مَنْ يَقُوُل بَفَرّضِ اَلّحَجَابِ ويُكفر مُنكَرٌه يَكَذَبُ عَلَىَ الله

د. مصطفى راشد   مصطفي راشد

تلقينا على موقعنا عبر الإنترنت  عشرات الأسئلة تستفسر عن فتوى الشيخ على جمعة بتكفير منكر الحجاب  وهل تعد المرأة غير المحجبة كافرة — وتكونَ من أهلِ النار؟  

وللإجابة على هذا السؤال : –

بداية بتوفيق من الله وإرشاده وسعياً للحق ورضوانه وطلباً للدعم من رسله وأحبائه نصلى ونسلم على كليم الله موسى عليه السلام،  وكل المحبة والسلام لكلمة الله المسيح  له المجد فى  الأعالى، وكل السلام والتسليم على نبى الإسلام محمد ابن عبد الله  كما نصلى ونسلم على سائر أنبياء الله لا نفرق بين أحداً منهم     اما بعد———-       فبخصوص  ما يسمى بالحجاب الإسلامى وتكفير الشيخ على جمعة لمُنكر الحجاب، والذى صحته غطاء الرأس الذى لم يُذكر لفظه فى القرآن الكريم على الإطلاق ( أى غطاء الرأس )، وأصرت مجموعة من المشايخ والفقهاء على فرضيته، وجعله من أهم أركان الإسلام  ،   مختزلين مقاصد الشريعة الإسلامية وصحيح التفسير ثُمَّ جَاءُوا  بشريعة غير الشريعة، رافضين إعمال العقل، مهتمين فقط بالنقل القائم على غير العقل، ثُمَّ جَاءُوا بالنصوص فى غير موضعها وفسروها على أهوائهم، متبعين فى ذلك بعض مشايخنا القدامى، وكأن ما قالوبه مقدس،لا إجتهاد بعده، مبتعدين عن المنهج الصحيح فى الإستدلال والتفسير الذى يُفسر الآيات وفقا لظروفها التاريخية، وتبعا لأسباب نزولها، فنجدهم يفسرون الآيات على عموم ألفاظها متغافلين أسباب نزولها ومقاصد الشارع الإلهى، إما لأنهم يرغبون عن قصد أن يكون التفسير هكذا، أو لحسن نيتهم لأن قدراتهم التحليلية تتوقف إمكانات فهمها عند هذا الحد، لعوار عقلى أو آفة نفسية، حتى وصل الأمر إلى أن يخرج علينا الشيخ على جمعة ليُكَفِر منكر الحجاب وهذا أمر خطير لايصدر عن عالم بسماحة الشرع الإسلامى كما أنه لا يعلم أن الشرع لم يضع عقوبة أو حد لتارك الحجاب (غطاء الرأس)؟

، ولأن مسألة الحجاب،باتت تفرض نفسها على العقل الإسلامى وغير الإسلامى، وأصبحت مقياسا وتحديدا لمعنى ومقصد وطبيعة الإسلام، فى نظر غير المسلمين، مما حدا ببعض الدول غير الإسلامية، إلى القول بأن الحجاب الإسلامى هو شعار سياسى، يؤدى إلى التفرقة بين المواطنين، والتمييز بينهم،——– مما أدى لحدوث مصادمات وفصل من الوظائف فى هذه الدول بسبب تمسك المسلمة بما يسمى الحجاب، لذا تصدينا لهذا الموضوع الهام بالبحث  والتنقيب والإستدلال لنعرف . 

ما هى حقيقة الحجاب وما المقصود به، وما الأدلة الدينية التى إستند إليها ما يدعون  أنه فريضة إسلامية، لذلك يجب أن نناقش أدلتهم بالعقل والمنطق والحجة، حتى لا نُحمل الإسلام بما لم يأت به، فقد جاءت أدلة من يدعون بفرضية الحجاب  متخبطة غير مرتبطة، فجاءت مرة بمعنى الحجاب،ومرة بمعنى الخمار، ومرة بمعنى الجلابيب، وهو ما يوضح إبتعادهم عن المعنى الصحيح الذى يقصدونه،وهو غطاء الرأس، وهو ما يعنى أنهم يريدون إنزال الحكم بأى شكل لهوى وضعف نفسى عندهم،———————  وابتداء نعرف الحجاب فهو لغة: – 

«بمعنى الساتر أو الحائط  أو الحاجز وحجب الشىء أى ستره، والآيات القرآنية التي وردت فى القرآن الكريم عن الحجاب 4 آيات وهى  قوله تعالى فى سورة الإسراء آية 45 (واذا قراتَ القرءانَ جَعلناَ بينكَ وبينَ الذينَ لا يؤمنونَ بالاخرةِ حِجاباً مَستوراً )،——————– وسورة فصلت آية 5(وقالوا قُلوبنا في أكنةٍ مما تَدعونا اليهِ وفي اذَانِناَ وقر ومِن بيننا وبينكَ حجابً فاعمل اننا عاملونَ)   وفى سورة الشورى آية 51 (وما كانَ لبشرٍ أن يُكلمهُ اللهُ إلا وحياً أو مِن وراءِ حجابٍ أو يرسلَ رسولاً فَيوحِيَ بإذنهِ ما يَشَاءُ إنهُ عليٌ حَكيمً ) ص ق   ————— وهذه الآيات الثلاث توضح أن الحجاب هو ساتر أو حائط أو حاجز للرؤية الكلية  دون لبس أو تورية , ولا صلة لها بغطاء الرأس أو الشعر  مطلقاً     —– والآية الرابعة  تتعلق بزوجات النبى وحدهن، وتعنى وضع ساترأو سور أو حاجز  بينهن وبين الرجال من الصحابة، ولا خلاف بين كل الفقهاء والمشايخ فى ذلك المعنى  مطلقا، وهى الآية رقم 53 فى سورة الأحزاب تقول «ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتَ النبى إلا أن يؤذنَ لكم إلى طعامٍ غيرَ ناظرينَ إناهُ ولكن إذا دعُيتُم فادخلوا فإذا طَعِمتم فانتشروا ولا مستأنسينَ لحديثٍ إنَ ذَلكُم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحى من الحقِ وإذا سألتموهنَ متاعاً فسئلوهن من وراء حجابٍ ذلكم أطهرُ لقلوبكم وقلوبهنَ وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللهِ ولا أن تنكحوا أزواجهُ من بعدهِ أبداً إن ذلكُم كانَ عندَ اللهِ عظيمًا» 

وهذه الآية تتضمن هنا  ثلاثة أحكام: 

الحكم الأول : – عن تصرف الصحابة عندما يُدعون إلى الطعام عند النبى – ( ع ) – والثانى : – عن وضع حجاب أو ساترأو حاجز  بين زوجات النبى –  ( ع) – والصحابة، والثالث : –  عن عدم زواج المسلمين بزوجات النبى – ( ع ) – بعد وفاته، وبذلك نفهم من لفظ الحجاب الذى ورد أن القصد منه كان وضع ساتر بين زوجات النبى –  ( ع ) – وبين الرجال من الصحابة، ويفهم أيضا أن وضع الحجاب أو الساتر خاص بزوجات النبى –  ( ع ) – وحدهن فلا يمتد إلى ما ملكت يمينه «من الجوارى» ولا إلى بناته ولا إلى باقى المسلمات، وإلا كانت الآية نصت على ذلك وعممت على كل المؤمنات المسلمات. 

ثم نأتى لإستدلال البعض بآية الخمار على فرضية الحجاب أى «غطاء الرأس»————– التى وردت بالآية 31 من سورة النور والتي تقول: « وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”. » ص ق ،————- وسبب نزول هذه الآية أن النساء فى زمن النبى وما قبله كُنَ يَرتَدِينَ الأخمرة ويسدلنها من وراء الظهر، فيبقى النحر، أى أعلى الصدر والعنق وجزء من النهدين لا ساتر لهما، وفى رأى آخر أن الخمار عبارة عن عباية–، وهنا  طلبت الآية من المؤمنات إسدال الخمار على الجيوب( أى فتحة الصدر)، وعلة الحكم فى هذه الآية هى تعديل عرف كان قائما وقت نزولها، ولأن ظهورهن بصدر بارز عار هو صورةً يرفضها الإسلام، ومن ثم قصدت الآية تغطية الصدر دون أن تقصد وضع زى بعينه أو تنص على فرضية الحجاب أو غطاء الرأس والشعر فلم يكن وارداً وقتها، وكان الهدف والعلة من ذلك هو التمييز بين المسلمات وغير المسلمات  والحرائر والأماء اللاتى كن يكشفن عن صدورهن وكل الجوارى عند الصحابة كنَ غير محجبات ويخرجن بصدور عارية فلو كان حجاب الشعر أى غطاء الرأس فرض.—  

لوجب على الأماء والحرائر دون فرق لأن جميعهم نساء والفتنة قد تكون من الإماء أكثر من الحرائر لو كانت أكثر جمالاً 

خامساً-  إستدلال البعض بفرضية الحجاب  بآية الجلابيب من سورة الأحزاب رقم 59 والتى تقول: «يا أيُها النبىُ قُل لأزواجِكَ وبنَاتِكَ ونساءِ المؤمنينَ يُدنينَ عَليهنَ من جَلابيبهنَ ذلكَ أدنى أن يُعرفنَ فلا يُؤذينَ» ص ق، وسبب نزول هذه الآية أن عادة النساء وقت النزول كُنَ يكشفن وجوههن مثل الإماء «الجوارى» عند التبرز والتبول فى الخلاء لأنه لم تكن عندهم دورات مياه فى البيوت، وقد كان بعض الفجار – من الرجال – يتلصص النظر على النساء أثناء قضاء حاجتهن، وقد وصل الأمر إلى الرسول –  ( ص )  بعد قول عمر بن الخطاب لسودة زوجة النبى  لقد عرفناكِ بعد تبرزها وهو الحديث الذى ورد فى صحيح البخارى فى باب خروج النساء  للتبرز حيث قال حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ – وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ – فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ –- يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِىِّ – – لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ أَلاَ قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ   )- فنزلت فى اليوم التالى الآية59 من سورة الأحزاب لتصنع فارقا وتمييزا بين الحرائر والإماء «الجوارى» من المؤمنات حتى لا تتأذى الحرة العفيفة، وكان عمر بن الخطاب إذا رأى أمة «جارية» قد تقنعت أى تغطت أو دانت جلبابها عليها، ضربها بالدرة محافظا على زى الحرائر «ورد هذا عن ابن تيمية – فى كتاب  حجاب المرأة ولباسها فى الصلاة – وهو من تحقيق محمد ناصر الدين الألبانى – المكتب الإسلامى – ص 37». 

سادسا: –  إستنادهم إلى حديث منسوب للرسول –  ( ع ) – عن أبى داود عن عائشة أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على رسول الله – (ع)- فقال لها: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى فيها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه»، — والرد على من يستدل بهذا الحديث على فرضية الحجاب «غطاء الرأس» نقول إن هذا الحديث من أحاديث الآحاد أى ليس من الأحاديث المتواترة الصحيحة السند غير المنقطعة المجمع عليها،ولكنه حديث آحاد مقطوع السند، فلا يكون إلا للإسترشاد والإستئناس، لكنه  لا ينشئ ولا يلغى حكما شرعيا فكيف نجعله سندا لفرض إسلامى،والفرض الإسلامى هو أعلى درجات الإلزام الشرعية ويأتى بعده الواجب والمندوب والمستحب إلى أخره — والفرض لا يبنى على الظن أو التفسير الضمنى أو إستخلاص المعنى بجهد بشرى متأرجح ولكن يُبنى الفرض على الأدلة القطعية الثبوت الواضحة الدلالة — لذا نرى ونفتى بكل ثقة وإطمئنان كامل– بأن الحجاب ليس فريضة إسلامية، والقائل بفرضيته  يحتاج للمراجعة والمناظرة وحتى لا يسىء للإسلام دون قصد وهو يكذب على الله متعمداً ويتهم الفكر الإلهى بالسطحية ( حاشا لله ) لتوقفه عند خصلات شعر رغم أن العيون والخدود والشفايف أكثر فتنة وتأثيراً– سامحهم الله.

هذا وعلى الله قصد السبيل وإبتغاء رضاه.

الشيخ د مصطفى راشد عالم أزهرى  وأستاذ الشريعة  وسفير السلام العالمى للأمم المتحدة

ت م 61452227517 ت الكلية 61282838963 استراليا

E –  [email protected]

Print Friendly
This entry was posted in Hijab الحجاب, د. مصطفى راشد and tagged , . Bookmark the permalink.