في تجلّيات الحزن الرّفيع

قراءة في ديوان ” كسارة الأحلام” للدكتورة نسرين الرفاعي حب امرأة كسارة الأحلام

مادونا عسكر

كما تتنقّل راقصات الباليه بخفّة ولطف على أنغام ” كسّارة البندق”، للمؤلّف الموسيقي الرّوسي “تشيكوفسكي”، كذلك تتنقّل الشّاعرة ” نسرين الرّفاعي” برقّة وعذوبة في ديوانها ” كسّارة الأحلام”، على أنغام موسيقاها الشّعريّة الكامنة في عمقها الإنسانيّ.

أبيات شعريّة منسوجة بالحزن والاشتياق والحنين والألم والغضب والعنفوان والوطنيّة، تعكس لنا مكنونات شخصيّة الشّاعرة وتدخلنا إلى عالمها بسلاسة، فيطيب لنا أن نقرأ السّطور وما بينها.

– في جماليّات النّصوص:

تفتتح الشّاعرة ديوانها بقصيدة وفاء وامتنان لوالدها، ترسم لنا من خلالها صورة بهيّة عن هذا الشّخص الحيّ في قلبها. وإن اختصر البيت الأخير من القصيدة عمق حزنها ( عفواً أبي فأهمّ درس فاتني… كيف الحياة تكون من غير أبي؟! )، إلّا أنّ الوالد حاضر فيها وفي شخصها ككلّ. فهي تحاوره شاكرة له مرافقتها لمسيرة حياتها باعتناء ومحبّة والديّة كبيرة. وأمّا بكلمة ( عفواً) الّتي تنقلنا إلى القسم الثّاني من القصيدة، فهي تعبّر عن صعوبة عيش الواقع بعيداً عن كنف الحماية الوالديّة والمثاليّة الّتي ربّاها عليها.

جماليّة هذه القصيدة تكمن في إظهار الحزن البعيد عن النّواح. فالكاتبة تعبّر عن ألمها ووجعها بغياب الوالد بحزن رفيع يليق بإنسانيّته كما إنسانيّتها.

تسكب د. نسرين الرّفاعي أبياتها في قالب موسيقيّ رقيق، يتيح للقارئ أن ينتقل بين القوافي بارتياح وسلاسة دون أن يشعر بملل تكرار القافية. كأن تنهي  القسم الأوّل من القصيدة بقافية معيّنة ثمّ تنتقل في القسم الثّاني إلى قافية أخرى.

تلك كانت ليلتي… كنت أحسد نعمتي

أوقد الليل شموعاً… من بشائر فرحتي

أين صارت ليلتي… واستحالت نقمتي

كيف في بئر الجراح… قد تهاوت فرحتي

لست أنسى ليلة… كلّ ما فيها جميل

عطر الحبّ هواها… بشذى الزّهر الأصيل

وتعالت ضحكتي… في سما اللّيل الطّويل

ردّد الكون صداها… يخرق الصّمت الثّقيل….

لقد ضمّت الشّاعرة إلى جمال التّركيب عذوبة الرّنّة، وسقت قلمها من قلب طافح وروح متّقدة. كأنّي بها تعزف مكنونات قلبها على آلة موسيقيّة عظيمة ترنّمها القصائد بكلمات موسيقيّة جميلة.

–  في المضمون:

يطغى الحزن على قصائد ديوان ” كسّارة الأحلام”، إلّا أنّه كما ذكرنا، حزن راقٍ ورفيع، تسمح الشّاعرة من خلاله للقارئ أن يطّلع على خبراتها الحياتيّة  فيشاركها حزنها وتجربتها. وهي تعبّر عنه بصدق في شتّى الحالات الإنسانيّة المختلفة.

كلّ قصيدة في الدّيوان منقّحة بالحزن كتجربة إنسانيّة عميقة، تحاول الشّاعرة من خلالها استعادة الماضي لتعيد النّظر فيه، فتظهر لها الصّورة بشكل أوضح. كأن نقرأ في قصيدة ( حبّ بلا رصيد):

 أتظنّ القلب أسيرك… أو أنّ حبّي حصري؟

إنّي كسرت قيودك… حرّرت بعزم أسري…

وفي قصيدة: ( العرش الخالي)

شكراً للدّرس بتجربتي… أنضجت القلب ليتعقّل

فتذكر درسك يا قلب… في أيّ قرار لا تعجل

أصبحت حكيماً… فخيار العقل هو الأفضل…

ولا يلبث الحزن أن يبلغ مداه في قصيدة ( دميتي)، حتّى نرى الشّاعرة تسكب كلّ جروحها في هذه القصيدة. فتجمع فيها الحنين، والألم، والخيبة، والشّوق، والوحشة، والتّوق إلى عناق الوالد. ولعلّ الأبيات الخيرة تعبّر بقوّة عن ألمها العميق:

وجريت كي أحضن أبي… لكن صحوت بحسرتي

ما أن وصلت لحضنه… حتّى لعنت يقظتي

ووجدتني في غرفتي… أبكي وأحضن دميتي…

الدّمية ترمز إلى حنين الطّفولة وجمال الذّكريات وبراءة الطّفولة. فوكأنّ الشّاعرة تضمّها وتلتصق بها لتتمسّك بطفولتها من جهة، ومن جهة أخرى لتحافظ على الحلم الجميل البعيد عن الواقع المرير، فتتعزّى.

– في الوطنيّة الصّادقة:

تتجلّى الشّاعرة بأبهى جمالها في قصيدة ( نحن لها)، فتنسجها بعنفوان وعظمة إذ لا تكتفي أن تصبّ غضبها على من يمسّ بمصر، بل تستعرض تاريخاً  عظيماً بأبيات شعريّة لطيفة تظهر لنا من خلالها مصر الحضارة القديمة الجديدة. ولا تتحدّث الشّاعرة عن مصر وطنها وحسب وإنّما عن آلاف السّنين من العظمة والقوّة والجلال. فمصر كانت الملاذ الآمن لكلّ وافد إليها، والدّولة الأغنى والأقوى. ووطنيّة الشّاعرة تبدأ من آلاف السّنين المنصرمة وتمتدّ إلى يومنا هذا.

تقابل ( نحن لها)، قصيدة ( خوارج هذا الزّمن). تخاطب فيها الشّاعرة بني أمّتها، شاكية لهم همّها فيما يخصّ من أعرضوا عن الالتزام بأدبيّات الدّين وسلوكيّاته المرتقية بالإنسان نحو الله. ولا ريب أنّها تقصد أولئك المجحفين بحقّ الإسلام الكريم، والسّاعين إلى تدميره بخيانتهم:

يا بني الأمّة اسمعوني أجمعين… ارتدى إبليس ثوب الواعظين

خرّبوا أرض الكنانة عامدين… قسّموا العروبة خائنين…

في هذه القصيدة تتجسّد نقمة الشّاعرة على تلك الجماعات الفاسدة وتضعها في مصاف السّالكين ضد الله. إذ إنّها تتصرّف بما يخالف تعاليمه ووصاياه.

– قد بدا فينا الخوارج من جديد… رفعوا المصاحف فوق أسوار الحديد

– جاءنا الدّجّال ينشر دعوته… يشعل النيران يزرع فتنته

– يا إلهي كم خدعتم أبرياء… نصرة الإسلام كذباً وخداع

لا تختلف ( خوارج هذا الزّمن) عن ( نحن لها ) من ناحية البلاغة وسكب المعاني في قالب شعريّ فصيح وكلمات رصينة تشدّنا لإعادة القراءة مرّات عدّة. فتوقظ بنا ضميرنا الإنساني وتوجّهه نحو المزيد من التّمسّك بالوطن، وتمنحنا جرعة من الأمل والقوّة والشّجاعة:

لن تنالوا الحكم فينا والزّعامة… طالما للشّعب جيش وكرامة

ذاك حكم الشّعب في ظلم العمامة… والله يفصل بيننا يوم القيامة.

– القصيدة الذّروة:

تشكّل قصيدة ( كسّارة الأحلام) ذروة المعاني الجماليّة في الدّيوان.

تسافر بنا الشّاعرة إلى عالم الجمال والخيال والحبّ، وتجلسنا على سحابة رقيقة لتروي لنا حلماً ظريفاً. يهديها حبيبها كسّارة بندق، فتطير وتحلّق في عالم الخيال، فنحلّق معها ونستمتع.

معانٍ عذبة تدخل إلى قلوبنا البهجة، وترسم لنا عالماً جميلاً يسرقنا من الواقع ويطير بنا إلى عالم النّقاء. ذاك العالم السّاكن في قلب الشّاعرة والّتي تتوق إليه في نفس الوقت.

أهديتني حبيبي… كسّارة بندق

تكسر الصّعاب… وجدتني أصدّق

وطرت بالخيال… سعيدة أحلّق

كيف في ثوانٍ… فقدت كلّ منطق…

 وما يلبث هذا الحلم أن يصطدم بالواقع ويعود كلّ شيء كما كان عليه. وتتبدّل معالم الخيال ويبلغ الحلم منتهاه.

حلمت كلّ يومي… وعشت في المنام

أفقت من شرودي… بحسرة الغرام

كسّارتي الجديدة… تحوّلت حطام

أم واقعي الأليم… كسّارة الأحلام؟

ديوان ” كسّارة الأحلام”، نفحات شعريّة رائقة، يطيب لنا أن نرتشف البراءة والجمال والحبّ من كؤوسها.  فنسرين الرّفاعي صاغت أبياتها بطيب روحها وبهاء كلماتها ورقّة مشاعرها، ونحتت أحاسيسها وأفكارها لوحات من الألفاظ والقوافي الّتي يلذّ للقارئ أن يجول في رحابها.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مادونا عسكر and tagged , . Bookmark the permalink.