فارسُ الثلّاج في الكرمل

 آمال عوّاد رضوان 
امال عواد

أقامَ منتدى الحوار الثقافيّ في مركز التراث البادية ندوةً أدبيّة، لإلقاءِ الضّوءِ على رواية “فارس الثّلّاج” للكاتب د. أحمد سليمان ابن عكا، بتاريخ 5-5-2015، وقد استهلّ اللقاءَ الأستاذ رشدي الماضي، ثمّ مداخلة نوعيّة لد, فهد أبو خضرة، ومداخلة للناقد د. نبيه القاسم، ونظير شمالي، ومن ثمّ مداخلات الحضور، وختمَ اللقاءَ د. أحمد سليمان، شاكرًا الحضورَ والمُتحدّثينَ، ومِن ثمّ تمّ التقاطُ الصّور.

جاءَ في كلمة رشدي الماضي: أقولُ لكلماتِكَ أهلًا، فحين سألوهُ أن يَصِفَ الرّواية، أجابَ الناقد جورج ويلز: “الرّواية كيسٌ يُمكنُكَ أن تَضعَ فيهِ ما تشاءُ”. قالَ ذلكَ لوَعيهِ بأنّ الرّواية هي المكانُ الوحيدُ الّذي لا يَملكُ فيهِ شخصٌ الحقيقة. أليست هي انعتاقا مِن الواقع، لتُصبحَ بالنتيجةِ خروجًا إلى فضاءٍ أكثرَ رحابةً بمساعدةِ المِخيال؟ إذًا؛ الرّواية حالةٌ مُنفلتة مِن التحديد، مع بقائِها أمكانيّةً تعبيريّة فنيّة رمزيّة، تُنتجُ وتُنضجُ الوعيَ بما يَحدثُ في الزمن والحياةِ والمكان، لتُصبحَ اتّكاءً على ذلكَ نصًّا يُغادرُ الواقعَ، لينتقلَ إلى الفنيّ وإلى التّخييل. اخي الأديب الطبيب المُبدع د. أحمد سليمان يَعرفُ مَن قرأكَ قراءةً عاشقة، إنّكَ بهذه الحُمولةِ الفنيّةِ التي ذوّتّها، فتحتَ نافذةً مُغايرةً في مغامراتِكَ السّرديّةِ الرّوائيّةِ المُشاكِسةِ والمُشاغِبة، ووَلجتَ عالمَ الكتابةِ بوعي بارزٍ وملموسٍ باشتراطاتِها الحداثيّة.

ففي باقةِ مُنجزاتِكَ الأدبيّةِ مُعالجةٌ فنيّةٌ للواقع، مُطعّمةٌ بشطحاتِ الخيالِ والامتدادِ والمُجاوزة، هذا إضافة إلى الحواراتِ معَ الذات، كلُّ ذلك، بعدَ أنْ أثّثتَ عباراتِكَ بالجَماليّةِ المُترَعةِ برائحةِ الأرضِ والإنسان. حقّا يا الطبيب أحمد سليمان، نظرتُ في مرآةِ عطائِكَ الأدبيّ، فرأيتُكَ تُلقمُ جَمالَ اللّغةِ عِطرًا، وتبوحُ بوحًا ذاتيًّا، عبْرَ شخصيّاتِكَ الزّاخرةِ بالرّؤى والأفكار، فأتت خصبةً المَعنى مُدجَّجةً بخيالٍ رحب، جعَلها تُلامسُ القلبَ دونَ أن تُحزنَهُ. واثقٌ أنا أنّ مُنجزَكَ الإبداعيَّ الآتي، سيَجعلنا نتخلّقُ في شغافِ سردِيّتِهِ رايةً فنيّةً جميلة، مَنسوجةً مِن شموخِ الإبداع الحقيقيِّ المُسربَلِ باللّغةِ الإيحائيّةِ، الّتي تجعلُنا نقولُ لكلماتِكَ نعم، فأهلًا.

جاء في مداخلة د. فهد أبوخضرة: الحداثة دخلتْ إلى العالمِ العربيِّ عن طريقِ لبنان سنة 1956، وكانتِ المَرّةُ الأولى الّتي ذُكِرتْ فيها كلمة الحداثة، في كلمةِ يوسف الخال، في محاضرةٍ له تحدّثَ فيها عن العددِ العربيّ والشعب العربيّ، ولكن هذه اللفظةَ التي استعمِلَتْ، وأرادَها أن تكونَ دقيقة، لم تكُنْ دقيقة، لأنّهُ حينَ استعملها كانَ يقصدُ الحداثة وما بَعدَ الحداثة، فالحداثة ظهرتْ في أوروبا سنة 1892، وكانتْ تتّجهُ عدّةَ اتّجاهاتٍ، لكن على الأقلّ هناكَ اتّجاهانِ بارزان: الاتّجاهُ الفكريُّ كانَ عقلانيًّا مَحضًا، بعيدًا عن كلّ ما يُعتبَرُ غيبيّاتٍ، فوُصِفتْ حداثةً عقلانيّة  إلحاديّة. وإلى جانبها كانَ الاتّجاهُ الإبداعيُّ، وكلاهُما الفكريُّ والإبداعيّ كانا يَرفضان الموجود، بترْكِهِ وهدْمِهِ وإقامةِ عالمٍ جديدٍ، وكانَ مثالَهم المَشهورَ نيرونُ الذي أحرقَ روما، وبَنى روما الجديدة، ولكن الفكرةَ مِن قضيّةِ نيرون أنّه أحرَقَ روما، قبلَ أن يُفكّرَ كيفَ يُمكنُ أن تكونَ روما الجديدة،  وهُم أرادوا أن يَسيروا في نفس الطريق، يرفضونَ الماضي ويهدمونَ كلَّ ما هو موجودٌ، قبلَ أن يُفكّروا ما الّذي سيكون، فبَدؤوا بالاتّجاهِ الفكريّ واضحًا، وهذا لم يبدأ عندنا للأسفِ الشّديد، وقد بدأ الاتّجاهُ الفكريُّ في مصرَ مُتواضِعًا جدًّا سنة 1910، وامتدّ حتّى سنة 1932، ثمّ بدأ يَتراجَعُ تراجعًا كاملًا، وحتّى اليومَ نحنُ لا نَراهُ، ولا يوجدُ عندَنا حداثة عقليّة بعدَ تلكَ الفترة، ومُجرّدُ وجودِها في مِصرَ الحداثة العقليّة المُتحرّرة تمامًا إلى حدٍّ كبير، مثل: سلامة موسى، وطه حسين، ولطفي السيّد، وأحمد أمين وغيرهم، وحرَكتُهم أثارتْ رفضًا في البدايةِ إذ قالوا: نحنُ لسنا عربًا، ويَدّعونَ أنّهم مِصريّونَ ومُختلفون، ويتبعون إلى أوروبا أكثر مِن تبعيّتهم للشّرق. هذا كانَ فيهِ نوعٌ مِن التّحرُّرِ، باستثناءِ شيءٍ واحدٍ نعتبرُهُ بسيطًا، أنّه لم تكُن الحداثة المِصريّة إلحاديّةً، ولم يتجرّؤوا أن يكونوا مُلحِدينَ، وأن يَتناوَلوا القضيّةَ الدّينيّة بصراحةٍ كالأوروبيّة، وأنا لا أجرُؤ حتّى أن أُعيدَ الألفاظَ الغربيّة.

الإبداعُ الأدبيُّ الّذي رافقَ تلكَ الاتّجاهاتِ الفكريّة بدأ بَعدَ خمسٍ وعشرينَ سنة، يَجدُ أنّهُ لا يسيرُ في الاتّجاهِ الصّحيح، فيَرفضُ كلَّ شيءٍ، ويَقومُ بانقلاباتٍ هائلةٍ بعيدًا عن العقل، لأنّهم صاروا يقولونَ بأنّ العقلَ لا يَستطيعُ أن يُحقّقَ شيئًا، فظهرَتِ المدرسة الدّادائيّة، وقد اختاروا اسمَ الدّادائيّة، لأنّه لا معنى له، وبعدَ ذلك ظهرت السّرياليّة والتّكعيبيّة والمُستقبليّة وإلخ..، فسَمّوا هذا كلَّهُ باسمِ ما بعد الحداثة، لسيطرةِ وقوّةِ الحداثة الّتي لم تدُمْ عمليًّا أكثرَ مِن خمسٍ وعشرين سنة، وعندما وصلتْ إلينا الحداثة وما تبعَها في سنة 1956، كانت الحداثة قد اختلطت اختلاطا هائلًا بما بَعد الحداثة، ونحنُ اليومَ حينَ نتحدّثُ عن الحداثة، فعمليًّا نقصدُ ما بعدَ الحداثةِ، وفيها كثيرٌ مِن التظليم والرّفضِ والفوضى، ولا يوجدُ مقياسٌ، فكلُّ شيءٍ يُكتبُ هو جيّدٌ، فلا تستطيعُ أن تُميّزَ بينَ الرّائع والسخيف، وكانَ اتّجاهًا بارزًا جدًّا يَميلُ إلى كسرِ الأنواع، فرأينا الرّواية تنحرفُ انحرافاتٍ هائلة حتّى في العالمِ العربيّ، فنجدُ في سنواتِ السّتّين عند توفيق الحكيم “مَسْرِواية”، وبَعدَ ذلك نجدُ القصّة القصيرة جدّا مِن سطرٍ ورُبع، وأنا لا أدري إن كانتْ قصّة أو خبَرًا صغيرًا أو عنوانًا أو ما أشبه، وما هي صلتُها بالقصّةِ العاديّة، فأنا حتّى الآن لا أعلمُ، ونجدُ الشّعرَ أيضًا يتّجهُ إلى اللّاوزن، وأن يقولَ أشياءَ لا يمكنُ أن تُفهَمَ أحيانًا، وهناكَ مُحاولاتٌ هائلة لأن يَفهموا ما يقولهُ أدونيس، حتّى أنّ أحدَ المِصريّينَ أخذَ قصيدةً في أحدِ الفصول، وأعربَها كي نستطيعَ أن نفهمَ مِن خلالِ الإعراب مَبنى الجُملة، وراجعتُها، وقد أخطأ في إعرابها، وقد أخطأ أكثرَ مِن 50% في الإعراب، لأنّه لم يَفهمْ مَعنى الجُملة، فهو أرادَ أن يُفيدَنا، ولكنّهُ أوقعَنا في أخطاءٍ أخرى. هذا كانَ تقريبًا الوضعُ، ثمّ الخيال الهائل والاتّجاه إلى الرّؤيا، كأنّما هي أحلام يُعبَّرُ عنها، سواء كان شاعرًا أو ناثرًا أو كاتبَ قصّة أو مسرحيّة، وإن لم تفهمْ ما يقولُ يكونُ مَسرورًا جدّا، وهذا معروفٌ عن أكثر مِن كاتبٍ فرنسيّ، كانوا يَحضرونَ إحدى مَسرحيّاتِهِ، وعندما يَخرجونَ ويَشتمونَهُ، وهو يَقفُ عندَ الباب مَسرورًا ويُخبرُ المُخرجَ قائلًا: هذا يعني أنّي قد نجحتُ فيما أريد. هذا الطابعُ العامّ لهذا الشعر، والشاعر الدّبلوماسيّ الفرنسيّ (سانت جون بيرس)، أحضروا لهُ أكثرَ مِن عشر نقّادٍ ليُحلّلوا أشعارِهِ في جامعة السوربون، وسألوهُ عمّ يقولُ في نقدِهِم فقالَ: كلمةٌ واحدة ممّا قالوه لم تخطرْ ببالي. هذا كانَ الاتّجاهَ العامّ، حتّى أنا أظنّ في أدبنا العربيّ حتّى أواسط الثمانين، وأنا أُسمّيها حداثة الرّؤيا.

بعدَ سنواتِ الثّمانين الأمرُ اختلفَ كثيرًا، وإن لم يُكتبْ حتّى الآن، فقد ظهرَ في سنواتِ 1985-1987 اتّجاهٌ جديدٌ جدّا فتركَ قضيّةَ الرّؤيا إذ تراجعتْ كثيرًا، وصارَ الاتّجاهَ نحوَ الواقع أكثر، وتلاقتْ ما بعدَ الحداثةِ معَ تيّارٍ أدبيٍّ جديدٍ نُسمّيهِ الواقعيّةَ الجديدة، وهي مدرسةٌ روسيّة، فأخذت الواقعَ وأسلوبَ الحداثة ومَزجَتْ بينهُما، هذا كما يَبدو أثارَ إعجابَ الكُتّاب العرب بعدَ الانتفاضة، فاستعمَلوهُ واستغلّوه كثيرًا جدّا، فبدؤوا يأخذون المَضمونَ مِنَ الواقع، ولكن بأسلوبٍ كلّه حداثيّ، والتزموا بهذا الاتّجاهِ فترةً طويلًا، ولا أقولُ التزامًا كاملا، لأنّ قِسمًا مِن الحداثيّين ظلّوا يَكتبونَ في مَجالِ حداثةِ الرّؤيا وكسْرِ الأنواع أحيانًا، إنّما الواقعيّة الجديدة والحداثة الثانية بحسب رأيي وتسمِيَتي، كانت اتّجاهًا جديدًا جدًّا ومُلائمًا بحسب تقديري للمُجتمع العربيّ في تلك الفترة، وربّما للمُجتمع العربيّ بشَكلٍ عامّ، فاحتلّتْ مَكانةً جيّدة، ولكنّها لم تبحثْ جيّدًا، والنّقدُ لم يُتابعْها جيّدًا، لكنّهُ تابعَ حداثة الرّؤيا أكثرَ، ربّما لأنّ مُعظمَ نقّادِ الحداثةِ كانوا مِن اللّبنانيّين ومَن هُم على طريقةِ اللبنانيّين، وفي السّنواتِ الأخيرة نحن نلاحظ اختلافًا كبيرًا عن هذه وتلك، لا حداثة رؤيا ولا حداثة جديدة، إنّما ممكن أن أسمّيها الحداثة المعتدلة أو الحداثة المتوازنة، الحداثة التي تُراجعُ كلَّ هذه السّنواتِ وكلَّ ما كُتبَ منذ سنواتِ الخمسين حتّى قبلَ بضعةِ سنوات، وتأخذ ما تَراهُ جيّدًا، وتتركُ ما تراهُ مُبالغًا فيهِ أو مُنحرفًا كثيرًا أو لا يُلائمُ مُجتمعَنا، وتَخلقُ نوعًا مِن الحداثةِ معَ ما نُسمّيهِ في الأدب “المعاصرة”؛ يعني الحداثة المعتدلة الّتي تُلائمُ المعاصرة، وهذا المجتمع الموجود الآن مع تطوّراتِهِ.

كنّا في الماضي نميّزُ تمييزًا شديدًا بين ما نُسمّيهِ التّحديث وما نُسمّيهِ التّجديد، فالتّحديثُ يعني التّجديدَ الانقلابيّ شديدَ التطرُّف، وهذا نراهُ في حداثةِ الرّؤيا، ورافقها أقلّ عندما تحوّلتْ إلى الحداثةِ الواقعيّةِ أو الواقعيّة الجديدة اليوم. والتّجديدُ مَعناهُ أن تأخذَ ما حقّقهُ الجيلُ السّابقُ، وتُضيفُ إليهِ قليلًا دونَ أن ترفضَ ما وُجدَ، أي يقبلُ الموجودَ ويُضيفُ إليهِ، وهذا ما أراهُ اليومَ، إنّهم أخذوا ما حقّقتْهُ الحداثة الأولى والثانية، وما اعتُبرَ وكأنّما مُتعارَفًا عليهِ ومُتّفقًا عليهِ وشيئًا مقبولًا على الأقلّ، وبدؤوا يُضيفونَ إليه الخطواتِ الجديدة، وسآخذ مثاليْن فقط، فكُنّا نجدُ ما نُسمّيه الشعرَ القصصيّ كثيرًا جدّا، لكن اليوم لا نكادُ نرى ذلك، حتّى أنا كتبتُ سبعة قصائد في الشعر القصصيّ، لكنّي لم أكتبْهُ مِن أكثر مِن خمسة عشر سنة، وكانت تُكتبُ القصّة الشعريّة، فمثلا سلمان فراج في كتابهِ “كلامٌ للبيع”، كتبَ قصصًا شعريّة موزونة مِن أوّل حرفٍ إلى آخِر حرف، وهذا كسْرٌ للأنواع، وإحدى الروايات الفرنسيّة المَشهورة جدّا، وقد بيعَ منها أكثرَ مِن خمسةِ ملايين نسخة في حينه، كنتَ تقرا الصّفحة الأولى، وتستطيع أن تنتقلَ إلى صفحة 50، ومن ثم صفحة 90، ثمّ تعودُ إلى صفحة 2، وتستطيعُ بعدَ أن تقرأ كلَّ الصّفحاتِ أن تأخذ فكرة، ولكنّ الفكرةَ ليسَ لها أيُّ ترتيب ولا أيّ توالٍ زمنيٍّ، فكسَروا التّواليَ الزّمنيَّ كسْرًا كاملًا، والّذي هو جزءٌ أساسيٌّ في تركيب الحكاية، وأن تسيرَ مع الزمن وبتواصُلٍ إلى الأمام، سواء كانَ في الحكاية أو في القصّة.مكتبه

اليومَ لا نجدُ هذا لا في أوروبّا ولا في غيرها من فرنسا وألمانيا ولبنان وإلخ..، ولا أحدَ يَكتبُ بهذا التطرُّفِ الّذي يَبتعدُ عن أصول النّوع الإبداعيّ، ولو طبع رواية كهذه، فلن نجدَ مَن يُؤيّدَها، فالاتّجاهاتُ اليومَ كما أرى، تسيرُ باتّجاهِ الاعتدالِ والتّوازن، دون التّنازلِ عمّا حقّقتْهُ الحداثة وما بعدَ الحداثة في فرعَيْها، ممّا اعتُبرَ مَقبولًا حتّى الآن، وهي تُحاولُ أن تُضيفَ إليهِ، وأنا أعتقدُ أنّ هذا التيّارَ المُناسبَ جدًّا لهذهِ الفترة إذا انتشرَ وسيطرَ، ومِن الصّعب أن أتنبّأ، ولا أرى أنّه سيستمرُّ سنواتٍ ليستْ قليلة، لأنّهُ التيّارُ المُناسبُ الذي يُخاطبُ القارئَ العربيَّ اليوم، ومَهْما كنتم مُتشائِمينَ مِن نتائج الرّبيع العربيّ، إلّا أنّهُ يَتّجهُ في الاتّجاهِ الصّحيح في رأيي، يَعني كُسرَت القوالبُ، وأصبحَ بالإمكان أن يَخرجَ الشّخصُ في مِصرَ أمامَكَ على شاشة التلفاز، وأن ينتقدَ السُّلطة والرّئيسَ، وهذا لم يكُنْ في الخمسين سنة الماضية، وهذا نوعٌ مِن التطوّرِ، وكلُّ هذه الحروباتِ والخراب والدّمارِ مَقبولٌ، فهذا بالضّبط ما حدث في أوروبّا والتّاريخ الأوروبيّ، فقد عانتْ أكثرَ مِن مئة سنة مِن الحروباتِ والانقلاباتِ واضطهادِ شعوب، منذ فترةِ الثورةِ الفرنسيّة التي اندلعتْ عامَ 1789، وفيما يُسمّى “ربيع الشعوب الأوروبيّة” سنة 1848- 1892 حيث بدأتِ الحداثة، وحينَ بدأت الحداثة بدأتْ أوروبّا الحديثة التي نراها اليوم بكلّ هذا التطوّرِ والتقدُّم، فقد اعتمَدوا العقلَ، ولكن تطرّفوا  في اعتمادِ العقل، وما يحدُثُ عندنا اليومَ ليسَ بدعة، وحداثتُنا المُقبلة يَجبُ أن لا تكونَ مُتطرّفةً بهذا الشّكل، وأنا أقولُ ليسَ مِن الضّروريّ أن نكونَ مُلحدينَ، لنكون حداثيّين وعقلانيّين.

جاءَ في كلمة د. نبيه القاسم: د. أحمد سليمان طبيبُ أسنان، لكن توجُّهَهُ لم يُخمِدْ في داخلِهِ جذوةَ الإبداع، وقد يكونُ عمَلُهُ في مُعالجةِ الأسنان والإحساسُ بآلامِهم، وسماعُ أنينِهم وشكواهم قد يكونُ سببًا في إشعال جذوة الإبداع، وهو ليس الطبيبَ الوحيدَ الذي يَحملُ البطيختيْن معًا، بطيخة الطبّ وبطيخة الأدب، وككاتبٍ فقد فرضَ نفسَهُ على السّاحة الأدبيّة، وأصدرَ العديدَ مِن المؤلّفاتِ ما بين القصّة والرّواية وقصص الأطفال والمسرحيّة، وهو يُحبُّ التاريخ، ودائمًا يبحثُ في المصادرِ والكتب، ولهذا كان التاريخ مصدرًا للعديدِ من أعمالِهِ الأدبيّة، حيث يتنقّلُ ما بين التاريخ اليونانيّ القديم والقرون الوسطى والحُكم العثمانيّ والإنجليزيّ، ويَجوبُ في بعض أحياءِ القرى العربيّةِ التي دُمّرَتْ وهُجّرتْ وشُتّتَ أهلها، لكن عكّا ظلت مدينتَهُ الأثيرةَ التي خصّصَها في إبداعِهِ، وفي روايتِهِ الأخيرة “فارس الثلّاج” يَنقلنا إلى تاريخ عكّا وأزقّتها، وكيفَ يَعيشُ الناس مِن خلال ما يَرويه لنا، فقصّةُ شابّيءن صغيريْن لا يزالان طالبيْن في الابتدائية، وفارس الثّلاج الذي يُرافقُ والدَهُ في توزيع قوالبِ الثلج على المصانع والبيوت، ويُعاني مِن الوضع المادّيّ الصّعب الذي تَعيشُهُ أسرتُهُ، خاصّة أنّ والدَهُ مُدمنٌ على شُرْبِ الخمر، ومُعظمَ ما يكسَبُهُ مِن عملِهِ يَدفعُهُ ثمنَ الخمر، ورغمَ ذلك، يُعاملُ أفرادَ أسرتِهِ بقسوةٍ، فيَضربُ زوجتَهُ ويُهينُ أولادَهُ وخاصّة فارس.

وصلَ الطفلانِ إلى بائع الفلافل الحنون العطوف على ابنِهِ، والمُهتمِّ بأخبارِهِ وصحّتِهِ، لكنّهُ فقيرٌ وما يكسبُهُ مِن عملِهِ لا يكفي لتوفيرِ الحياةِ الكريمةِ للأسرة. فارس وصلاح زميلان في المدرسة، والصّداقة جمعَتْهُما، وأحداثٌ غيرُ مُتوقّعةٍ ربطتْ مَصيرَهُما معًا، مَشهدُ قتلِ الرّجُلِ الغريب الدكتور الأجنبيّ في زقاقٍ مظلمٍ بالصّدفة، عبَراهُ في طريق عودتِهما مِن البحرِ إلى بيتِهما، وما سمِعاهُ وشاهداهُ مِن الدكتور المقتول، وما كتبتْهُ عنهما الصّحفُ وتناقلتْهُ ألسنة الناس عن بطولاتِهما في مواجهةِ القاتل، جعلهما مَسؤوليْن عن كشفِ الحقائقِ وفكّ الألغازِ التي تركَها الدكتور المقتول أمانةً في يديْهما. عمليّة البحثِ المُضنية والخطيرة استحوذت على كلِّ أحداثِ القصّة، ولم تدَع أحدًا يُفكّرُ بهمومٍ أخرى، أو يَنشغلُ بقضايا غيرها. أحداثُ المطاردةِ والتخويفِ والإهانةِ حتى الضّرب والتّعرّض لحالات قريبة مِن الموت، والتّسبّب في موتِ والدةِ فارس، وإشراكِ رجال الشرطة في القضيّةِ كلّها، أوصلتْ في النّهاية إلى تَكشُّفِ الأسرارِ، ومعرفةِ الهدف الذي سعى إليه الدكتور المقتول ودفع حياتهِ ثمنًا له، وهو البحث عن قبّعةِ نابليون، وفي النهاية أيضًا ينجحُ الصّديقان وبالتحديد فارس في حلّ اللغز والتخلّص مِن الرّجل القاتل.

القصّة تبدأ بزيارة فارس غير المتوقعة لصديقهِ، وإعلامِهِ بأنّ ساعة موتِهِ قرُبَتْ، وبأنّه جاءَ ليُودّعَهُ، وبالفعل يحدثُ أن يَموتَ فارس وهو في زيارة صديقِهِ. فارس وصلاح في السبعين مِن العمر، لكن تعبَ الحياة انهكَهُما، فيبدو فارس عجوزا مريضًا، يجُرُّ نفسَهُ جرًّا ولا يَقوى على الجلوس والمشي  براحة، إذ عاشَ حياتَهُ فقيرًا، يُساعدُ والدَهُ في توزيع قوالبِ الثلج، وقد تسبّبَ في موت والدتِهِ التي أحبّها، وعاش حياتَهُ يَشعرُ بالذنب وتأنيب الضمير، وكذلك يُبرّئُ نفسَهُ مِن قتل الرّجل الخاطئ. مثله صلاح عاش حياتَهُ فقيرًا، يَحلمُ بحياةٍ أفضل، لكنّهُ عاشَ في أسرةٍ مُحِبّةٍ ووالدٍ عطوفٍ. صلاح فضّلَ أن يعيشَ حياتَهُ وحيدًا، فلم يتزوّجْ. القصّةُ تُستعادُ مِن ذاكرةِ صلاح، فهو يَسرُدُ القصّة كلّها، والتي حدثتْ قبلَ ما يُقاربُ السّتّينَ عامًا، ويَعودُ بأحداثِها إلى أيّام كانَ في العاشرة مِن العمر، وتجري أحداثُ القصّة في أزقّةِ عكّا، وتحت الأرض بين آثارِ عكّا القديمة، مِن أيّام الحُكم البيزنطيّ وحُكم الجزّار، وبذلك يُطلِعُنا على الكثيرِ مِن المعلوماتِ التّاريخيّةِ، ويَجولُ بنا في المواقع الأثريّة.

أسلوبُ السّرد: أسلوبٌ سينمائيّ استخدَمَهُ الكاتبُ في استرجاع الأحداث، وعمليًّا كان ناجحًا، لأنّهُ نقلَ المَشهدَ مِن آخِرِ القصّة، ومِن ثمّ يَعودُ إلى الوراء وتنتهي القصّة بنفسِ المَشهدِ الأوّل، وهذا جعلَ القارئ يَنسابُ مع أحداثِ القصّةِ بدون انقطاعٍ، ويَسيرُ معَ الرّوايةِ ستين سنة إلى الوراءِ دونَ أن يَشعرَ بهذه العودة.

أيضًا خلالَ الأحداث يُعرّفُنا الكاتبُ على تاريخ عكا ومواقعَ فيها، وهذه الظاهرة عند د. أحمد سليمان ليست جديدة، فقد اتّخذ عكًا مسرحًا لمسرحيّاتِهِ ورواياتِهِ وقصصِه، فمثلًا في رواية “العكروت” يُبدي مِن خلالها عشقه لعكا وأزقتها وتاريخها، وهذه ظاهرة عند مُبدعي عكا في السّنوات الأخيرة، ونجدُ أنّ عكّا بدأتْ تستعيدُ مَكانتَها، خاصّة بين مُبدعيها وأهل عكا، لأنّها تستحقّ ذلك، خاصّة أنّها مليئة بالأحداثِ والتاريخ والآثار، وبكلّ ما يُهيّئُ الكاتبَ أن يَكتبَ عنها عشراتِ الرّوايات، وهذا الأمرُ لا يُنقِصُ مِن جودةِ الرّوايةِ، بل يَزيدُها مِن حيث العطاء والمَضمون.

في الرّوايةِ عدّةُ شخصيّاتٍ، أبرزُها شخصيّةُ فارس المُتطوّرةُ أكثر مِن غيرها، وهناكَ بالمقابل شخصيّةُ صلاح، وشخصيّةُ الرّجلِ القاتل، وهي الشّخصيّة التي تتغيّرُ وتتبدّلُ وتتبلورُ، وتتلاءمُ مع كلِّ فردٍ وحدَثٍ، وكانتْ دائمًا طاغية على الحدَث، تمامًا مثل شخصيّة فارس الزمبرك والنابض المُحرّك للأحداثِ وتغيّراتِها.

اللّغة: قد يكون مأخذ على د. أحمد سليمان، إذ إنّ اللغة السّرديّة كلّها جاءتْ على لسان صلاح بمستوًى واحد، ولكن لم يَكنْ هناكَ مستوياتٌ مختلفة، ولم تتغيّرْ لغة الشّخصيّاتِ ولم نلمَسْ اختلافًا بينَ واحدٍ وآخر. ومأخذ آخر، أنّ بطلَي الرّواية طفلان صغيران، فهل يُعقلُ أن يُفكّرا بهذا التفكير؟ عمليًّا هناكَ مشاهدُ مثل ص74: “قالَ المُحقق: حسنًا هذه بلادٌ مرّت عليها الحضاراتُ، هي قطعة مِن الأرضِ أشبهُ بحلقةِ الوصْلِ بين الشّرق والغرب، وهي موطنُ الدّياناتِ السّماويّة، ومركزٌ لانطلاقِ إحدى أهمّ عمليّات البناءِ البشريّ. نحن نعيشُ في بقعةٍ انتعشتْ فيها الإنسانيّة، وازدهرَ فيها العمران، الأمر الذي فتحَ عليها عيونَ العالم، فتعاقبَت عليها الحملاتُ، وحملة نابليون هي إحدى أشهر هذه الحملات، والحكايةُ تقولُ أنّ نابليون بونابرت وبعدَ حِصارِهِ الطويلِ لمدينةِ عكا، وعلى أثر فشلِهِ في إخضاعِها، أرسَلَ قبّعتَهُ مع بعضِ الهدايا الثمينة إلى الجزار، اعترافا منهُ بالهزيمة، وإجلالًا وإكبارًا للمدينة”! فكيفَ لشرطيٍّ أن يكونَ مُثقفًا بهذه الثقافة، ويتحدّث بهذه اللغة، ونحن نعرفُ رجالَ الشرطةِ عندنا؟

وحوارٌ آخرُ غيرُ مُقنِعٍ ص120 بينَ الرّجلِ والطفليْن، “فيَسأله: كيفَ عرفتَ أنّنا هنا؟ سألتُ وأنا أتلاعبُ ما بين الرغبة في معرفةِ طريقةِ تفكيرهِ، وتأجيل الآتي القاتم، فرأيتهُ يَنظرُ نحوي وهو يُلوّحُ بالمُسدّس باتّجاهي: تبعتكما هكذا، بكلّ بساطة كنتُ أعلمُ أنّكما لن تلبثا طويلًا بعيدًا عن المغامرة. إنّها جزءٌ من طبيعتِكما، وحين رايتكما تدخلان  ………..،   شكرًا لكما أيّها المُغامرانِ الصّغيران”.

وأيضًا ص121: “أريدُ أن أسألك.. هناك أمرٌ واحدٌ يُحيّرني، لماذا تركتَ المنارةَ في تلك الليلة …. الخ”؟ حواراتٌ من هذا النّوع تدلُّ على أن أطفالًا في عمر عشر سنوات، مِن المستحيل أن يدخلوا في حواراتٍ بهذا الشكل والعمق، وكذلك تصرّفُ فارس ص124 ومحاولته أن يَضربَ الرّجلَ بقنديلٍ، ويوقِعه على الأرض، فكيف هذا الأمر يستوي مع ضخامة الرّجل؟ وغيرها مِن المشاهدِ لم تكن مُقنِعة لي على الأقلّ، وكانَ يُفضّلُ لو أن د. أحمد سليمان أعطى للطفليْن حقّهما في التعبير عن طفولتِهما، وأن يكون هناكَ نوعٌ مِن البراءة والعفويّة في الحديثِ والأسلوب، وأن يكون دفاعُهما عن أنفسهما بشكلٍ طفوليّ، كأن يُفركشا الرّجل بأرجلِهما مثلًا، ولكن أن يَدخلا معهُ في حوارٍ عقلانيٍّ وجدّيّ؟ كان هذا غيرَ مُقنع!

إذًا؛ الأسلوبُ اتّبعَ السّرديّة بمستوى واحدٍ، دون الأخذِ بالحسبان الشّخصيّاتِ المُختلفةِ للأطفالِ والرّجل والقاتل، فأعتقدُ أنّه يجبُ أن يختلفَ الأسلوبُ في إنتاجٍ آخر، وكذلك علينا أن نُعطي الشّخصيّاتِ الثانويّة أيضًا دوْرًا أكبر في بلورةِ الحدَث، فمثلًا فارس وصلاح طالبان في المدرسة، وفجأةً انقطعَتْ أخبارُهما المدرسيّة، فأين المدرسة والأهلُ، حين يخرجُ الطفلانِ صباحًا للبحثِ عن الرّجل، ويحاولانِ الإيقاع به، فماذا مع أسابيعَ تتوالى ولا نسمعُ أيّ خبرٍ بالنّسبةِ لدراستِهما، مع أنّ والدَ صلاح كان مُهتمًّا بتعليمِ ابنِهِ، فهذا الجانبُ كان مِن الأخطاءِ التي كان يجبُ التنبُّه إليها ونأخذها بالحسبان، حتّى تكون الرّواية مُقنِعة للقارئ، وليجدَ فيها الصّورة الكاملة، والحدَث نفسه وأهمّيّته في إعادةِ الاهتمام بعكا، وقبّعة نابليون كانت لفتة جميلة مِن الكاتب، إذ تحدّث عنها التاريخ كلّهُ، ولم يسألْ أحدٌ ما نوع القبّعة، وما مصيرُها وأين اختفت؟ هل مُزّقتْ، سُرقت، هل مَن احتفظ بها أو الخ…؟ أعتقدُ أنّ هذه الرّواية أعطتْ لهذا الرّمزِ مِن أيّام نابليون أهمّيّة، قد تُثيرُ اهتمامَ الآخرين بتناوُلِ النّوع في أعمالٍ أخرى. بشكلٍ عامّ أقيّمُ الرّواية بجيّدة جدّا، وكانَ بالإمكان أن تحصلَ على تقييمٍ أعلى، لو تفادى وتجاوَز د. أحمد سليمان بعضَ الهفواتِ الطفيفة!  

جاءَ في مداخلةِ الأديب نظير شمالي: رواية “فارس الثَّلاج” للفتيان، تقعُ في (128) صفحة مِن القَطْع الصّغير، وكأنّي بأديبنا د. أحمد سليمان قد أرادَ بإصدارِهِ الجديدِ هذا، أن يَسدَّ ولو فراغًا مُتواضِعًا في نِتاج أدبنا المَحلّيّ المُخصَّصِ لهذه الفئةِ العُمَريّة.

*شيءٌ عن نقدِنا المَحلّيّ الّذي ضاقَ حتّى ضُيّقَ وحُجبَ: إنّ كثيرًا مِن نقدِنا الأدبيّ المَحليّ قد تمَحورَ للأسف الشديدِ، منذ عقودٍ مُتراكمةٍ حولَ عددٍ محدودٍ ضيّقٍ مِن كُتّابِنا المَحليّين، وذلكَ لاعتباراتٍ شخصيّةٍ بحتة، الأمرَ الذي أعطى الشعورَ لدى القارئ عندنا وفي العالم العربيّ أيضًا، بأنّ هذهِ الكتاباتِ الّتي تمحوَرَ حولها النّقدُ، هي فقط الّتي تُمثّلُ أدبَنا المَحلّيّ، وهي الّتي تَستحقُّ أن تُقرأ دونَ غيرها! هذا التّقصيرُ يَدينُ عددًا كبيرًا ممّن يَتعاملونَ بالنقدِ الأدبيّ عندنا، الّذين يتعاملونَ مع فئةٍ ضيّقةٍ في إنتاجنا الأدبيّ، ولا يَرَوْنَ إبداعًا أدبيّا إلّا في حَفنةٍ مِن هؤلاءِ الكُتّاب شِعرًا ونثرا، فكتبوا وكرّروا، حتّى أرى أنّهُ يَصدُقُ في هذه الظاهرةِ المُتفشّية عندَنا قولُ النّاقد اللبنانيّ مارون عبّود: “عَمّتْ حتى خَمّتْ”! هذا قصورٌ مَعيبٌ مُتراكمٌ فاضحٌ في حركتِنا النقديّةِ المَحليّة، والّتي كانَ بمقدورِها أن تضطلعَ بدوْرٍ رياديّ أوسعَ، في رصْدِ إيجابيّاتِ وسلبيّاتِ أَكبر عددٍ مِن كِتاباتِنا الأدبيّة، لكي تنهضَ حركتُنا الأدبيّة وبكلِّ أطيافِها، وبمُختلف تيّاراتِها وانتماءاتِها السّياسيّةِ والاجتماعيّةِ والثقافيّةِ وأساليبِها وأفكارِها، وللموضوعِ حاجةٌ قصوى إلى الإفاضةِ والتّفصيلِ في مَقامٍ آخر.كتب

*الصَّديقُ الأديبُ العَكّيّ د. أحمد سليمان مِن أهمّ الأصواتِ الأدبيّةِ الجادّةِ والبارزة، والّتي تفرضُ حضورَها وتَميُّزَها في ساحةِ أدبِنا المَحلّيّ، والّتي تُضاهي بمستواها، بل تتفوّقُ على العديدِ مِن كتاباتِنا الأدبيّةِ المَحلّيّةِ التي صَفّقَ ويُصفّقُ لها الكثيرونَ مِنَ المُصفّقينَ تصفيقًا حادّا كادَ يَصُمُّ الآذان، ويكادُ لا يَنتهي كقصّةِ إبريق الزيت، أو قصص أَلف ليلة وليلة! وإلّا، فما معنى أن يقومَ د. أحمد سليمان، وعلى مَدار أكثر مِن رُبع قرن بالكتابةِ، وإصدار عشرين إصدارًا أدبيًّا في القصّةِ القصيرةِ والرّوايةِ والمسرحيّةِ وقصصِ الأطفال، فتُطلقُ كتاباتِهِ في القصّةِ القصيرة والرّوايةِ أصداءً واسعة طيّبة لدى القُرّاء، وتفوزُ مسرحيّتُهُ “سقوط إسبارطة” بالجائزة الأولى لدى مسرح الميدان، وتتداولُ مُربِّياتُ روضاتِ الأطفالِ عندنا قصصَهُ المُكرَّسةَ للأطفال بالآلاف، وتُقبلُ دُورُ النشر المُختلفةِ على تَلقّفِ كُتبِهِ وإصدارها، ومع ذلك، فإنّ عددَ المَقالاتِ والدّراساتِ الّتي تَناولتْ كلَّ كتاباتِهِ، لا تتجاوزُ عددَ أصابع اليد الواحدة. نحن بصددِ كاتب جيّدٍ له تجاربُهُ الثّريّة، وحضورُهُ البارز، وليسَ مُبتدئًا ما زال يتلمّسُ أولى خطواتِهِ في عالم الأدب! إنّ هذا أمرٌ غريبٌ مُستهجَنٌ ومَعيبٌ مِن أهل النقدِ عندنا. نحنُ أمامَ كمٍّ كبيرٍ مِن النقدِ المُتمترسِ في خنادقَ محصورة، يأبى الخروجَ منها إلى سِواها! ونحن على يقينٍ مِن أنّ الموهبة الجيّدةَ المُتميّزة هي التي تفرضُ حضورَها أوّلًا وأخيرًا في عالم الأدب وغيرهِ، وتجاهُلُ النّقدِ والنّقّاد لها لا يَستطيعُ بحالٍ مِن الأحوالِ أن يُقزّمَها ويَطمسَها إلى الأبد، أمّا زبدُ الأدب فيَتطايرُ فقاقيعَ فارغة في فضاءِ الأدب، وإن بدَتْ زاهية الألوانِ مُتراقِصةً مُدلّلة مُتهادية في فضاءِ النقدِ الأدبيّ، الّذي يُحاولُ جاهدًا أن يُعطِيَ بعضًا منها حجمًا أكبرَ مِن حجمِها الحقيقيّ، فلا تتركُ في نهايةِ المَطافِ إلّا الفراغ، ولا شيءَ غيره، وكما تقول الآية الكريمة: “فأمّا الزّبد فيذهبُ جُفاءً”.

*النَّقصُ في أَدب الفِتيان لدينا: ما زلنا نُواكبُ الحركةَ النّشطة في إصدارِ المُؤلّفاتِ المُخصّصةِ لأَدب الأطفالِ شِعرًا ونثرًا، ولندَعِ الآن جانبًا قضيّة جوْدتِها، ذلك الأدبُ المُخصّصُ لأَطفالِنا في سِنّ مُبكّرةٍ وما بَعدَها بسنوات، غيرَ أنَّنا نُلاحظ، وأمامَ هذا الكمّ الهائلِ مِن الإصدارات، نُدرةَ المُؤلفاتِ المُخصّصةِ لأَدب الفِتيانِ الّذين كادوا يتخَطّوْنَ مرحلةَ الطّفولةِ المُتأخّرة! هنا نجدُ فرقًا هائلًا جدًّا بيِّنًا في الكمّ والاهتمام بهذا الأدب، وكأنّنا نقولُ في هذا المقام لهؤلاء الفتيةِ مِن أبنائِنا فلذاتِ أكبادِنا: لقد كتبْنا لكم الكثيرَ مِنَ الأدب المُناسِب لسِنّكُم المُبكّرة وما بَعدَها بسنوات.

* تعريف وترجمة حياتيّة لد. أحمد سليمان: وُلد في مدينة عكّا عام 1960، لأبٍ مِن مَواليدِ قرية “علما الخيط” المُهجَّرة والمُدمّرة، القريبة مِن مدينةِ صفد في الشمال. تعلّمَ في مدارس عكّا، ثمَّ تابعَ دراسة طبّ الأسنان في رومانيا، وأنهى دراسته عام 1985، ومِن آثار قلمه: قصص قصيرة “أنا وملوك الأزقة” 1992- “الياطر” للدعاية والنشر والإنتاج- عكا”، والأطرش والخريف”- 2008 (مؤسّسة الأسوار- عكا). رواية “العكروت” عن دار عكا للنشر والتوزيع- عكا (1998)، رواية “الدّمية والظلال” عن مؤسّسة الأسوار- عكّا (1999)، رواية “شاعر رغم أنفه” عن مؤسسة الأسوار- عكّا (2001)، رواية “العنفقة” (2006)، رواية “دْراع الواوي” (تحت الطبع)، مسرحيّة “صرخة” (وقد قامت بتمثيلها مجموعة من الشبان العكيين فوق خشبة مسرح الأوديتوريوم في عكا)، مسرحية “مطران العرب” (حائزة على جائزة مسرح الميدان)، مسرحية “سقوط إسبارطة” (حائزة على جائزة مسرح الميدان- حيفا)، مسرحية “شرشر وجرجر” (مسرحية للأطفال)، ومن قصص الأطفال “الأميرة والجُندب”- ط2/2010 (عن دار الهدى). “صديقي الكتاب” عن دار الهدى (2010). “أبو الشوارب” عن مركز أدب الأطفال- الناصرة (2003). “صورة عائليّة” عن مركز أدب الأطفال- الناصرة. “الأرنب زرزور”، “مملكة الفرسان” إصدار جمعيّة الإثراء التربويّ- عكا (2003)، “الدّودة ودودة” إصدار مركز ثقافة الطفل/ مؤسسة الأسوار- عكا (2007)، “أجمل الأَطفال” إصدار مركز ثقافة الطفل/ مؤسّسة الأسوار- عكا (2008)، “المسحّر الصّغير” (أسطوانة غنائيّة)، وكذلك أسطوانة مدمجة مترجمة عن اللغة العبرية، وكتاب مرشد للمربيات “نزهر في البستان” صادر عن وزارة التربية والتعليم، بالإضافة الى العديد من المقالات والدّراسات المختلفة.

*بحث وتنقيب واستطلاع لآراءِ جمهورِ الهدف: لعلّهُ مِن سِرّ نجاح أديبنا في أعمالِهِ الأدبيّة المختلفة:      1* قيامُهُ بتحضيرِهِ للأرضيّة العلميّةِ والتاريخيّةِ والاجتماعيّةِ لمواقعِ وأحداثِ روايتِه، فقد أمضى وقتًا ليسَ بالقصيرِ في البحثِ والاستفسارِ والتنقيب عن بعضِ المعالم العكيَّةِ والأحداثِ المُتعلّقةِ بمدينةِ عكّا: أم أربعة وأربعين أوضة (برج الكومندار)، حملة نابليون (1799م)، المنارة، المزولة، …إلخ. وهذا النّهج هو ذاته الذي أعرفُهُ عن أديبنا د. أحمد سليمان في جميع أعمالِهِ الأدبيّةِ المختلفة. 2* مِن المعروفِ عن أديبنا أنّهُ يُعطي النّصّ المُخصّص للأطفال (قبل دفعه الى المطبعة) لعددٍ من الأطفال ليقرأوهُ ويتفاعلوا معه، ثمَّ يستطلعُ آراءَهم، ويُدوّنُ مُلاحظاتِهم قبلَ الشروع بنشرِ نصّهِ الأدبيّ بصورةٍ نهائيّة، فهو يَعتقدُ اعتقادًا جازمًا أنّهم الفئة العُمريّة الأقدر على الحُكم على مِثل هذه النّصوص المُخصّصة لهم، وهو أمرٌ في غاية الأهمّيّة، ولهُ مردودٌ إيجابيّ كبيرٌ على جودة النصّ، ومدى ملاءمتِهِ لجمهورِ الهدف.

*موضوع الرِّواية: بطلا القصّة الرّئيسان شابّان عكيَّان في مقتبلِ العمر: فارس الثلّاج، وصديقُهُ وابنُ صفّهِ سابقًا صلاح بن بائع الفلافل، حيثُ امتهنَ كلُّ واحدٍ منهما مهنةَ أبيهِ.  القصَّة تبدأ مِن نهايتِها، قبلَ موتِ فارس الثلّاج الّذي أضحى عجوزًا أنهكَتْهُ السّنون، وهدَّهُ الإعياءُ والمَرضُ، ليُفصِحَ لصديقِهِ قبلَ موْتِهِ عن سِرِّ قضائِهِ على المُجرم القاتل.  وتعودُ الذّاكرةُ إلى أيّام الشّباب، عندما قرّرا ذاتَ يومٍ الذّهابَ في رحلةِ صيدٍ مَسائيّةٍ إلى الشّاطئ العَكّيّ حيثُ السّرطاناتِ البحريّة، وهُما يَحملانِ كيسيْن مِنَ الخيش. يتأخّرُ الصَّديقانِ بعدَ اصطيادِهِما السّرطاناتِ البحريّة (الدِّبيّات)، ليَعودا بعدَ أن كادَ اللّيلُ يَنتصفُ، وذلك في خِضَمّ الظّلمةِ الحالكةِ، والسّكونِ المُطلَقِ الذي يَقبَعُ فوقَ أزقّةِ المَدينة القديمة. ومِن هناكَ يَبدأ لقاؤُهُما مُصادفةً، بحدَثٍ غيّرَ مَسارَ حياتِهما: “عندَ مدخلِ السّوق، ومِن وسطِ الصّمتِ المُطبَقِ على المكان، سمعنا صوتًا غريبًا.. صوتَ طرقاتٍ مُتتالية: تك..تك..تك.. كانتْ طرقاتٍ رتيبةً وخفيفة.. اقتربت الطّرقاتُ منّا..” (ص16). ويُتابعُ الكاتبُ: “في نهايةِ الزّقاقِ ظهرَ ظِلُّ شخصٍ يَتمايلُ بشكلٍ غريب، تارةً نحوَ اليمين وتارةً نحوَ اليسار. لم يكنْ ثمِلًا، فهذا ظِلُّ رجُلٍ يتحرّكُ بهذا الشّكلِ قصدًا، وكأنّما شيءٌ يُعيقهُ عن الحركة.  مددتُ يدي بسرعة، وسحبتُ فارس مِن ذراعِهِ، وانزوَيْنا في عتمةِ مَدخلِ أحدِ البيوت. كادَ قلبي يَقفزُ مِن شدّةِ الخوف، فهمَستُ في أذن صاحبي:- ما هذا؟ إنّه شبح! -لا تتحرّكْ! لن يرانا هنا. سنغمضُ عيونَنا.. لن يَرانا! اقتربَ الظّلُّ المُتمايلُ أكثرَ فأكثرَ. كانَ يَحملُ شيئًا طويلًا في يدِهِ، يَضربُهُ على الأرض، فيُصدِرُ صوتًا رتيبًا ومُزعِجًا: تك..تك.. تك.. إنّهُ صوتُ عكّاز.  نظرْنا أنا وفارس نحوَ بعضِنا البعض، كُنّا أشبهَ بالبُلهاء. إنّهُ رجُلٌ عجوزٌ أعرجُ، يَتّكئُ على عكّازِهِ. وحينَ أدركْنا الحقيقةَ وقرّرنا مُتابعةَ السّير، حدَثَ ما لم يكُنْ مُتوقّعًا: مِن خلفِ العجوزِ الأعرجِ ظهَرَ ظِلٌّ أسوَدُ، ظِلُّ رجُلٍ قويٍّ لحِقَ بالعجوزِ بسرعةٍ، ثمَّ ضربَهُ بقوّةٍ على رأسِهِ.

سقطَ العجوزُ على الأرضِ وسطَ الزّقاقِ. كتمتُ صرختي، ونظرتُ إلى فارس، فرأيتُهُ يَعُضُّ على يدِهِ مانعًا نفسَهُ مِنَ الصّراخ.  انحنى الرّجُلُ فوقَ العجوزِ وراحَ يُفتّشُ ملابسَهُ. كانَ العجوزُ الأعرجُ يُحاولُ المُقاومة، ولكن دونَ نجاح. كانتْ معركتُهُ خاسرةً، بينما كنّا نحنُ كالمَشلولينَ مِن شِدّةِ الرّعب، وفجأةً، سقطَ الكيسُ مُصْدِرًا ضجيجًا عاليًا مَزّقَ سُكونَ اللّيل! سمعَ الرّجُلُ القويُّ الضّجّة، رفعَ رأسَهُ وتلفّتَ يَبحثُ عن مَصدرِها، ومِن بعيدٍ صوّبَ نظرَهُ نحوَنا! -إنّهُ يَرانا! همَسَ فارس وهو يَرتجفُ!  وقفَ الرّجُلُ القويُّ، خطا خطوةً صغيرةً في اتّجاهِنا. إنّهُ مُتأكّدٌ مِن وُجودِ شخصٍ ما في الزّاوية. يجبُ عليهِ التّحرُّك سريعًا! ارتختْ عضلاتي، أحسستُ بالخوفِ يَخنقُني. مالَ فارس نحوي يُحاولُ الإمساكَ بكتفي، وكأنّهُ يَمنعُ نفسَهُ مِنَ السّقوط، فأفلتَ كيسَهُ مِن يدِهِ كذلك، وراحتِ السّرطاناتُ تتراكضُ في كلِّ اتّجاه” (ص17-18). وقبلَ أن يَلفظَ الرّجُلُ العجوزُ الضّحيّةُ أنفاسَهُ الأخيرة، ترَكَ للفتيّيْنِ إشارةً؛ مِفتاحًا للسّرّ. وتتسارعُ الأحداثُ وتتداخلُ، ويُلاحقُ القاتلُ الصّديقيْن الشّابّيْنِ مُلاحقةً مُشدّدةً، ابتغاءَ مُساعدتِهِ في حَلِّ اللّغزِ ومعرفةِ مَكانِ الكنزِ المَدفون.

 وتكِرُّ الأحداثُ شادّةً أعصابَ القارئ، وتتشابكُ معَ الحياةِ العائليّةِ الخاصّةِ لشخصيّاتِ الرّوايةِ ومشكلاتِهم الاجتماعيّةِ في البيت. وفي نهايةِ هذه الرّوايةِ المُثيرةِ يَكشفُ فارس الثلّاج سِرَّ القضاءِ على المُجرمِ القاتل، وكيفيّةِ قتلِهِ في المَبنى الصّليبيّ الذي يَقعُ أسفلَ المَباني العثمانيّة.

**عنصرُ الإثارة والتّشويق: الرّوايةُ تشُدُّ أعصابَ الكبيرِ والصّغيرِ منّا على حدٍّ سواء، مُفعمةٌ بعنصرِ الإثارةِ والتّشويقِ مِن بدايتِها وحتّى نهايتِها، وهذا العنصرُ مِن أهمّ أركانِ نجاحِ كلِّ عملٍ أدبيٍّ، لأنّ كلَّ عملٍ أدبيٍّ يَخلو مِن الإثارةِ والتّشويق، ولا يَدفعُ القارئَ إلى مُتابعةِ قراءتِهِ برغبةٍ جامحةٍ، بل يَدفعُهُ إلى المَللِ والعُزوفِ عن مُتابعةِ قراءةِ نَصٍّ أدبيٍّ مُفلِسٍ خائب، ومِنَ الأَوْلى أن يَبقى قابعًا في دُرجِ كاتبِه، وتتجلّى الإثارةُ والتّشويقُ في كلِّ صفحاتِ الكتاب، واكتُفِيَ هنا بالإشارةِ إلى ثلاثةِ نماذجَ فقط مِن هذه الرّواية:

1* مَشهدُ وقوعِ بطلِ القصّة “صلاح” في الميناءِ بينَ أذرُعِ أُخطُبوطٍ هائلٍ ضخمٍ وصِراعِهِ معهُ بوحشيّةٍ، وهو مِن أقوى مَشاهدِ الرّوايةِ وأرسَخِها في ذاكرةِ القارئ (ص65-68).

2* مشهدُ تنكُّرِ المُجرمِ القاتل بزيِّ صيّادٍ عكّيٍّ عجوزٍ في حدَثٍ مُفاجئٍ مُرعبٍ، في مَركَبِ أحدِ الصّيّادينَ العكّيّينَ في الميناء. (ص53- 62).

3* مَشهدُ التقاءِ بطَلَي القصّة القاتلَ في قاعةِ الكريبتا: “وقبلَ أن أجيبَ، حصَلَ ما كنتُ أخشاهُ! فقدِ اشتعلَ أمامَنا عودُ ثقابٍ، أشعلَ بدوْرِهِ لفافةَ تبغ جديدة! إنّهُ القاتلُ، يُعْلِمُنا بوجودِهِ! ثمَّ تحرّكتْ شعلةُ الدّخانِ باتّجاهِنا. وفي آنٍ واحدٍ علتْ في فضاءِ القاعةِ ثلاثةُ أصواتٍ خافتة: خطواتُ الرّجلِ الزّاحفِ نحوَنا، وصوتُ صريرِ أسنانِ فارس، وأخيرًا صوتُ نبضاتِ قلبي تكادُ تخترقُ صدري وتُمزّقُهُ مِن شدّةِ الخوف!” (ص114).

** الوصف: أجادَ د. أحمد سليمان في وصفِ شخصيّاتِهِ وأحداثِهِ. ومِن هذهِ اللّقطاتِ الوصفيّة فيقول (ص6):              1* وصف فارس الثلاج: “بعدَ لحظاتٍ قليلةٍ دخل، سقطَ ضوءُ المنزلِ عليه. كانَ وجهُهُ ممتقِعًا، وعيناهُ غائرتيْنِ مُتّشحتيْنِ بالصّفار، وهالةٌ سوداءُ قاتمةٌ تُحيطُ محجريْهما. كان شكلُهُ مُرعبًا. وقفتُ، ثمَّ اقتربتُ منهُ وأنا أمُدُّ لهُ يدي”. ويُتابعُ وصفَهُ: “كانَ العجزُ باديًا عليهِ، وكأنّ السّنواتِ السّبعينَ الّتي عاشَها سقطتْ فجأةً فوقَ كاهلِهِ دونَ أيِّ إنذارٍ فحنتْهُ، وتمرّغتْ على صفحاتِ وجهِهِ وجعّدَتْهُ. هذا رجُلٌ نضُبَتْ شهيّتُهُ للحياة”.

2* وصفُ عربةِ فارس الثلّاج: “كانَ والدُهُ يَمتلكُ عربةً يجُرُّها حصانان، والعربةُ عبارةً عن صُندوقٍ ضيّقٍ ومُرتفع، ليتسنّى لهُ الولوجُ عبرَ أزقّةِ البلدةِ القديمة، فكانَ أشبهَ بعربةِ القطارِ الممطوطةِ الّتي تحملُ فوقَ رفوفِها الدّاخليّةِ قوالبَ الثّلج الّتي يُحضِرُها مِنَ المَصنع، ويدورُ ليَبيعَها للمحالّ والبيوت، بينما غطّى الصّندوقَ قشرةٌ معدنيّة مِن مادّةِ التوتياء، لتساعدَهُ على حفظِ برودةِ القطار العجيب” (ص7).

3* وصفُ القاتل: “كزَّ الرّجُلُ على أسنانِهِ. وصَلَ الصّريرُ إلى مَسامع فارس فجَفلَ! واشتدّتْ حدّةُ الصّرامةِ فوقَ تقاطيع وجهِهِ. كانَ الرّجُلُ أسمرَ اللّون بعيْنين سوداويْن ضيّقتيْن، وأنفٍ أقنى شديدِ البروزِ لا يَتماشى مع مبنى فكّيْهِ العريضيْن، وفوقَ خدّيْهِ نتأتْ وجنتانِ حادّتان اخترقتْ إحداها ندبةٌ قديمة امتدّت مِن زاويةِ عينِهِ اليُمنى، نُزولًا حتّى طرفِ أرنبةِ أنفِه” (ص37).

4* قولُ فارس: “إيه أيُّها البحرُ، إيه أيُّها الصّديقُ المالحُ، يا مَن تُخبّئُ في أعماقِكَ خبايا الحياةِ وجميعَ أسرارِ العابرينَ فيها، ألا تبوحُ لنا أيُّها الكائنُ العظيمُ، بما تعرفُهُ لنرتاحَ!” (ص73).

**اللُّغة: لغةُ الكاتب في جميع كتاباتِهِ نابضةٌ بالحياة، فيها سهولةٌ وحيويّة، مُطعّمة ببعضِ مفرداتٍ ومصطلحاتٍ عامّيّة هنا وهناك، “تلقيم القهوة” (ص5)، و”عصافير الجوع تزعق في بطني” (ص12).

**الاسترجاع (الفلاش باك): يَستخدمُ الكاتبُ هذه التقنيّةَ في حبكةِ روايتِهِ في سرْدِ بعضِ أحداثِ الرّواية، كما حدَث- مثلًا- في بدايةِ الرّواية وخاتمتِها.

**معالم وملامح عكيّة: أحسنَ الكاتبُ صُنعًا في رفدِ روايتِهِ هذهِ بالعديدِ مِن: أسماءِ المَعالمِ والنّماذجِ البشريّةِ، وبعضِ الأحداثِ العكّيّةِ، وبعضِ مُصطلحاتِ أهلِ مدينةِ عكّا، نحو: جامع الجزار (الحرم، المَيضأة، قبر الجزّار، وربيبه سليمان باشا العادل، المِزولة، أمّ أربعة وأربعين أوضة، الأسوار، المنارة (برج الذبابة)، الميناء، السوق، راهبة الدير العجوز “السير جينيفييف”، الدِّبيّات، حملة نابليون،… الخ.

*ملحوظة مشفوعة بالتّمني: كنتُ أتمنّى على المؤلّفِ أن يُلحِقَ بكتابهِ بعضَ الرّسومِ المُتعلّقةِ ببعضِ المَواقفِ والأحداثِ والأوصافِ الواردةِ في روايتِهِ، حيثُ يتمّ حينئذٍ ربْطَ التّعبيرِ الكتابيّ الكلاميّ للمؤلف، بالرّسوم التّوضيحيّةِ المُلائمة للرّسّام، فتُقوّي انطباعَ الكلام بالرّسوم في ذهن القارئ، وأرجو أن يكون ذلك في طبعة تاليةٍ للكتاب. هنيئًا لأديبنا د. أحمد سليمان بعكَّاه الرّائعة الصّابرة التي يَعشقها، وهنيئًا لعكّا بابنِها الأديب البارّ، وبإسهاماتِهِ الجيّدةِ المميّزةِ بهذا العملِ الأدبيّ الرّائعِ، (وأعمالِهِ الأدبيّة السّابقة) في أدبِنا الفلسطينيّ خاصّة، وأدبنا العربيّ عامّة.

This entry was posted in آمال عواد رضوان and tagged , , , , . Bookmark the permalink.