لعبة الأمم

عبد الجواد سيد عبد الجواد      عبد الجواد   

يستدعى المشهد السياسى فى الشرق الأوسط اليوم، بكل تعقيداته القومية والمذهبية وتوازنات القوى المتصارعة فيه، مشهدالتاريخ الأوربى الحديث خلال الخمسمائة سنة الماضية تقريباً، وبالتحديد منذ ماأصبح يعرف فى التاريخ الأوربى الحديث بالحروب الإيطالية، وهى سلسلة الحروب التى فجرهاالصراع على المدن الإيطالية بين فرنسا وأسبانيا، وإستغرقت نحو أربعين عاما بدأهاملك فرنسا شارل الثامن بغزو إيطاليا سنة 1494م، وإنتهت بصلح كاتو كمبرسيس سنة 1559م،حيث خرجت جميع الأطراف منهكة بدون تحقيق أى من أهدافها الرئيسية.

وفى هذه السلسلة من الحروب المدمرة تم إقرار مبدأ التوازن الدولى، أو مبدأ توازن القوى، كما يسمى أحيانا، كمبدأ حاكم للصراعات الدولية حتى الحرب العالمية الثانية – ومابعدها – ورغم أن مبدأ التوازن الدولى، والذى يعنى إتحاد الأطراف الأضعف – تلقائيا –  فى مواجهة الطرف الأقوى لردع عدوانه والحفاظ على السلام القائم، هو مبدأ قديم فى العلاقات الدولية، قدم التاريخ الإنسانى نفسه، فإن الإقرار به كمبدأ حاكم للصراعات الأوربية يعنى الإخلال به قيام الحرب تلقائياً، لم يتم إلا بعد تجربة الحروب الإيطالية، ففى هذه الحروب إتضحت لعبة التوازنات الأوربية جلياً، فكلما هاجمت فرنسا وحققت إنتصارات على الأرض وإنتزعت بعض المدن، تحالفت المدن البابوية وغيرها من المدن الإيطالية والأطراف الأوربية مع القوى الأسبانية للإستقواء بها على الطرف الفرنسى المنتصر، فإذ إنتصرت القوى الأسبانيةعلى القوى الفرنسية أصبحت هى نفسها الخطر الجدير بالتحالف ضده ، وهكذا فى دورةعبثية لم تنتهى إلا بمعاهدة كاتو كمبرسيس المشار إليها.

وهكذا إستقر مبدأ توازن القوى كمبدأ حاكم للصراعات الدولية الأوربية، لدرجة أنه حتى خلال الحروب الدينية التى تفجرت بين الدول الكاثوليكية والبروتستينية فى أعقاب الحروب الإيطالية، نجد ملك فرنسا الكاثوليكى لويس الثالث عشر ووزيره الأول الكاردينال الكاثوليكى ريشليه، يتحالفا سنة 1635م مع السويديين والهولنديين البروتستانت ضد آل الهابسبورج ملوك ألمانياوأسبانيا الكاثوليك مثلهما، وذلك حتى لايزداد الأخيرون قوة بإنتصارهم على أعدائهم البروتستانت، ضاربين عرض الحائط بروابط العقيدة المشتركة، وقد إستمرت لعبة التواززنات الأوربية بعد عصر الحروب الدينية التى إنتهت ظاهريا بصلح وستفاليا سنة1648م لدرجة حتى انه بعد ظهور روسيا الحديثة المسيحية وبداية توسعها بإتجاه منطقة البلقان والبحر المتوسط فى عهد بطرس الأكبر وكاترين الثانية – أثناء القرن الثامن عشر – نجد الدول الأوربية المسيحية تصطف فى جانب الدولة العثمانية المسلمة منعاً للتوسع الروسى وحفاظاً على مبدأ توازن القوى الدولى، وذلك حتى وصلت تلك السياسة ذروتها بقيام الثورة الفرنسية ووصول نابوليون إلى حكم فرنسا وسيطرته على معظم أوربا، والذى ترتب عليه – تلقائياً – توجيه التحالف الأوربى – بقيادة إنجلترا- ضد نابوليون حتى إسقاطه فى وترلو سنة 1815م وتجريد فرنسا من قوتها فى مؤتمر فيينا الذى أنهى أعماله فى نفس السنة 1815م .

ومع ذلك، فلم تنعم أوربا سوى بسنوات قليلة من السلام بعد مؤتمر فيينا  بسبب إختلال موازين القوى فى أوربا مرة أخرى نتيجة لإنسلاخ دويلة بروسيا عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة (الإمبراطورية النمسوية) ودخولها فى صراع معها مما أشعل حرب السنوات السبع(1856-1863م)بهدف الحفاظ على توازن القوى الذى أخل به ظهور بروسيا ونجاحها بعد ذلك فى توحيد ألمانيا سنة 1871م بعد هزيمة النمسا فى معركة سدوا سنة 1866م وهزيمة فرنسا فىمعركة سيدان سنة 1870م، حيث بلغت أزمة التوازن الدولى ذروة أخرى بسبب الصعود الكبير لقوة ألمانيا فى أوربا، وحيث أخذت لعبة التوازن الدولى منحى جديد هذه المرة،بحيث أصبحت موجهة ضد ألمانيا وليس ضد فرنسا، مما أدى إلى توقيع الإتفاق الودي الشهير بين إنجلترا وفرنسا سنة 1904م فى مواجهة ألمانيا، والذى لم يمنع مع ذلك من نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914م بسبب إستمرار صعود القوة الألمانية فى أوربا،وإستدعاء الولايات المتحدة من خارج القارة الأوربية فى السنة الأخيرة للحرب للمشاركةفى ردع العملاق الألمانى الصاعد وتقليم أظافره فى مؤتمر فرساى سنة 1920م، والذى لم تستطع مقرراته القضاء على قوة ألمانيا برغم قسوتها، حيث إستفاقت على يد هتلر وحزبه النازى وبدأت رحلة التوسع فى أوربا مرة أخرى، حتى أصبح تجنب قيام الحرب العالميةالثانية سنة 1939م شبه مستحيل، ومرة أخرى تستدعى الولايات المتحدة الأمريكية من خارج القارة للمشاركة فى القضاء على العملاق الألمانى المخيف، وبالفعل يتم تقليم أظافر العملاق الألمانى هذه المرة بشكل نهائى، لكن الثمن كان باهظاً، حوالى ستين مليون قتيل من حوالى مائة مليون إنسان إشتركوا فى الحرب، سقطت مع سقوط أرواحهم نظرية التوازن الدولى، أو توازن القوى، كفكرة حاكمة لردع العدوان والحفاظ على السلام فى السياسة الأوربية، حيث بدت معها خسائر الحرب الدفاعية من أجل الحفاظ على التوازن الدولى أشد بشاعة من خسائر أى حرب هجومية، وهنا إهتدت أوربا إلى فكرة حاكمة بديلة، هى التعاون بدلاً من الصراع العبثى، والإندماج بدلاً من حسابات التوازن العقيمة، وتم تأسيس السوق الأوربية المشتركة سنة 1957م والتىتحولت إلى الإتحاد الأوربى سنة 1992م، لينتهى الصراع الأوربى وتظهر إلى مسرح التاريخ أكبر منطقة إستقرار وسلام فى عالم اليوم، أوربا القارة العجوز.

إن نفس بانوراما الصراع الأوربى الطويل تتكرر اليوم فى الشرق الأوسط الحديث، ولو بشكل مصغر، فمع قيام الثورة الإيرانيةسنة 1979م بدأ الصراع على النفوذ والسيادة فى الشرق الأوسط، وإشتعلت الحرب الإيرانية العراقية سنة 1980م والتى فجرتها المخاوف من تصدير الثورة الإيرانية، وإصطف العالم العربى خلف العراق حتى هزيمة إيران النسبية سنة 1988م، ثم وعندما بدأعراق صدام حسين نفسه يلعب دور المعتدى وقام بغزو الكويت سنة 1990م إصطف العالم العربى هذه المرة فى تحالف دولى ضده -وليس خلفه – حتى تم طرده من الكويت فى السنة التالية مباشرة، ومع صعود القوة الإيرانية مرة أخرى وبداية زحفها بإتجاه البحرالأبيض والبحر الأحمر- كما حدث فى اليمن أخيراً – ، إصطف العالم العربى إزاء الخطرالإيرانى مرة أخرى فى صراع معقد الفصول، لم يحجمه مؤقتا سوى تدخلات الدول الكبرى، لكنه مازال مرشحاً لإن ينفجر فى أى لحظة فى مائة وستين عاماً أخرى من الحروب العثمانية الصفويلة المدمرة الطويلة، وذلك فى مشهد عبثى يبدو شبيهاً بالحروب الأوربية الأخيرة، مشهد يدفعنا لإن نتساءل، لماذا لا تستفيد الإمبراطورية الإيرانيةالخمينية وكل شعوب الشرق الأوسط من حكمة وتجربة الشعوب الأوربية – التاريخيةوالفكرية – كما إستفادت من منجزاتها المادية، وتغير قواعد لعبة الأمم القديمة، فتلجأ إلى التعايش والإندماج بدلاً من الصراع العبثى وإثارة الحروب المدمرة الطويلة!!

جاكرتا 8/5/2015م

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , , , . Bookmark the permalink.