التجديـــد بين التقديـــس والتجريـــس

 د. علي مبروك    علي مبروك           

تتوقف جوهرية الحاجة لتجديد التراث على تعيين طبيعة الوضع الذى تواجهه الآن مصر- والعرب عموماً- من جهة، وعلى بيان نوع العلاقة بين هذا الوضع وبين التراث من جهة أخرى.

وبخصوص الوضع الذى يجابهه العرب الآن، فإنه يبدو أنهم يواجهون أزمة ممتدة على مدى قرنين منذ مطالع القرن التاسع عشر وحتى الآن، وأن هذه الأزمة تتعلق- على نحو جوهرى- بطبيعة النظام الذى يشتغل به عقل العرب. ولعل الارتباك الحاصل فى المشهد الممتد على مدى السنوات الأخيرة منذ اندلاع ما يُسمى بثورات الربيع العربى لما يؤكد على الطابع العقلى للأزمة العربية المسيطرة. فقد كان العرب يتصورون أن أساس أزمتهم يكمن فى «النظام السياسى»؛ الأمر الذى يعنى أن خروجهم من الأزمة مشروطٌ بإسقاط هذا النظام. لكنه بدا أن إسقاط «النظام السياسى» لم يتمخض عنه التغيير المطلوب للخروج من الأزمة؛ وبما كان لابد أن يدفع فى اتجاه التأكيد على أن «النظام العقلى» هو حجر الأساس فى بناء الأزمة العربية. وغنيٌّ عن البيان أن «التراث» الخاص بأى جماعة أو أمة هو بمثابة الإطار الذى ينشأ «العقل» ويتبلور داخله.

وهكذا فإنه إذا كان عقل العرب الراهن يشتغل بطريقة يكون معها خاضعاً لسلطة أصل أو نموذجٍ جاهز، فإن هذا العقل هو النتاج المباشر لما ساد فى التراث الإسلامى من طريقة فى التفكير بالأصل أو النص. وليس من شكٍ فى أن هذا العقل المهيمن يظل هو المحدد لكل ما يغلب على الممارسة العربية الواقعية من التقليد فى الدين والاتباع فى المعرفة والإذعان فى السياسة، والأبوية فى الاجتماع، والتبعية فى الاقتصاد.

وترتيباً على ما سبق، فإنه يمكن استنتاج أنه إذا كان الخلاص من الأزمة العربية الراهنة مشروطٌا بنقد عقل العرب وتفكيكه على النحو الذى يفتح الباب أمام انبثاق عقلٍ جديد، فإن التراث- الذى تحققت له السيادة فى الإسلام- سوف يكون هو الساحة الرئيسية التى يتحقق فوقها هذا العمل النقدي. إن ذلك يعنى أن تجديد العقل، الذى هو الشرط اللازم للخروج من الأزمة- هو أمرٌ موقوفٌ بالكلية على نقد التراث.وبالطبع فإن المعيار الذى سيعيِّن حدود المسموح والممنوع فى هذا النقد لن يكون إلا ما يؤدى إلى فتح الباب أمام عقلٍ عربى جديد.

وهكذا فإن نقطة البدء فى التجديد إنما تنطلق من الوعى العميق بالجوهر العميق للأزمة التى يعيشها العرب أولاً. فمن دون هذا الوعى سيظل كل تجديد مجرد ثرثرة يدير فيها بعض الناس ألسنتهم بمفردات فارغة وخالية من المعنى. وإذا جاز أن الأزمة الراهنة تضرب بجذورها- كما سبق القول- فى طبيعة النظام العقلى المهيمن، فإن ذلك يستدعى أساليب فى الاشتغال ذات طابعٍ معرفي. لكنه يبدو- ولسوء الحظ- أن غياب الوعى بهذه الطبيعة العقلية للأزمة العربية الراهنة قد جعل البعض- من الذين لا يقدرون على الخروج من دائرة «التقديس»- لا يجاوز بالتجديد حدود تحديث اللغة وأساليب القول، بينما لا يعرف الآخرون- من الذين اختاروا أن يقيموا تجديدهم على آلية «التجريس»- إلا أن يصبوا لعناتهم على بضع نصوصٍ وشخوص يجرى التعامل خارج أى سياقات معرفية وتاريخية. وبالطبع فإن ذلك يعنى أن التجديد «تقديساً» أو «تجريساً» لن يكون قادراً على إخراج العرب من أزمتهم، بل إنه سوف يؤدى إلى مفاقمتها للأسف. حيث الأمر يستلزم تجاوز مواقف «الدفاع» تقديساً أو «الهجوم» تجريساً التى هى مواقف انفعالية بالأساس، إلى «النقد» الذى هو فعلٌ معرفى يعنى الوعى بالحدود المعرفية والتاريخية التى تؤطر الظاهرة المدروسة؛ سواء كانت التراث أو غيره. إن الوعى بتلك الحدود يجعل المرء لا يطلب من الظاهرة أن تعطيه ما لا تقدر على أن تقدمه له، كما تجعله لا يحمِّلها مسئولية ما لا يصح تحميله عليها.

ولسوء الحظ، فإن التقارع الحاصل بين الفرقاء المتحاربين بالتقديس أو التجريس قد أدى إلى تغييب النقاش حول المسائل الكبرى التى لا سبيل للخروج من الأزمة إلا بنقدها وتجديد القول فيها. وهكذا فإن هؤلاء الفرقاء قد انهمكوا- على نحوٍ كامل- فى استعادة العراك القديم حول «الجرح والتعديل»؛ وبحيث بدا وكأن رفع الغُمة عن كاهل الأمة موقوفٌ على مجرد جرح «راوٍ» أو «تعديل» رواية. لم يعد الأمر متعلقاً بفحص السياقات التى أدت إلى تحول «المنظومة الخبرية» بأسرها إلى سلطة لها قوة إلزام الوحي، واقتصر الأمر على جرح بعض الرواة وتعديل بعض الأخبار. والحق أن المشكلة ليست فى مجرد تضعيف «خبر» بعينه أو فى جرح الناقل له، بل فى تحول المنظومة الخبرية إلى قوة لها سلطة الوحى وإلزامه.

وضمن هذا السياق فإنه يلزم التنويه بأن إرهاصات هذا التحول قد بدأت بعد غياب جيل الصحابة الذين تميز تفكيرهم بسمتين جوهريتين سرعان ما غابتا على نحوٍ كامل. تتمثل السمة الأولى فى «الإقلال من الرواية»؛ وإلى حد معاقبة من يُكثرون منها بمثل ما عاقب عمر بن الخطاب أبا هريرة لإكثاره من الرواية، وأما السمة الثانية فإنها تتعلق بإلحاحهم على النظر إلى ما يصدر عنهم من تقريرات على أنها مجرد آراء تخصهم، وليس لها قوة إلزامٍ مطلقة. وللغرابة، فإن هاتين السمتين قد غابتا عن تفكير اللاحقين الذين لم يكتفوا بالإكثار من الرواية، بل ونظروا إلى تقريرات الصحابة لا على أنها آراء تخصهم، وإنما باعتبارها إجماعاتٍ لها نفس قوة إلزام الوحى ذاته. ولقد بدأ هذا التحول فى الحصول قبل ظهور البخارى بوقت طويل، ولم يكن البخارى إلا متجاوباً- بكتابته لصحيحه- مع الاحتياج لتدوين تلك المنظومة الخبرية وحراستها، بعد أن كانت قد تحولت عند السابقين عليه إلى أصلٍ كالوحي.

وهكذا فإن البخارى لم يكن هو الذى حوَّل المنظومة الخبرية إلى سلطة، بقدر ما إن عمله كان، هو نفسه، نتاج تحوّلها إلى سلطة. وإذن فالبخارى هو ذروة سيرورة تاريخية ابتدأت قبل ما يزيد على أكثر من قرن على ظهوره، ولم يكن هو صانع هذه السيرورة. وبالطبع فإن فعل التجديد ينبغى أن يسعى إلى تفكيك الكيفية التى أصبحت معها المنظومة الخبرية أصلاً كالوحي، وليس الانشغال ببعض مروياتها ورواتها؛ وهو للأسف ما ينهمك فيه مجددو مصر، أو بالأحرى مثرثروها.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. علي مبروك and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.