الحبّ

جدّو كريشنامورتي  حب

تولِّد الحاجة للشعور بالأمان الألم والخوف في العلاقات على نحوٍ لا يمكن تجنبه. وهذا المسعى للشعور بالأمان يجذب الشعور بعدم الأمان. أوَهل عثرتم على شعور ما بالأمان في إحدى علاقاتكم؟ يبغي معظمنا الشعور بالأمان في الحبِّ من خلال كونه محبوبًا. ولكن هل من الممكن أن يوجد حبٌّ عندما يكون كلُّ واحد في مسعى نحو شعوره بالأمان، ومن خلال طريقه خاصَّته؟ نحن لسنا محبوبين لأننا لا نعرف الحبَّ.

ما هو الحبُّ؟ لقد تمَّ تحميل هذه الكلمة فوق طاقتها كثيرًا، وتمَّ إفسادها أيضًا إلى درجة أنه ليس لديَّ بعد الرغبة في استخدامها. يتحدَّث الجميع عن الحبِّ – كلُّ مجلة وصحيفة وكلُّ واعظ يتكلَّم عن الحبِّ مطوَّلاً ومن دون نهاية. أحبُّ وطني، وأحبُّ مَلِكي، وأحبُّ كتابًا ما، وأحبُّ ذلك الجبل، وأحبُّ تلك اللذة، وأحبُّ زوجتي، وأحبُّ الله. لعلَّ الحبَّ عبارة عن فكرة ما؟! فإذا كان الأمر كذلك، فمن الممكن إذَّاك الانكباب عليه، وتغذيته، والمحافظة عليه بمودة، مُقَوْلبًا، ومشوَّهًا بكلِّ الطرق الممكنة. عندما تقولون إنكم تحبُّون الله، فماذا يعني ذلك؟ يعني أنكم تحبون إسقاطات خيالكم خاصتكم، إسقاطاتكم أنتم أنفسكم، وقد تمَّ إلباسها ببضعة أشكال من الإجلال وفقًا لما تظنونه نبيلاً ومقدَّسًا. أما عن القول: “أحبب إلهك” فهذا قول مناقض تمامًا للحسِّ السليم. وعندما تعبدون الله، فإنكم تعبدون ذواتكم أنتم، وهذا ليس بالحبِّ.

عاجزون عن إدراك هذا الشيء الإنساني الذي يُدعَى “حبًا” فإننا نهرب نحو التجريدات. قد يكون الحبُّ هو الحلُّ النهائي لمشاكلنا كلِّها، مشاكل وغموم إنسانية. والحال هذه، كيف سيكون بمقدورنا أن نكتشف ما هو الحبُّ؟ هل سيكون ذلك من خلال تعريف بسيط؟ تعرِّفه الكنيسة بطريقة، ويعرِّفه المجتمع تعريفًا آخر، وثمَّة أيضًا ضلالات وشذوذات من كل نوع. كعبادة شخص ما، والحبِّ الجسدي، وتبادل الانفعالات، والصحبة – هل هذا كلُّه ما يُفهَم عن الحبِّ؟ كانت هذه دائمًا هي القاعدة، النموذج الذي أصبح شخصيًا جدًا، وشهوانيًا، ومحدودًا إلى درجة أن الديانات تصرِّح بأن الحبَّ هو أكثر من ذلك بكثير. فضمن ما يسمونه “حبًا إنسانيًا” نرى خلفَه البحث عن اللذة، والتنافس، والغيرة، والرغبة بامتلاك الآخر والمحافظة والسيطرة عليه، والتأثير في تفكير الآخَرين، وبإدراك تعقيدات هذه الأمور تقول الأديان إنه من ضروري أن يوجد نوع آخر من الحبِّ – إلهي وجميل وطاهر ونزيه.

يوجد في العالم كلِّه بعض الرجال الذين يُدعَون “قديسين” يشدِّدون دائمًا على أن النظر إلى امرأة معصية، ويقولون إننا لا نستطيع التقرُّب من الله إذا لم نزهَد بالجنس، وبالتالي فهم ينكرونه، ناهيكم عن أنهم هم أنفسهم يرون ذاتهم مفتَرَسين من قِبَلِ الجنس نفسِه. ولكن هؤلاء الرجال بإنكارهم للجنس، فهم يقتلِعون عيونهم الخاصة، ويقطعون لسانهم بناءً على إنكارهم كلِّ جمالية الأرض. فجعلوا قلوبَهم وعقولَهم جائعة. إنهم كائنات إنسانية “مُجفَّفَة”، نفوا الجمال لأن الجمال مرتبط بالمرأة.

هل يمكن تقسيم الحبِّ إلى مقدس ودنيوي، إنساني وإلهي، أم يوجد حبٌّ لواحد فقط وليس لكثيرين؟ وإذا قلتَ “أحبك” فهل هذا يعني أنني أستثني الآخَر من هذا الحبِّ؟ هل الحبُّ شخصي أم لاشخصي؟ أخلاقي أم لاأخلاقي؟ عائلي أم غير عائلي؟ إذا ما أحببتم الإنسانية، فهل بوسعكم أن تحبوا الفرد؟ هل الحبُّ شعور؟ انفعال؟ هل الحبُّ لذة ورغبة؟ تشير هذه الأسئلة كلها إلى أنه لدينا أفكار فيما يتعلق بالحبِّ، وأفكار حول ما يجب أو لا يجب أن يكون، نموذج وقانون خلقته الثقافة التي نعيش في كنفها. أليس ذلك حقيقة؟

وهكذا لكي نفحص مسألة الحبِّ – ما هو الحبُّ – يتوجب علينا أولاً أن نحرر أنفسنا من ترسُّبات القرون، وإخراج الأفكار كلها والأيديولوجيات حول ما يجب وما لا يجب أن يكون. إن تقسيم أيُّ شيء فيما يتوجب أن يكون عليه، وفيما هو عليه، هو الطريقة الأكثر إيهامًا في مواجهة الحياة.

والحال هذه، كيف سنعرف ما هي هذه الشعلة التي نسميها حبًا – ولا أقصد طريقة التعبير عنه للآخَرين، وإنما هو نفسه ماذا يعني؟

في المرتبة الأولى، سأرفض كل ما تقوله الكنيسة حول الحبِّ، والمجتمع، ووالدايَ، وأصدقائي، والأشخاص جميعهم، والكتب كلها، لأنني أرغب أن أكتشف بنفسي ما هو الحبُّ. ثمَّة ههنا مشكلة هائلة تهمُّ الإنسانية كلها. وثمَّة آلاف الطرق لتعريفه، وأنا نفسي أرى الكلَّ متوَرِّطًا في هذا أو ذلك النموذج المُقَوْلَب وفقًا للشيء الذي يمنحني الاستذواق أو الشعور باللذة. وبالتالي، فمن أجل فهم الحبِّ، أوَلاً يجب عليَّ في الدرجة الأولى أن أحرِّرَ نفسي من ميولي وأفكاري المُسبَقَة؟ أراني مشوَّشًا، ومُمَزَّقًا من خلال رغباتي، وعلى هذا النحو، أقول فيما بين نفسي: “أزِلْ أولاً تشوِّشَك. لربما تتوَفَّر لديك إمكانية اكتشاف ما هو الحبُّ من خلال ما ليس هو الحبُّ.”

تأمر الحكومة مثلاً: “اذهَب واقتل حبًا بالوطن!” هل ذلك حبٌّ؟ ويوصي الدين بما يلي: “دعِ الجنس جانبًا من أجل الله” فهل هذا حبٌّ؟ هل الحبُّ رغبة؟ لا تجيبوا بالنفي. بالنسبة لمعظمِنا هو رغبة مصحوبة بالشعور باللذة، لذة صادِرَة عن الحواس، وعن التعلُّق، وعن الشعور بالإشباع الجنسي. لستُ ضد الجنس، وإنما أنظر إلى ما يتضمَّنُه. فما يمنحكم إياه الجنس لحظيًا هو نسيان أنفسكم كليًا، ولكنكم فيما بعد، تعودون إلى هيجانكم، وبالتالي ترغبون باستمرار تكرار هذه الحالة الخالية من القلق، والمشكلة، و”الأنا”. تقولون إنكم تحبون زوجتكم. ويكون متضمِّنٌ في هذا الحب اللذة الجنسية، والشعور باللذة في أن يكون لديكم شخص في المنزل من أجل العناية بالأبناء ومن أجل أن تطبخ الطعام لكم. فتتعلَّقون بها، وهي تمنحكم جسدها، وانفعالاتها، وحوافزها، وشعورًا ما بالأمان، وبالهناء. وذات يوم تغادركم. فقد تضجر منكم أو تهرب مع رجل آخر، وههنا يتحطم توازنكم الانفعالي كله، وتشعرون بذلك الانزعاج الذي لا تحبونه. ويُدعَى بالغيرة، ويوجد فيها الألم، والقلق، والبغضاء، والعنف. وبالتالي، فما تقولونه فعلاً هو: “لطالما أنكِ تنتمين إليَّ، فأنا أحبكِ، ولكن حالما تتخلِّين عن الانتماء إليَّ، فإنني أبدأ بكراهيتك. ولطالما أنني أستطيع معكِ تحقيق حاجاتي الاجتماعية، وحاجاتي الأخرى، فأنا أحبكِ، ولكنكِ حالما تتخلين عن تلبية حاجاتي، فأنا لن أحبكِ بعد”. ثمَّة إذن، تناقض فيما بينكما، وثمة انفصال، وعندما تشعران بانفصال واحدكما عن الآخر، فلن يكون هناك حبٌّ. ولكن إذا ما استطعتم أن تعيشوا مع زوجتكم من دون أن يخلق الفكر هذه الحالات المتناقضة كلها، وهذه الخصومات غير المنتهية داخل ذواتكم، فلربما إذَّاك – ستعرفون ما هو الحبُّ. وستكونون وقتذاك أحرارًا بشكل كامل. ويجب الانتباه إلى أن زوجتكم بقدر ما تتعلق بملذاتكم فلسوف تكون أسيرة لكم. إذًا عندما يحبُّ شخص ما، فمن الضرورة بمكان أن توجد الحرية – على الشخص أن يكون حرًا، ليس فقط من الشخص الآخَر، بل من ذاته نفسها.

في حالة الانتماء للآخَر، وبكونكَ نفسيًا تتغذَّى من خلاله، فإنك تتعلق به – ويوجد دائمًا في كلِّ هذا بالضرورة القلق، والخوف، والغيرة، والشعور بالذنب. ولطالما أنه يوجد خوف فلن يكون هناك حبٌّ. العقل الذي يجد نفسه بين أنياب العذاب لن يعرف الحبَّ إطلاقًا، لا الشاعرية، ولا الانفعالية، ولا شيء بالإطلاق له علاقة بالحبِّ. وبالتالي، ليس هناك شيء مشترك بين الحبِّ والشعور باللذة والرغبة.

ليس الحبُّ نتاجًا للفكر، فهذا الأخير هو الماضي. ليس بإمكان الفكر بحالٍ من الأحوال أن يغرس الحبَّ. لا يدع الحبُّ نفسه يُحاط أو يقع في شبكة الغيرة، لأن الغيرة تأتي من الماضي. والحبُّ هو الحاضر الفعَّال دائمًا. ليس هو “سأحب” أو “أحببت”. فإذا ما أدركتم الحبَّ، فلن تتبعوا أحدًا. لا ينصاع الحبُّ لأحد. وعندما تحبون فلن يكون هناك احترام أو عدم احترام.

إنكم لا تعرفون ما يعني أن تحبوا أحدًا ما – أن تحبوا من دون بغضاء، ومن دون غيرة، ومن دون غضب، ومن دون أن تسعوا للتدخل في ما يعمل أو يفكر الآخَر، ومن دون إدانة، ومن دون مقارنة – ألا تدركون ما يعني هذا كله؟ أوَهل هنالك ثمَّة حب عندما نُجري مقارنة أنفسِنا مع الآخَر؟ هل بوسع مقارنة أنفسكم مع الآخَر أن توجَد عندما تحبون أحدًا من كلِّ قلبكم، ومن كلِّ عقلكم، ومن كلِّ جسدكم، ومن كلِّ كينونتكم؟ والحقُّ يُقال، إنكم عندما تستسلِمون بشكلٍ كامل إلى هذا الحبِّ، فلن يوجد هناك بعد ما يمكن أن ندعوَه بـ”الآخَر”.

هل لدى الحبِّ مسؤوليات وواجبات، أوَلعله يستخدم كلمات كهذه؟ ولكن دعونا نضع النقاط على الحروف، أوَلعلكم عندما تقومون بشيء ما من أجل الواجب، أوَهل يوجد في ذلك حبٌّ؟ ففي الواجب لن يوجد حبٌّ. إن بنية الواجب حيث يجد الكائن الإنساني نفسه محبوسًا فيها فهي تدمره في الواقع. ولطالما أنكم مُجبَرون على القيام بأمر ما لأن واجبكم يقتضي أن تقوموا به، ففي حقيقة الأمر أنتم لا تحبون ما تقومون به. وعندما يوجد حبٌّ، لن يكون هناك لا واجبٌّ ولا مسؤولية.

للأسف يفكر معظم الأهالي بأنهم مسؤولون عن أبنائهم، ويتخذ إحساسهم بالمسؤولية منحى توصيتِهم لأبنائهم ما يجب عليهم القيام به، وما لا يجب أن يفعلوه، وما يجب أن يكونوا عليه، وما لا يجب أن يكونوا عليه. فهم يريدون لأبنائهم أن يحرزوا مركزًا لائقًا في المجتمع. ويشكل ذلك الذي يسمونه مسؤولية جزءًا من ذلك الوقار الذي يعملون على تغذيتِه. وما يبدو بالنسبة لي أنه حيث يوجد وقار فليس هناك قانون، وإنما كل ما يهمهم هو أن يصيروا بورجوازيين كاملين. وتهيئة الأبناء من أجل أن يتكيفوا مع المجتمع، فإنهم في واقع الأمر يُديمون الحرب، والصراعات والوحشية. أوَهل بوسعنا أن نسمي ذلك حرصًا وحبًا؟

يكمن الحرص فعليًا في الاعتناء كما يُعتنَى بشجرة أو بشتلة، فيتم سقايتها، وتُدرَس حاجاتها، ويتم اختيار التربة الأكثر ملاءمةً، ويتم العناية بها بلطف ورقة. ولكنكم عندما تهيئون أبناءكم لكي يتكيفوا مع المجتمع، فأنتم في واقع الأمر تهيئونهم لكي يصيروا أمواتًا. فلو أنكم أحببتم أبناءكم لما تواجدت حروب بعد. حب

وعندما تفقدون أحدًا ما تحبونه فإنكم تذرفون عليه الدموع، وهل هذه الدموع هي من أجلكم أنتم أم من أجل المائت؟ إنكم تتحسَّرون على أنفسكم أم على الآخَر؟ هل سبق وبكيتم من أجل آخرين؟ هل سبق وبكيتم ابنكم الذي استشهد في حقل المعركة؟ بكيتم بالتأكيد، ولكن دموعكم هذه كانت نتاجًا للشفقة على الذات أم أنكم بكيتم لأن كائنًا إنسانيًا قد توفى؟ فإذا ما بكيتم من أجل الشفقة على الذات، فدموعكم لن تعني شيئًا، لأنكم في الواقع لستم مهتمِّين إلا بأنفسِكم. وإذا بكيتُم لأنه تم انتزاع شخصًا حيث “أودعتُم” الكثير من العطف، فهذا ليس عطفًا حقيقيًا. وإذا بكيتم أخاكم الذي مات، أوَهل تبكون من أجله هو؟! إنه لسهل جدًا أن تبكوا من أجل أنفسكم لأنه غادركم. أنتم تبكون ظاهريًا لأن قلبكم قد تم مسُّه، ولكنه لم يُمَسّْ بسببِه هو، وإنما بسبب الشفقة على الذات، والشفقة على الذات تجعلكم أكثر قسوة وأكثر انغلاقًا، وتجعلكم واهنين وحمقى.

أوَهل هذا حب أن تبكوا من أجل أنفسكم؟ أن تبكوا لأنكم أضحيتم وحيدين، ولأنكم فقدتم قدرتكم، وتشتكون من نصيبِكم في الحزن، ومن الوسط المحيط بكم – ودائمًا تذرفون الدموع. وإذا فهمتُم هذا الواقع، وهذا يعني أن تضعوا أنفسَكم في تماسٍ معه على نحوٍ مباشر جدًا مثلما هو الأمر عندما تلمسون شجرة أو عمودًا أو يدًا، فسترون إذاك أن الألم هو نتاج “الأنا”، وأن الألم تمَّ خلقه من قِبَل الفكر، وأن الألم هو نتاج الزمن. منذ ثلاث سنوات كان أخي لا يزال على قيد الحياة، واليوم ها هو ميت، وأنا وحيد متأسِّف، وليس لدي بعد من ألتجئ إليه لكي أنشد التعزية أو الرفقة، وهذا الأمر يجعل عينيَّ تدمعان.

بوسعكم أن تروا ذلك كلَّه يحدث في داخلِكم، هذا إذا ما قمتُم برصده. وبوسعكم أن تروه على نحوٍ تامٍّ، وكامل، وفي نظرة خاطفة، ومن دون أن تحتاجوا للزمن التحليلي. وبوسعكم أن تروا في لحظة البنية كلها وطبيعة ذلك الشيء الذي لا قيمة له ولا معنى له، والذي يُدعَى “أنا” – دموعي، وعائلتي، وأمتي، وعقيدتي، وديني – فهذه السماجة كلها كائنة في هذا “الأنا”. وعندما تنظرون بقلوبكم، وليس من خلال عقولكم، وعندما تنظرون من عمق قلوبكم، فلسوف تمتلكون إذاك المفتاح الذي ينهي ألمكم.

لا يمكن للألم والحب أن يجتمعا، ولكنهم في العالَم المسيحي يجعلون الألم مثالاً لهم، ويصلبون أنفسهم كي يعبدوا الألم، الأمر الذي يؤدي للفهم بأنه ما من أحد يستطيع الإفلات من الألم إلا إذا كان من خلال ذلك الباب الوحيد، أي الألم، فكذلك هي بنية المؤسسة الدينية الاستغلالية.

هكذا، عندما تتساءلون ما هو الحبُّ، فقد تخشون كثيرًا من الإجابة. وقد تعني انقلابًا كامِلاً في الموقف، الأمر الذي قد يجعل عقد العائلة ينفرط، ويجعلكم تكتشفون بأنكم لا تحبُّون زوجتكم أو زوجكم أو أبناءكم (أوَلعلكم تحبونهم؟)، قد يكون عليكم هدم المنزل الذي بنيتموه، وقد لا ترجعون بعد إطلاقًا إلى المعبد.

لكنكم إذا كنتُم ترغبون أن تستمروا بالاكتشاف فسترون أن الخوف ليس حبًا، وأن التعلق ليس حبًا، وأن الغيرة ليست حبًا، وأن الملكية والهيمنة ليستا حبًا، وأن المسؤولية والواجب ليسا حبًا، وأن الشفقة على الذات ليست حبًا، وأن الكرب لعدم كونِكَ محبوبًا ليس حبًا، وأن الحبَّ ليس هو نقيض الكراهية كما أن التواضع أيضًا ليس هو نقيض الغرور. وهكذا، إذا أصبحتم قادرين على إلغاء ذلك كله، ليس بالقوة، وإنما أخذه على هذا النحو مثل حبَّات المطَر التي تغسل غبار أيام كثيرة متراكمة على ورقة شجرة، فإذاك لربما سوف تجدون تلك الوردة النادرة التي ما برح يبحث عنها الإنسان بتشوُّق.

إذا لم تشعروا بالحبِّ – ليس في قطرات صغيرة، وإنما بوفرة، وإذا لم تفيضوا بالحبِّ، فالعالَم ذاهِبٌ نحو الكارثة لا محالَة. تدركون فكريًا بأن الوحدة الإنسانية هي الشيء الجوهري، وبأن الحبَّ يشكِّل الطريق الوحيد إليها، ولكن من هو ذلك الذي يستطيع أن يعلمكم ما هو الحبُّ؟ أوَلعله يكون تلك السلطة، أو ذلك المنهج، أو ذلك النظام يعلمكم ما هو الحبُّ؟ وإذا حاول أحد ما أن يعلمكم إياه، فهذا ليس بالحبِّ. وقد تقولون: “هل سوف أتدرَّب على الحبِّ. فأجلس الأيام كلها من أجل التأمل حوله. وأتدرَّب من أجل أن أصبح طيبًا ولطيفًا، وأجبر نفسي على أن أصير مهتمًا بالآخرين؟

هل تظنون أنكم تستطيعون أن تُتَلمِذوا أنفسكم لأجل الحبِّ، وأنكم تستطيعون ممارسة الإرادة لأجل الحبِّ؟ وأنتم عندما تمارسون الإرادة والانضباط لأجل الحبِّ، فالحبُّ يهرب منكم عبر النافذة. وبممارسة منهج ما أو قانون حبٍّ، فقد تصبحون أكثر حذاقة، أو أكثر طيبة، أو تدخلون في حالة من اللاعنف. ولكن لا شيء من ذلك كله يمتُّ بصِلَة إلى الحبِّ.

ليس ثمَّة حبٌّ في هذا العالَم المجزَّأ جدًا، والجافِّ لأنه يمنح كلاً من اللذة والرغبة الأهمية العظمى. ولكن من دون حبٍّ، تكون حياتكم اليومية من دون معنى. وأيضًا لن تستطيعوا الشعور بالحبِّ إذا لم تشعروا بالجمال. فليس الجمال شيئًا تنظرون إليه – فهو ليس شجرة جميلة، وغرفة جميلة، وبناء جميل، وامرأة جميلة، فثمَّة جمال فقط عندما يدرك قلبكم وعقلكم ما هو الحبُّ. فمن دون الحبِّ، وذلك الإدراك للجمال، ليس ثمَّة فضيلة، وتدركون جيدًا جدًا كل ما تقومون به – تحسين المجتمع، وتزويد الفقراء بالغذاء – وفقط يؤدي ذلك كله إلى إيذاء أكثر لأنه عندما لا يكون هناك ثمَّة حبٌّ، فما يتواجد فقط هو البشاعة والفقر في قلوبكم وفي عقولكم. ولكن عندما يكون هناك حبٌّ وجمال، فإن كل ما تقومون به يكون سليمًا، وكل ما تقومون به يكون نظامًا أيضًا. وإذا كنتم تدركون كيف تحبون فبوسعكم أن تفعلوا ما ترغبون به لأن الحبَّ سوف يحلُّ من تلقاء ذاته المشاكل الأخرى كلها.

وعلى هذا النحو، نبلغ هذه النقطة: سوف يكون بإمكان العقل العثور على الحبِّ من دون الحاجة للتدرُّب، وللفكر، وللإجبار، ولأيِّ كتاب، ولمعلم أو مرشد – أوَلعلكم تعثرون عليه كما لو أنكم تلاقون غروبًا جميلاً للشمس؟

يبدو لي شيء ما ضروريًا على نحوٍ مطلَق: الشغف من دون سبب، وليس الشغف الناجم عن التزام أو تكيُّف، فالشغف هنا ليس شهوانيًا. والإنسان الذي لا يعلَم ما هو الشغف، لن يدرك الحبَّ أبدًا، لأن الحبَّ يمكِّنُه فقط أن يوجَد عندما يتجرَّد الشخص كليًا من ذاتِه نفسِها.

العقل الذي يبحث ليس عقلاً مُغرَمًا، فعدم البحث عن الحبِّ هو الطريقة الوحيدة للعثور عليه، والعثور عليه يكون على نحوٍ غير متوَقَّع، وليس كنتيجة لأي جهد أو تجربة. وهذا الحبُّ كما سترون ليس هو من الزمن، وبقدر ما هو شخصي، فكذلك هو أيضًا لا شخصي، وبقدر ما هو منفرد فكذلك هو أيضًا حشد. ومثل وردة عطِرة بإمكانِكم أن تستنشقوا عبيرَه، أو تجتازونه من دون أن تلاحظوه. تلك الوردة هي للجميع ولذلك هناك من ينحني لكي يشمَّها بعمق وينظر إليها بمتعة. وسواءً كنا قريبين جدًا منها، في الحديقة، أو سواء كنا بعيدين جدًا فهذا كله سواء بالنسبة للوردة، لأنها ممتلئة بعطرها ومهيَّأة لتتشارك به مع الجميع.

الحبُّ أمر جديد، وطازج، وحيٌّ. ليس لديه أمس ولا غد. فهو أبعد من تشويش الفكر. العقل البريء فقط يدرك ما هو الحبُّ، والعقل البريء يستطيع أن يحيا في عالم ليس بريئًا. ممكنٌ فقط ملاقاته، فهذا الشيء الرائع الذي يبحث عنه الإنسان دائمًا بلهفة من خلال الأضاحي، والعبادة، والعلاقات، والجنس، وكلِّ نوع من اللذة والألم، من الممكن فقط ملاقاته حينما يبلغ الفكر إدراك ذاته نفسها فينتهي بشكل تلقائي. والحبُّ لا نقيض له، ولا صراع فيه.

بوسعكم أن تسألوا: “إذا ما عثرت على هذا الحبِّ فكيف سيكون الأمر بالنسبة لزوجتي وعائلتي؟ فهم يحتاجون للأمان” وأن تطرحوا هذا السؤال، فأنتم تُظهِرون بأنكم لم تكونوا إطلاقًا خارج حقل الفكر، وخارج حقل وعيكم. وذات مرة عندما تتواجدون خارج هذا الحقل، فإنكم لن تقوموا بسؤال كهذا، لأنكم سوف تدركون ما هو الحبُّ حيث لا يوجد فكر، وبالتالي ما من وجود للزمن. وقد تقرؤون هذا كله وأنتم منوَّمون مغناطيسيًا ومفتونون به، ولكن أن تتجاوزوا فعلاً الفكر والزمن – الأمر الذي يعني تجاوز الألم – يعني أن تكونوا واعين لمستوى مختلف يُدعَى “الحبَّ”.

لكنكم لا تدركون كيف تصِلون إلى هذا الينبوع الرائع – والحال هذه، فماذا تفعلون؟ عندما لا تعرفون ما العمل، فإنكم لا تقومون بأيِّ شيء، أوَليس ذلك حقيقة؟ لا شيء على الإطلاق. وإذاك تكونون داخليًا بالكامل في صمت. هل تفهمون ما يعني هذا؟ يعني أنكم لن تبحثوا، ولن ترغبوا، ولن تلاحقوا أمرًا، ولن يوجد أيُّ مركز، وإذَّاك يتواجد الحبُّ.

ترجمة: نبيل سلامة – معابر

فصل من كتاب التحرر من المعلوم، جدو كريشنامورتي.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان and tagged . Bookmark the permalink.