يفتأ رجال الدين تصديع أدمغتنا به ليل نهار. 

إن الإسلام تجربة تاريخية علينا الاستفادة منها، لأنها تعلمنا الكثير. إنها تعلمنا مثلا أن التمسك به كدين ومعتقد دون العمل علي تجديده من أجل أن يلبي طموحات هذه المجتمعات ويجيب علي التحديات التي تواجهها – من شأنه أن يؤدي إلي مثل هذا الاختزال الذي نشكو منه الآن، الاختزال المسئول عن هذا الاستفحال السرطاني لسلطة الخطاب الديني / السياسي أو السياسي / الديني الذي يسجن الفرد باسم دين الحرية في سلاسل من القهر والامتثال والإذعان تحت زعم ‘ طاعة الله ‘ الذي يمثله خليفة أو سلطان أو أمير أو جماعة تحتكر الإسلام ومغفرة الرب. 

2- الحاجة إلي التجديد: 

نحن بحاجة إلي ‘ تثوير ‘ فكري، لا مجرد تجديد، وأقصد بالتثوير تحريك العقول بدءا من سن الطفولة. فقد سيطرت علي أفق الحياة العامة في مجتمعاتنا سواء في السياسة أو الاقتصاد أو التعليم – حالة من ‘ الركود ‘ طال بها العهد حتي أوشكت أن تتحول إلي ‘ موت ‘. هذه الظاهرة مشهودة في أفق الحياة العامة، بصرف النظر عن مظاهر حيوية جزئية هنا أو هناك، في الفنون والآداب بصفة خاصة، فستجد أن بؤر الحيوية تلك مثل بقع الضوء التي تكشف المساحات الشاسعة للظلمة. فإذا وصلنا إلي مجال الفكر، فحدث عن اغتراب الفكر وغربة المفكرين، إلا من يحتمي بمظلة سلطة سياسية أو إثنية أو دينية تحوله إلي بوق ينطق بما ينفخ فيه. 

هل تحتاج مجتمعاتنا إلي تجديد فقط، التجديد يفترض وجود فكر يحتاج لقدر من الاستنارة، ونحن للأسف مخاصمون للفكر. وما يسمي ‘ فكرا إسلاميا ‘ لا يمت في أغلبه لأفق الفكر و لا لمجاله بأي معني من المعاني، إنما هو في أفضل أحواله ترديد لمقولات وعبارات، لا يعرف مرددوها أنفسهم أصل مولدها، ولا سياق منشئها وتطورها، فضلا عن غايتها ومغزاها. سل أصحاب هذا الفكر وممثليه مثلا: هل يعلمون أن قضية ‘ قدم ‘ القرآن و ‘ حدوثه ‘ كانت من القضايا التي حسمتها السلطة السياسية، لا الحوار الفكري الحر، حين تدخلت مرة باسم العقلانية فاضطهدت القائلين بأن القرآن ‘ قديم ‘ لأنه ‘ كلام الله الأزلي وصفة من صفات ذاته الأزلية القديمة ‘, ثم تدخلت مرة أخري، ولكن بحجة ‘ درء الفتنة ‘, وناصرت أصحاب نظرية ‘ القدم ‘ واضطهدت القائلين بأن القرآن ‘ محدث مخلوق ‘ لأنه أصوات وكلام ولغة حادثة، لا يجوز أن تتصف الذات الإلهية بها، فكلام الله إذن صفة من صفات أفعاله لا من صفات الذات ‘. 

هل يعلمون أن ما يتصورونه من حقائق العقيدة المنزلة، فيكررون أنه ‘ معلوم من الدين بالضرورة ‘, ليس إلا قرار سلطة سياسية، لا تقل في ديكتاتوريتها وعدائها للفكر عن السلطة التي سبقتها واضطهدت الفكر باسم العقلانية، وهل يعلمون أن موقف ‘ الأشاعرة ‘, الموقف الوسطي الذي لا يكلون أبدا من الادعاء بأنه صحيح الإسلام، قد ميز بين ‘ صفة الكلام النفسي القديم ‘ وبين محاكاته فيما نتلوه نحن من قرآن حادث، وهل يعلمون أن الأشاعرة اضطربوا اضطرابا عظيما في تحديد أين يقع ‘ الإعجاز ‘, أهو واقع في ‘ الكلام النفسي القديم ‘, وفي هذه الحالة: ما معني تحدي العرب أن يأتوا بمثله وإن كان التحدي واقعا في المحاكاة الحادثة وليس في الكلام القديم، فالإعجاز إنساني وليس إلهيا. وهل يعلمون أن الذي استطاع أن يطرح للإعجاز تفسيرا يتجاوز ثنائية ‘ الكلام النفسي القديم / والمحاكاة الحادثة ‘ هو ‘ عبد القاهر الجرجاني ‘ صاحب نظرية ‘ النظم ‘ الذي أفاد من إنجازات المعتزلة كما أفاد من إنجازات اليونان، وهل يعلمون أنه اشترط ‘ دراسة الشعر ‘ من أجل اكتشاف قوانين الكلام البليغ التي لا يمكن فهم الإعجاز إلا بها، ثم أخير ألا يدركون أن ‘ المنهج الأدبي ‘ هذا الذي يطرحه عبد القاهر هو الأساس المعرفي للمنهج الأدبي الحديث والمعاصر في فهم القرآن وتفسيره، مضافا إليه إنجازات علوم اللغة والبلاغة والنقد الأدبي في العصر الحديث. 

إن حالة ‘ مخاصمة ‘ الفكر تلك، والتنكر له تنكرا تاما، هي المسئولة عن شيوع نهج ‘ التكفير ‘ في حياتنا. ولا أقصد التفكير الديني فقط، وإن كان أخطر أنماط التفكير، ولكني أشير أيضا إلي التفكير السياسي والعرقي والثقافي، وكل أنماط الاستبعاد والإقصاء. إن ‘ التفكير ‘ هو النهج الكاشف عن مخاصمة ‘ التفكير ‘ والانقلاب ضده، ولا غرابة في ذلك، فالمفردتان اللغويتان ‘ فكر ‘ و ‘ كفر ‘ تنتميان إلي مادة لغوية واحدة من حيث أصل الاشتقاق. أنها مادة الفاء والكاف والراء ( فكر ) تم قلبها بتقديم الكاف علي الراء مع بقاء التضعيف ‘ بالشدة ‘ علي الحرف المتوسط في الحالتين وهكذا انقلب التفكير إلي تكفير. 

وتثوير الفكر الذي نحتاجه يتطلب السعي إلي تحريك العقول بالتحدي والدخول إلي المناطق المحرمة، اللا مفكر فيه حسب تعريف ‘ محمد أركون ‘, وفتح النقاش حول القضايا. وأهم من ذلك التخلص من ذلك الجدار العازل الذي طال وجوده في ثقافتنا بين ‘ العامة ‘ و ‘ الخاصة ‘, فتلك الدعوات التي تتردد بين الحين والآخر عن حصر النقاش في بعض القضايا الدينية داخل دائرة ‘ أهل العلم ‘, حتي لا تتشوش عقائد العامة أو يصيبها الفساد، دعوات في ظاهرها الرحمة والحق، وفي باطنها السوء والباطل. كيف يمكن في عصر السماوات المفتوحة التي تنقل ‘ العالم ‘ إلي غرف النوم، وفي عصر اكتساح ثورة المعلومات لكل الحدود، أن يطالب البعض بحماية ‘ العامة ‘ من خطر الفكر العلمي في أخطر القضايا التي تمس حياتهم. إنه للأسف منطق ‘ الوصاية ‘ يتذرع باسم ‘ الحماية ‘ لممارسة ديكتاتورية فكرية وعقلية لا تقل خطرا عن الديكتاتورية السياسية في مجتمعاتنا. 

يرتبط منهج التجديد بالحاجة إلي التجديد في سياقها التاريخي الاجتماعي، السياسي والفكري. فالتجديد في أي مجال لا ينبع من رغبة شخصية أو هوي ذاتي عند هذا المفكر أو ذاك، إنه ليس تحليقا في سماوات معرفية، أو بالأحري عرفانية، منبتة عن أرض الحياة وطينها، وعن عرق الناس وكفاحهم في دروب الحياة الاجتماعية. قد يبدو المفكر محبا للعزلة حريصا علي الهدوء والابتعاد عن صخب الحياة، لكنها أوقات التأمل التي لو انسلخت تماما عن نسيج الحياة الحي وتيارها الجاري لصارت سجنا من الأوهام، وقلعة للشياطين العابثة. من هنا يمكن القول إن ‘ التجديد ‘ ليس حالة فكرية طارئة، بل هو الفكر ذاته في تجاوبه مع الأصول التي ينبع منها ويتجاوب معها بوسائله الخاصة. 

ما ليس تجديدا في مجال الفكر فهو ‘ ترديد ‘ وتكرار لما سبق قوله، وليس هذا من الفكر في شئ، ولا يمت إلي الفكر بأدني صلة من قريب أو من بعيد. وبما أن قانون الحياة الطبيعية والاجتماعية هو التغير في كل شئ، سواء كان ذلك التغير مدركا وملحوظا أو لم يكن، فإن قانون الفكر هو ‘ التجديد ‘, ذلك هو قانونه من حيث هو فكر في ذاته. ويصبح ‘ التجديد ‘ مطلبا ملحا كلما سيطر ‘ التقليد ‘, الذي هو عين ‘ الترديد ‘ والتكرار لما سبق قوله، وساد، إذ في هذه الحالة ينفصل الفكر عن حركة الحياة التي تمضي في حركة تغيرها غير آبهة بعجز الفكر عن متابعتها فضلا عن قيادتها وترشيد اتجاه حركة التغيير فيها. 

3- المبرر التاريخي للتجديد: 

تنبع الحاجة إلي التجديد من مطلب التغيير، وهذا المطلب الأخير يصبح بدوره ضرورة ملحة حين تتأزم الأوضاع علي كل المستويات والأصعدة: الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي، والثقافي والفكري علي السواء. وهل يحتاج تأزم الأوضاع الآن إلي إثبات أو شرح، ألا تكفي مشاهدة الأحوال المتأزمة في العراق وفلسطين ولبنان. هذا ناهيك عن الأحوال المتأزمة في مصر حيث ينشطر الوطن إلي وطنين – اقتصاديا – سكان الصفيح وسكان القصور المشيدة بالحصون والتي تحميها البوابات الإلكترونية – واجتماعيا – أهل القمة وأهل القاع – وسياسيا – حزب الأغلبية الحاكم وأحزاب الأقليات – ودينيا – المسلمون السنة في جهة والأقباط والشيعة والبهائية في جهة أخري. وزادت بلاد الخليج في ذلك الانقسام بين السنة والشيعة إلي فصل الزوجين علي أساس ‘ عدم الكفاءة ‘. هذا يحدث في مجتمعاتنا في القرن الواحد العشرين. في الوقت الذي نشاهد فيه وقوف الشعب الفلسطيني وحده عاري الصدر ضد المؤسسة العسكرية الغاشمة لدولة تأسست علي مبادئ وأفكار ضد التاريخ والمستقبل دليلا علي العجز الكلي الشامل لما نسميه أمتنا العربية طه حسين

يمكن القول إن تعدد أوجه الأزمة يخلق الحاجة إلي التغيير، وأول مظهر من مظاهر التغيير هو الحاجة إلي ‘ التجديد ‘ الفكري والسياسي والاجتماعي، أي في كل مجالات المعرفة وحقولها. في هذا السياق يكتسب التجديد في إطار الفكر الديني أكثر إلحاحا بسبب أن كل هذه الأزمات والهزائم يتم تفسيرها في الخطاب الديني بشقيه الرسمي والشعبي تفسيرا دينيا، علي أساس أن دولة الكيان الصهيوني هي دولة ‘ اليهود ‘, وأنها انتصرت وتستقوي بحكم تمسك اليهود بقيم التوراة، في حين تخلي المسلمون عن قيمهم الدينية والروحية وانخرطوا في تقليد الغرب العلماني واستيراد أنظمته السياسية والفكرية. وما يزال هذا التفسير رائجا إزاء الأزمات التي تتفاقم. يمكن الإشارة إلي تلك الضجة الإعلامية التي صاحبت تخيلات ظهور السيدة ‘ العذراء ‘ في إحدي الكنائس في القاهرة وروجت لها. وفي هذا السياق ظهر كتاب ‘ صادق جلال العظم ” نقد الفكر الديني ‘. إزاء هذا الترويج للأساطير والخرافات لتزييف وعي الناس بالأسباب الفعلية للهزيمة، كان من الضروري أن تتصدي بعض الكتابات لهذا التفسير، ولما ينطوي عليه من تزوير، ومن هنا نشأت الحاجة إلي إعادة النظر في المسلمات الفكرية

والعقيدية التي ينطلق منها ذلك الخطاب المزور. هذا هو المبرر التاريخي لمطلب ‘ تجديد الفكر الديني ‘. 

4- المبرر المعرفي للتجديد: 

أما المبرر المعرفي فمستنده تحقيق عملية ‘ التواصل ‘ الخلاق بين الماضي والحاضر. والمقصود بعملية ‘ التواصل الخلاق ‘ الخروج من أسر ‘ التقليد الأعمي ‘ وإعادة إنتاج الماضي باسم ‘ الأصالة ‘, وكذلك الخروج من أسوار ‘ التبعية ‘ السياسية والفكرية التامة للغرب باسم ‘ المعاصرة ‘. وليست عملية ‘ التواصل الخلاق ‘ بالضرورة هي محاولة التلفيق بأخذ طرف من التراث وطرف من الحداثة دون تحليل تاريخي نقدي لكليهما، وهو النهج الذي سيطر بدرجات متفاوتة علي المشروع الفكري النهضوي، فأفضي إلي تكريس ثنائية ‘ الغرب ‘ المادي العلمي المتقدم والمفلس روحيا، و ‘ الشرق ‘ الروحي الفنان المتخلف ماديا وعلميا. العودة إلي دراسة ‘ التراث ‘ مجددا، خاصة ‘ التراث الديني ‘ تستهدف إعادة النظر في كل تلك المسلمات، سعيا لتحرير المشروع النهضوي من تلفيقيته التي انكشف عجزها واضحا من خلال الهزيمة الشاملة. 

كانت ثمة قناعة قبل الهزيمة بأننا مجتمعات دخلت مرحلة الحداثة، وهي القناعة التي كشفت الهزيمة زيفها. كانت تلك القناعة عامة وشاملة استنادا إلي أن الحداثة العربية بدأت مسيرتها ببداية القرن التاسع عشر وازدهرت في القرن العشرين، خاصة في مرحلة ما بعد الاستعمار، حيث حدثت تحولات كمية في بنية المجتمعات العربية، خاصة في بنية نظمها السياسية وشكل الدولة… إلخ. لكن الهزيمة كشفت عجز تلك التغيرات الكمية عن إحداث تغيرات نوعية، لا في البنية السياسية ولا في البنية العسكرية التي استهلكت عائد التنمية الاجتماعية والاقتصادية. كشفت الهزيمة أن مجتمعاتنا ما تزال مجتمعات تقليدية، وأن مؤسساتنا، التي تبدو حديثة في ظاهرها وشكلها الخارجي، تدار علي أسس تقليدية، ووفق رؤي تراثية. 

إذا نظرنا الآن إلي بنية الأحزاب السياسية العربية، فمن السهل أن تكتشف أنها بنية قبلية تقليدية، مع أنها يفترض أن تكون مؤسسات سياسية حديثة، ويفترض بالتالي أن تكون بنيتها بنية حداثية، وأن تكون آليات اتخاذ القرار فيها آليات ديموقراطية. والواقع أن سيطرة البنية الأبوية وخضوع استراتيجيات اتخاذ القرار لرغبة القائد أو الزعيم تكشف أن الحداثية مجرد قشرة خارجية تعجز تماما عن إخفاء البنية التقليدية. هذا التناقض عبر عنه الشاعر الفلسطيني ‘ مريد البرغوتي ‘ في قوله:’ قبائلنا تسترد مفاتنها في زمان انقراض القبائل ‘. 

خاضت الجيوش العربية حربا تقليدية بكل المقاييس، ووفق قرارات غير مؤسسية، بل مزاجية في معظم الأحوال. والأهم من ذلك أن الإنسان الذي كان أداة التنفيذ كان إنسانا مقموعا وفاقدا لإنسانيته في ظل نظم سياسية دكتاتورية قاهرة، ولم تفلح ترسانة الأسلحة الحديثة بتكنولوجيتها المتقدمة أن تعوض هذا العجز الإنساني، لا في حرب 1967, ولا في حرب الخليج الثانية، عاصفة الصحراء. ما قاله ‘ نزار قباني ‘ في ‘ هوامش علي دفتر النكسة ‘ من أننا ‘ لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية ‘ تعبير شعري صادق عن هذا الاكتشاف المذهل، والوعي بأننا ما نزال مجتمعات تقليدية رغم كل مظاهر الحضارة والمدنية السطحية. من هنا تأتي أهمية مسألة مراجعة جذور البنية التقليدية، لا بهدف التكرار أو الإعادة، أو حتي مجرد التسجيل، بل لغاية نقد تلك الجذور، تواصلا وانقطاعا في الوقت نفسه، إذ لا انقطاع بلا تواصل نقدي مبدع وخلاق. أما التواصل لغاية التواصل وحدها فهو ‘ التقليد ‘. هذه العودة الملحة للماضي عودة ضرورية بسبب البنية التقليدية لمجتمعاتنا وثقافتنا. مازلنا – وفقا لحسن حنفي – نتنفس ‘ الغزالي ‘ ونعيش مع ‘ ابن تيمية ‘, رغم الفاصل الزمني والهوة التاريخية. تبدو العودة إلي التراث ضرورة ملحة لبحث جذور الأزمة، وليس لمجرد إعادة التأويل. 

معظم الدراسات التي توجهت إلي الماضي وبحثت في التراث قيدت النظر فيه من منظور الحاضر، وأعادت تصنيف التراث وفقا لرؤي حداثية، لا وفقا لرؤي وتقيسمات تقليدية. هكذا وجدت دراسات عن ‘ اليسار في الإسلام ‘ لأحمد عباس صالح، و ‘ الاتجاهات المادية في الفلسفة الإسلامية ‘ لحسين مروة، و ‘ من العقيدة إلي الثورة ‘ لحسن حنفي، بالإضافة إلي ‘ تكوين العقل العربي ‘ و ‘ بنية العقل العربي ‘ لمحمد عابد الجابري. وهناك الكثير والكثير من الدراسات التي لا يتسع المجال هنا لاستيعابها. في هذه الدراسات وغيرها مما لم نذكر نلمس حرصا شديدا علي دراسة الماضي من موقع هموم الحاضر الراهنة، ومن منظور معرفي حداثي قام بتطوير الرؤي والمناهج التي بدأها ‘ الكواكبي ‘ و ‘ طه حسين ‘ وأمثالهما إلي حد بعيد. 

في السياق الراهن، سياق التهديد والخوف والانتظار والترقب عجزا عن الفعل، بل وفي سياق الدعوة الأمريكية للإصلاح، يخشي أن يكون الهروب إلي ‘ جنة الماضي ‘ هو الحل. وفي هذا الموقف الهروبي يكمن الخطر كل الخطر، سواء عبر هذا الموقف عن نفسه بإنتاج خطاب ‘ اعتذاري ‘ أو بإنتاج خطاب ‘ دفاعي ‘, وكلاهما صدي للآخر. لا يجب أن يوقفنا الخطاب الأمريكي الداعي للإصلاح عن مواصلة حركتنا الإصلاحية والتحرك في اتجاه التغيير المنشود بصرف النظر عن رغبات وأماني العدو الأمريكي أو الصهيوني. 

السؤال الذي يفرض نفسه علينا جميعا هو: كيف نتجاوز حالة ‘ التحزب ‘ و ‘ الاستقطاب ‘ الحاد في مجتمعاتنا بين فريقين يحرص كل منهما علي نفي الآخر واستبعاده، تتعدد آليات ‘ الاستبعاد ‘, لكنها تتجلي في بنية ثنائية تناقضية، يستبعد فيها ‘ الإسلامي ‘ العلماني علي أساس ‘ خروج ‘ الأخير علي ثوابت الأمة وتبنيه لمشروع فكري، ثقافي سياسي اجتماعي، يفضي إلي مزيد من التبعية للغرب. وبالمثل يستبعد ‘ العلماني ” الإسلامي ‘ علي أساس قيام مشروعه علي أوهام العودة إلي الماضي والتقليد والاعتماد علي شعارات فضفاضة غامضة لا تغني عن غياب المشروع الاجتماعي السياسي الواضح الأهداف والمقاصد والمحدد لإجراءات العمل والتنفيذ. وفي تقديري أن من أهم أسباب حالة ‘ الاستقطاب ‘ هذه غياب المناخ الملائم للحوار منذ فترة طالت إلي أكثر من نصف قرن، حدثت فيها أحداث تركت جروحا عند الجميع، أعني عند أهل ‘ اليمين ‘ وأهل ‘ اليسار ‘ علي السواء إذا صح التقسيم. لم يتعلم أحد من درس ‘ كليلة ودمنة ‘ عن الثور الأبيض الذي تحالف مع الأسد وساعده علي التهام غريمه الثور الأسود، ليخلو له المجال ليكون الزعيم الأوحد للثيران. لم يدرك أحد مغزي صرخة هذا الثور حين أدرك أن دوره جاء ليلتهمه الأسد:’ لقد أكلت حين أكل الثور الأسود ‘. ولم يدرك أحد كذلك ما قاله أحد المفكرين الألمان في عصر النازي: حين بدأ القبض علي ‘ اليهود ‘ لم أهتم فلست يهوديا، وحين بدأ القبض علي الشيوعيين لم أهتم فلست شيوعيا، وحين بدأ القبض علي المعارضين للفاشية والنازية لم أهتم فلم أكن معارضا، وحين أتوا للقبض علي لم يكن هناك أحد ليدافع عني. 

ليس هناك بديل فكري ثالث جاهز، هناك آراء واقتراحات، الشرط الوحيد لبلورتها هو دفاعنا جميعا عن ‘ ديمقراطية ‘ غير مشروطة، ديمقراطية لا تستبعد أحدا ممن نظنهم أعداءنا أو خصومنا. إننا نبحث عن وهم لا وجود له، ولم يوجد أبدا في التاريخ، شيء اسمه ‘ الاتفاق ‘ و ‘ الإجماع ‘ علي صيغة سياسية ثقافية فكرية حضارية للخروج من الأزمة، وهو وهم تخلص منه العالم المتقدم حين اتفق علي كيفية تنظيم ‘ الاختلاف ‘ من خلال آليات ‘ الديمقراطية ‘ الحديثة. دعنا ننظم اختلافنا، الذي هو أمر ليس طبيعيا فقط، بل هو صحي. لقد خلقنا الله مختلفين، فالاختلاف ظاهرة في أصل الخلقة، ثم يصوغ المجتمع بعناصره وتعدد مصالح فئاته، وتضاربها أحيانا، هذا الاختلاف صوغا اجتماعيا وسياسيا وفكريا. لهذا يتكون المجتمع من ‘ جماعات ‘ تتباين فيما بينها، وإن كانت تشكل كلا واحدا غير هلامي هو الذي يميز مجتمعا ما عن غيره من الجماعات. إن الاختلاف ‘ المنظم ‘ ثراء وغني، بعكس ‘ الاتفاق ‘ أو ‘ الإجماع ‘ القائم علي القهر والعسف والشطط. ولنتعلم جميعا من دروس الماضي والحاضر: قد أختلف معك في الرأي، لكني علي استعداد أن أدفع حياتي ثمنا لحماية حقك في التعبير عن رأيك.

عن مجلة الديمقراطية

This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات and tagged , , , . Bookmark the permalink.