إيقاظ المنطق باللّامنطق

قراءة في نصّ ” قطن منثور” للكاتب السّوري ” وئام البدعيش”. بكاء طفل

 مادونا عسكر 

– النّصّ:

قطن منثور.

اللّعبة حملت الطّفلة وركضت، أرادت أن تخبئها في مكان آمن، بعيداً عن أصوات المقصّات, وهدير مكنات الحياكة المزعج، وزعيق الآلات العجيب. وعندما وصلت إلى المكان الأكثر أماناً, والذي يعدّ بيت الرب في عالم الألعاب, لم تكن تتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد  أن يدخل بمقصه أو سكينه إلى داخل هذه الدار المقدسة. ولكن الذي حدث غيّر كل توقعاتها إلى قطع ألعاب ممزقة, وقطن منثور…

– القراءة:

بحركة غير متوقّعة، يبدأ الكاتب ” وئام البدعيش”، هذه القّصّة اللّطيفة الّتي تحمل بين سطورها معانٍ غزيرة وعميقة. أراد الكاتب من خلالها إيصال مكنونات فكره وروحه، والهواجس الّتي تقلقه، ولكن بطريقة مباهتة ومفاجئة، غير تلك الّتي اعتاد عليها القارئ.

ليس غريباً أن نجد في نصوص عديدة تشخيصاً للأشياء، أو لعناصر الطّبيعة أو للحيوانات. إلّا أنّ ما نقرأه في هذا النّص، هو قلب للأدوار لا يتوقّعه القارئ، بل لا يتوقّع الأحداث المتتالية. ما يجعلنا نشعر للوهلة الأولى أنّ الكاتب خرج عن المنطق.

يستخدم الكاتب أسلوباً أدبيّاً بسيطاً غير معقّد، من خلاله يصيغ قصّته بكلمات بسيطة. وقد تبدو لنا بداية النّص ضعيفة وركيكة (اللّعبة حملت الطّفلة وركضت)، لكنّنا سنفهم لاحقاً أنّ الكاتب أراد صياغة أسلوب يشبه توجّهه في سرد أحداث القصّة. فكما قلب الأدوار وجعلها لامنطقيّة، كذلك اتّخذ أسلوباً أدبيّاً يساير قصده.

 ينطلق الكاتب من الواقع المرير الّذي يحيط به ويؤثّر فيه بشكل مباشر. ثمّ يختصره أو يرمز إليه بمصنع للألعاب. وكأنّي به يريد القول، أنّ الواقع المعاش لا يتعدّى كونه مجرّد لعبة رغم كلّ الألم والأسى.

– العجز الإنساني:

يتجلّى في هذه القصّة الضّعف الإنساني في ذروته (اللّعبة حملت الطّفلة وركضت، أرادت أن تخبئها في مكان آمن). ” الطّفلة” الّتي ترمز إلى الإنسانيّة البريئة والنّقيّة ترزح تحت ثقل ضعفها ووهنها، لدرجة أنّها باتت عاجزة عن حماية نفسها. ولعلّ إيعاز دور الفعل إلى الشّيء ( اللّعبة) مهين للإنسان، بمعنى آخر أنّ الإنسان فقد كلّ قدرة على الفعل، فبات الجماد أشدّ قوّة منه. وتأتي العبارات التّالية ( أصوات المقصّات, وهدير مكنات الحياكة المزعج، وزعيق الآلات العجيب)، لتعبّر عن عدم الأمان المتدرّج ( أصوات، هدير، زعيق)، مشيراً إلى تصاعد القلق والخوف والاضّطراب.

من المعروف أنّ عالم الألعاب، عالم لطيف وفرح، إلّا أنّ الكاتب أراده مصدر ضجيج وصخب يشبه الواقع الّذي تنقله لنا القصّة. فيشير بذلك إلى انعدام الفرح والسّرور والبراءة محوّلاً آداة الفرح إلى آداة تعمل على الهروب من هذا الواقع إلى مكان أكثر أماناً. فإذا بنا نستخلص أنّ الأمكنة بأسرها باتت غير آمنة ومُطَمئنة، وبالتّالي أصبح الخطر يحيط بالإنسان من كل جنب وصوب.

– منتهى العجز:

في إشارة موجعة ولاذعة يشير الكاتب إلى عجز السّماء عن حماية الأرض. ( وعندما وصلت إلى المكان الأكثر أماناً, والذي يعدّ بيت الرب في عالم الألعاب, لم تكن تتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد  أن يدخل بمقصه أو سكينه إلى داخل هذه الدار المقدسة.). تناقض رهيب ومخيف ينقل أبشع صورة عن الواقع المرعب. فالملاذ الأخير الموثوق به ( الدّار المقدّسة)، استحال ساحة معركة مع غياب تجاوب السّماء أو تحرّكها. ( لم تكن تتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد  أن يدخل بمقصه أو سكينه إلى داخل هذه الدار المقدسة).

 مشهد قاتم، يستفزّ تساؤلات القارئ، ويدعوه إلى تحريك الجدل العقلي والمنطقي وعدم الاستسلام غرائزيّاً لمنطق الواقع القبيح والانجرار إلى ظاهره المخادع. فحتّى وإن كان عاجزاً عن التّغيير الملموس، إلّا أنّ هذا الجدل سيقوده تدريجيّاً إلى التّغيير والانعتاق من العجز والإنكسار. 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مادونا عسكر and tagged . Bookmark the permalink.