مأساة مجيد طوبيا

 محمود الغيطاني   محمود الغيطاني   

لا أنكر أني في الوقت الذي اتفقت فيه مع الروائي الصديق فتحي سليمان على تناول الغداء معه في بيت الروائي القدير مجيد طوبيا كنت سعيدا أيما سعادة؛ لأني سأكون في حضرة هذا الروائي الفريد الذي قرأت له منذ فترة شبابي وتكويني الأولى مجموعته القصصية الفريد- من وجهة نظري- “غرفة المصادفة الأرضية”، وروايته البديعة التي لا يمكن لي نسيان تفاصيلها حتى اليوم “الهؤلاء”، هذان العملان الفريدان اللذان جعلاني مفتونا به؛ حتى أني حاولت الاستزادة من هذا العالم الروائي البديع، ومن ثم بدأت أبحث عن باقي أعماله لأصل في النهاية إلى عمله الأجمل والأطول “تغريبة بني حتحوت”، هذا العمل الذي استقى فيه تاريخ مصر بشكل يُقارب ألف ليلة وليلة، منذ فترة المماليك.

ربما كانت سعادتي لأني سأقابل هذا الرجل قد جعلتني أنتظر اليوم الذي اتفقنا فيه على هذا اللقاء، حتى أني كنت أحاول إعداد نفسي إعدادا جيدا؛ يليق بلقاء روائي في قامته، تخيلت الحوارات التي سنتناقش فيها، وما سيدور بيننا، رأيتني أحاول أن أهديه رواية من رواياتي؛ كي يقرأني رجل في قامته، تخيلت الكثير من الأمور في حضرة هذ الروائي البهي بالنسبة لي، والذي كنت أظن حتى فترة قريبة أنه قد توفاه الله، ولم يعد له مكان بيننا على هذه الأرض؛ بسبب انقطاعه عن الآخرين، وعدم وجود أي أخبار، أو حديث عنه منذ سنوات طوال، حتى سألت الروائي نعيم صبري ذات يوم عنه، فأكد لي أنه لم يزل على قيد الحياة.

لا أنكر مدى الحزن الذي يخيم علي في مثل هذه اللحظات حينما أعرف أن أحد هؤلاء القامات التي لعبت دورا كبيرا، وخطيرا في تشكيل هويتنا وثقافتنا الفكرية والإبداعية يقع هكذا في طيات النسيان، حتى أن الجميع يظنونه قد مات، وأظل متأملا ما يدور حولنا من عبث وقسوة، وزيف، حتى أني أحيانا أظن نفسي قد اخترت الطريق الخاطئ حينما قررت يوما أن أكون في هذا العالم المُسمى بالعالم الثقافي الذي يتميز بكل هذه القسوة، والزيف.

حينما وصلت إلى بيته الكائن في شارع متفرع من ميدان “تريمف” في مصر الجديدة رحب بي فتحي سليمان ليقدمني إلى الروائي البديع الذي أسرعت مصافحا إياه بينما هو جالس على كرسيه أمام تلفازه، رحب بي الرجل بفتور أرجعته إلى تقدم العمر به، وعدم معرفته السابقة بي، جلست على المقعد المجاور لأحاول تجاذب أطراف الحديث معه، مخبرا إياه أني أحب له روايته البديعة “الهؤلاء”، هنا ارتسمت ابتسامة جميلة على وجهه ليقول لي ببطء وطفولية لم أكن أظنها فيه: “وأنا أيضا أحب هذه الرواية كثيرا”، حينما أخبرته أن “غرفة المصادفة الأرضية” من المجموعات القصصية المتميزة له، وأني أراها أهم وأقوى من مجموعته “خمس جرائد لم تُقرأ”، انزعج الرجل وبدت عليه آيات الطفولة الحقيقية، وتصرف كطفل حقيقي منزعج ليقول غاضبا: “لا، خمس جرائد جميلة مثل غرفة المصادفة، أنا أحب الاثنين“.

هنا بدأت أفكر في كيفية التعامل معه من خلال ما لاحظته في هذه الدقائق القليلة، يبدو أن تقدم العمر بالرجل قد ترك الكثير من الآثار عليه حتى أنه قد بات كالأطفال تماما، وفي حاجة إلى معاملة خاصة كي نستطيع التواصل مع بعضنا البعض، تذكرت في هذه الآونة ابنتي “ليليت” وكيفية التعامل معها برفق وحنو كما تبتغي هي، وهنا قررت أن أتعامل معه بهذه الطريقة، أخبرته برغبتي أن نجري حوارا فرحب بالأمر، لكنه سرعان ما قال: “ليس الآن، أنا أريد أن أنام”، تأملته مندهشا لأنتقل ببصري إلى فتحي سليمان كي ينقذني من هذا المأزق الذي أشار لي بعينيه أن أهون من الأمر، ثم سارعه بالقول: “محمود جاب لك مشروب هدية وهو جاي يا مجيد، هيعجبك أوي”، هنا نظر لي الرجل مبتهجا بامتنان ليسأله عن المشروب، حينما جاءه فتحي بالزجاجة قال لي الرجل: “نشرب مع بعضنا ونجري الحوار، ولكن بسرعة”، أكدت له أني لن أزعجه كثيرا؛ فوافق على الأمر.

مجيد طوبيا . اديب  روائي

مجيد طوبيا

سألته عن عدم إقباله على إخراج الأفلام السينمائية رغم أنه كتب أربعة سيناريوهات تم تنفيذها إلى أفلام، فضلا عن أنه كان يمتلك شركة للإنتاج السينمائي، ودرس فن الإخراج فقال لي بينما الكلمات تخرج من فمه طفولية بطيئة متقطعة: “الإخراج له ناس، وأنا فضلت أن أكون مؤلفا، وأنا درست السينما، وخريج معهد السينما، لكني أحببت أن أكون مؤلفا”، وهنا سكت الرجل تماما، حاولت أن أمد معه الحديث في هذا الأمر إلا أنه لم يكن لديه المزيد بعدما شرد مني، وكأني لست موجودا معه، حاولت استعادة انتباه الرجل مرة أخرى، وأؤكد له أنه ليس وحيدا، وهناك من يشاركه الجلسة، فسألته عن روايته “الهؤلاء” وهل كان يقصد بها فترة القمع السياسي أيام عبد الناصر، فرد عليّ سريعا وبحدة قوية: “قطعا، أيوة، أيوة، والغريب إنه كان عارف كدا، والله العظيم كان عارف كدا، وقال محدش يكلم مجيد، محدش يؤذي مجيد، وحياة ربنا، والله، هو كان عارف كدا، بس كان بيحبني، تخيل لما تهاجم واحد، وهو يحبك، الله يرحمه”، وظل يردد الكلمة الأخيرة كثيرا بينما صوته قد تهدج وتقطع فجأة ليبدو لي طفلا حقيقيا، وقد تغيرت نبرة صوته بينما يبكي وقد هطلت دموعه فجأة؛ الأمر الذي جعلني غير قادر على التعامل معه، نتيجة لهذه التغيرات السيكولوجية المفاجئة التي تنتاب الرجل من القوة، إلى الضعف الشديد، إلى الطفولية، إلى البكاء، حاولت أن أتلمس خطواتي بروية، ومحاولة تجنب الأسئلة التي من الممكن أن تفجر فيه عاصفة من البكاء، بدأت أتهيب الموقف، وأشعر بالكثير من المشاعر المتباينة، يا إلهي، هل من الممكن أن يصل بنا الحال إلى هذه الدرجة حينما يتقدم بنا العمر، أعتقد أن كل ما أرجوه من الله الآن ألا يصل بي العمر إلى هذه الدرجة، وأن أفارق الدنيا وأنا ما زلت قادرا على التمييز بين الأمور، وألا تنتابني مثل هذه الحالات المتباينة ما بين التركيز القوي، والطفولية الشديدة، والشرود الذي يجعلني منفصلا تماما عمن يجلس معي.

حاولت معرفة هل كانت رواية 1984 للروائي الإنجليزي جورج أورويل في ذهنه حينما كتب روايته البديعة “الهؤلاء”، بينما ينتابني الكثير من الخوف من ردة فعله على هذا السؤال؛ فانفجر فجأة في وجهي بغضب وطفولية ليقول: “لأ مفيش تشابه”، وسرعان ما تهدج صوته ليقول: “إنت كداب، ولا كنت سمعت عنه”، ثم سرعان ما انفصل عني لينظر من خلال نافذته على الشجرة المظللة لها قائلا: “والشجرة دي بتصلي لربنا”، فحاولت استمالته والتأكيد معه على أن الشجرة بالفعل تصلي لله؛ كي يهدأ، فسرعان ما هدأ، وهنا سارعت بسؤاله لماذا هو بعيد عن الوسط الثقافي، فقال بهدوء وسكينة: “عشان بحب ربنا”، ثم أشار بيده من خلال النافذة المجاورة قائلا: “بحب الشجرة دي، عشان بتصلي لربنا“.

هنا أدركت أن الحوار مع مجيد طوبيا هو مجرد حوار عبثي، وأن الرجل قد وصلت به حالته النفسية والسيكولوجية إلى درجة من الصعب التواصل معه إلا من خلال منطقه هو الذي يراه، ولا نعرفه نحن، ومن ثم قررت أن ألقي عليه الأسئلة سواء أدركها وأجاب عنها أم لا، فالمهم هو أن أعرف المزيد عن الرجل، وليذهب الحوار الذي أردت أن أجريه معه إلى الجحيم، هنا شعرت شعورا غريبا أني أتميز بقسوة متناهية مثلي في ذلك مثل الآخرين، بدأت أشعر بالاستياء من ذاتي، هل من أجل حوار جديد مع أحد الروائيين، ومن أجل إنجاز جديد، ومن أجل أن يُضاف إليّ شيئا يقول عنه الناس أني فعلته قد أتميز بكل هذه القسوة على رجل له الكثير من الفضل علينا، ووصلت حالته النفسية إلى هذه الدرجة؟ لا أنكر حينها أني رأيت نفسي كقاتل، أو شخصا خال تماما من المشاعر من أجل أن يكون له سبق صحفي؛ ولذلك قررت ألا أجري هذا الحوار وليكن الأمر بيننا مجرد دردشة؛ كي أعرف عنه المزيد، في هذه اللحظة بعينها قررت ألا أنشر حوارا مع طوبيا، وأن أكتب عن الرجل الذي وصل به الحال إلى هذه الدرجة البائسة، كي يعرف بحاله الآخرون ويحاولون مجرد التواصل معه بزيارته بدلا من هذه الوحدة القاتلة التي يعانيها.

بادرته بالحديث كصديق: “يا عم مجيد هناك من لم يكتب مثلك ولا في مكانتك ولكن الجميع يعرفه، بينما أنت تجهلك الأجيال الحالية، كيف تفسر هذا الوضع؟”، رد بهدوء: “والله اسألهم هم بقى، بس أنا معروف وحبايبي الصغيرين بيحبوني”، ثم سرعان ما تهدج صوته؛ فقلت له: “كلنا بنحب كتابتك يا عم مجيد”، وهنا تغيرت نبرة صوته وبدأ بالحديث الباكي: “والشجرة دي كمان بتحبني”، فعدت إلى التأكيد له أننا جميعا نحبه بالفعل كي يهدأ.

حاولت سؤاله عن حالة الإبداع المصري وهل يراه متطورا، فنظر لي فترة متفكرا ليقول: “طبعا سيظل الإبداع المصري متطورا، وموجودا ما دام ربنا موجود، إنت بتكره ربنا يعني ولا إيه؟”، فأكدت له مهدئا أني أحب الله جدا وهنا عاد إلى هدوئه، حاولت الخروج به من هذه الحالة فحادثته عن السينما متسائلا عن كسله في تقديم سيناريوهات للسينما، حتى أنه لم يقدم سوى أربعة فقط فأكد لي أنه كان في حالة انشغال دائمة، وأنه كان كثير السفر، كما أن حبه للإيطالية “كونشيتا” شغله عن الكثير من الأمور، وهي المترجمة التي ترجمت له “تغريبة بني حتحوت”، كما ترجمت لإبراهيم أصلان “مالك الحزين”، وللروائي صبري موسى “فساد الأمكنة”، وعاد على التأكيد بحبه لها قائلا: “حبيبتي كونشيتا”، وأخبرني وقد أطلق ضحكة عالية صافية كالأطفال أن أحمد هاشم الشريف كان يشعر اتجاهه بالغيرة الكبيرة بسبب علاقة الحب التي تربطه بها، وأنه كان محبا للسفر جدا، وهذا ما شغله عن الكثير من الأمور، كما كان عبد الناصر في هذا الوقت يمنع الجميع من الخروج من مصر، لكنه كان يسافر بمجرد أن تظهر أمامه أي فرصه للسفر “بالعند” في عبد الناصر؛ لأن السفر هو ممارسة حق طبيعي للإنسان، ثم أنهى حديثه بطلب الرحمة لعبد الناصر.

تحدثنا في روايته الأطول “تغريبة بني حتحوت” وكيف أنها الرواية الأطول، وهل كان في ذهنه أن تكون ثلاثية فأكد لي بثقة أنه لم يكن في ذهنه هذا الأمر، ثم سرعان ما عاد لطفولته وتهدج صوته الأقرب إلى البكاء قائلا: “مكنش ممكن تتكتب غير كدا يا أخوانا، حرام عليكم، أنا بحب مصر، أنا بحب مصر”، فحاولت تهدئته مرة أخرى بالتأكيد له أننا جميعا نحب مصر، ونحبه هو أيضا، فقال ملتفتا للخارج: “والشجرة دي بتحب مصر“.

سألته عن عزلته التي يعيشها فقال: “هي مش عزلة، أنا بحب أقعد مع نفسي”، ثم لم يلبث أن عاد طفوليا ليقول: “وبحب ربنا الصراحة بقى”، فقلت له ولكن الناس تحبك وتريدك أن تخرج كي يرونك، فقال: وأنا بحبهم، وسأخرج لهم إن شاء الله”، ثم سرعان ما قال لي “الشجرة دي إنت متعرفهاش، بتصلي لربنا، بص لها كويس هتلاقيها بتصلي لربنا“.

حينما تطرق الحديث عن علاقته بنجيب محفوظ، أكد أنها كانت علاقة طيبة، ولكن العلاقة الحقيقية كانت بينه وبين توفيق الحكيم، حتى أن توفيق كان يترك خبرا دائما في استقبال جريدة الأهرام بأنه إذا ما حضر مجيد فعليهم أن يسمحوا له بالصعود فورا، وأكد أنه لم يحاول في يوم من الأيام الدخول في أي معارك جانبية؛ ولذلك فلقد كان مأمون الجانب، وهنا حاولت سؤاله عن يوسف السباعي وكيف أن البعض له رأي في كتابته بأنه مجرد أديب متوسط القيمة، ويبدو أني لم أحاول تلمس خطواتي جيدا في هذا السؤال؛ إذ انتبه لي فجأة ليسألني عن معنى سؤالي أنه متوسط القيمة، ومن هذا الذي يقول هذا الكلام، مؤكدا بانفعال أن كل من يقل هذا الكلام ليس إلا كاذبا، وأن الناس شريرة فيما تذهب إليه.

تحدثت كثيرا مع مجيد طوبيا وفي العديد من الأمور في حياته، وتاريخه، كنت ألحظ أنه يكون منتبها تمام الانتباه أحيانا، لكنه سرعان ما يذهب إلى عالم آخر يخصه وحده في أحيان أخرى، حتى أنه التفت إليّ فجأة ذات مرة ليسألني: “إنت قاعد بتعمل إيه؟”، وحينما أكدت عليه أني أجلس معه وجئت لزيارته، قال لي بفتور: “طيب يلا قوم امشي، كفاية كدا”، فوافقته ليهدأ ولكن سرعان ما عاد بيننا الحديث مرة أخرى، ليحدثني عن “رضا” وهي القطة التي أخبرني أن هناك علاقة حب وطيدة وقوية تربطهما، وأكد على فتحي سليمان أن يضع لها طعاما كي تأكل، وتهدج صوته بالبكاء بينما تساقطت دموعه، لأنه يظنها جائعة، وحينما رآها تأكل انطلقت منه ضحكات طفولية رنانة وكأنني قلت له مزحة أعجبته، ليطلب مني أن أتأملها بينما تأكل سعيدة ويقول لي “أنا بحبها أوي، وهي كمان بتحبني“.

طالت الجلسة مع مجيد طوبيا إلى ما يقرب من الثلاث ساعات، وأظن أني لم أكن أريد لها أن تنتهي؛ لأظل إلى جانبه، كارها أن أعود مرة أخرى إلى الحياة خارج هذا المكان الذي يضمنا؛ فهنا لا يوجد سوى الصدق، بعيدا عن أي لون من ألوان الصراعات، والكذب، والقتل، والخراب، والتجمل، هنا يكمن رجل قدم الكثير جدا للإبداع المصري، والسينما المصرية، ولكن الجميع تجاهلونه في النهاية منشغلين بقضاياهم الصغيرة التافهة، وظنوا أنه قد توفاه الله، بينما انشغل هو في شجرته التي تصلي لله متابعا إياها، وقطته التي يربطه بها علاقة حب جميلة.

خرجت من عند مجيد طوبيا لأطرح على فتحي سليمان سؤالي الذي ظل يتردد داخلي لعدة أيام، هل سيصل بنا الحال مع تقدم العمر بنا إلى هذه الدرجة من التجاهل، والتناسي، والإهمال، فضلا عن الانفصال الذهني والسيكولوجي الحقيقي عن كل ما يحيطنا، كي نحيا داخل عالم آخر لا يخص أحد سوانا؟!

اللهم أمتنا في عزنا.

Print Friendly
This entry was posted in محمود الغيطاني and tagged , , , , . Bookmark the permalink.