عن الوعي القومي والهوية المصرية في أفكار أحمد لطفي السيد

محمود فرحات  محمود فرحات

جلست في مكتبي كعادتي كل ليله استمتع بسماع قليل من الموسيقا الهادئة واتصفح بعضاً من اوراق أحد كتبي التي قرأتها مرارا والتي كلما قرأت فيها اكتشفت مالم اجده في المرة التي تسبقها وليله امس التقطت احد الكتب عن استاذنا الكبير أحمد لطفي السيد وسيرته وافكارة عن الوعي القومي والهوية المصرية.. قرأت ما دونته الصفحات وكأني أقرأها لاول مرة وفكرت ان انقل لكم بعض مما قرأت من تلك الافكار التي نحن بحاجه ماسة لاحيائها لعلنا نستطيع ان نعيد بعضاً من مجد الماضي

 فقد كان الوطن في وجهة نظر استاذنا احمد لطفي السيد هو (مركز المصلحة بين اناس متضامنين يشعرون دائما بحاجتهم الملحة للتعاون في دفع الضار او جلب النافع) ويقول ايضاً: (ان شخصية الامة هى الاساس الاول لرقي كل امه يؤمن رأيها العام بضرورة استقلال شخصيتها عن غيرها من الأمم.. فكلما زاد الوعي القومي كانت الخطى نحو التقدم أكثر ثباتاً) وعن خطورة ضعف الانتماء الوطني يضيف قالاً: (رحم الله جمال الدين الافغاني لازمته في الاستانه شهرا وكلما جاء الكلام عن مصر قال “ما رأيت قوما اقل استمساكا بشخصيتهم القومية من المصريين فألا تعتصموا بشخصيتكم المصرية وتتعصبوا لجنسكم المصري فلا بقاء لكم، ولا حظ لكم” ) وصدق فلازال منا من ينتسب للعرب وكأنما انتسابة لمصر او لاجداده المصريين القدماء سيسبب له نقص او عيب او خروج عن الملة ولا يزال بعضنا يتفشخر بانتسابه لاجدادة الاتراك او الجركس ولا زال منا الكثير يعرف نفسة على انه مسلم او مسيحي ثم مصري فتأتي الرابطة الدينية سابقة للرابطة الوطنية

 ويري استاذنا احمد لطفي السيد ان اساس الانتماء القومي لا يقوم على وحده الدين أواللغة وانما على الارض ويقول : (علينا جميعا ان نعمل من اجل مصر ومن اجل تقوية الشخصية المصرية على اي شخصية اخرى سواء عربي او عثماني.. عليكم انفسكم جودوا على بلادكم بالمال فأصلحوا من شأنها )

 استخدم احمد لطفي السيد مصطلحات الوطن والامة والجنسية والقومية كمترادفات لا فرق بينها وذلك للتعبير عن القومية المصرية شأنه في ذلك شأن معظم الموسوعات الاوروبية من جهة وشأن كل قادة الفكر من المستنيرين العرب من اخرى

وتأثر بمذهب المنفعة العامة كركيزة عملية من اهم ركائز القومية.. ورفض كل اشكال الوحده القائمة على فكرة العروبة او الدين واكد على ان استقلال الامة المصري يبدأ من استقلالها كأمة متمايزة عن امم المنطقة

ويقيم لطفي السيد القومية على ثلاث ركائز وهى:

اولا: المنفعة العامة

اي عمل المواطنين من اجل ذلك الوطن دون تعصب ديني او عرقي او انتماء آخر الا لذلك الوطن وفي ذلك يقول استاذ الجيل: (لذلك نحن نبني عملا لبلادنا على قاعدة المنفعة من غير ان يكون لمختلف المعتقدات والاجناس اثر كبير او صغير في السياسة المصرية العامة وان كل مصري اعتاد ان يرى المستقبل بعينية يود من صميم قلبة ان يصبح كل ما على الارض المصريه من الاجانب واصحاب الامتيازات مصريين متساويين في الحقوق والواجبات

ثانيا: مصر للمصريين أحمد لطفي السيد

اي ان مصر لا يجب ان تكون لغير المصريين مهما تعددت اديانهم او طوائفهم او مللهم فالجنسية المصرية ليست رخصة امان مؤقت لكل من تلفظهم بلادهم او يلفظونها هم ولذلك نجده يقول: (اقمنا في مصر وطننا لنا وعقدنا معها عقد صدق ترزقنا من خيرها ونقوم على مصالحها، ونفدي شرفها بأرواحنا، فما النذر اليسير الذي لا يزال يحب الانتساب الى قوم غير اجداده المصريين الا ناكث عهده ومتاجر بشرفه اذ من القواعد الاولية للعيشه الانسانية ان الغرم بالغنم ، فالذي يعيش في مصر يجب يجب ان يدفع ثمن هذه العيشة الراضية محبة لها وحنان عليها.. قوميتنا أولها ان نكرم انفسنا ونكرم وطننا فلا ننتسب لوطن غيره ونخصه وحده بكل خيرنا وكل منافعنا ، ونحيطه وحده بكل غيرتنا ، فما هو اصغر من ان نصبح من اعلى الممالك ، ولا أجدب من أن يصير من أغنى البقاع ، فالذي يفرط في شرف مصر ويقول في المجالس انه منتسب لغيرها ويؤخر بمقدار مركزة من الجمعية المصرية سير التقدم المصري المطلوب يكون بذلك جانيا على بلاده جانيا على نفسة)

ثالثا: الوحدة الوطنية

من اهم الركائز القومية عند أحمد لطفي السيد هو ائتلاف عنصري الامة المصرية فلا فرق في فكرة الوطنية بين الاغلبية والاقلية وفي ذلك يقول: (ان الدين ليس هو الاساس الذي تقوم علية الاكثرية والاقلية ولكن المذاهب السياسية .. والامة كائن سياسي يتألف من عناصر سياسية فأي مذهب من المذاهب السياسية اعتنقة افراد اكثر عددا واثر كان اكثرية وكان الاخر اقلية ، وعلى هذا يمكن فهم الاكثرية والاقلية في كل أمه، وليس للدين دخل في ذلك)

فالتعصب ليس من سمات الشخصية المصرية التي قبلت الاخر وفتحت ارضها للتعدد والذي كان سبب بقائها على مدار السنين، واي اختلال في تلك المنظومة التعددية له اثارة السلبية والتي تؤدي بالضرورة لتفكك تلك الامة المصرية الخالده بل والقضاء عليها ويقول في ذلك استاذنا لطفي السيد: (على المنفعة تكونت الامم وانقسمت الاوطان فهل من يقول هناك قبطيا يفضل منفعة الجنسية على منفعة مصر؟؟ اي على منفعته هو؟؟ وهل من يقول بأن مسلما مصريا يفضل منفعة دولة الخلافة على منفعة مصر؟؟ اي على منفعة هو؟؟ لقد نزلت الاديان لمنفعة الناس فلا يحل لنا ان نجعلها تناقض هذه المنفعة، بل يجب علينا ان نوفق بينهم ما استطعنا الى ذلك سبيلاوانا اذا اردنا لمستطيعون)

ان الامم يجب ان تتمسك بجدورها وان تستلهم من ماضيها وتنتقي من حضارات غيرها ما يعينها على الرقي والتقدم لذلك نجدة يقول: (لا شبهه بشخصية مصر كأمة متمايزة عما عداها من الامم فأن لنا لون واحد وميول خاصة ولغة او لهجه واحده متمايزة وجميعنا لنا نفس الطريقة في تأدية اعمالنا ووطننا له حدود تكاد تكون عازلة لارضه عن غيره من الامم الاخرى المحيطة به ولنا تاريخ طويل قديم ذو مراتب متسلسله اولها قبل التاريخ واخرها عصرنا الحاضر فمصر الفرعونية والمسيحية والاسلامية والمعاصرة ما هى الا انفسنا وما ورثناه وما اكتسبناه، فكلنا من أقدم العصور ابناء مصرسعادتها سعادتنا وشقاوتها شقاوتنا لاننا جميعا مصريين)

ويؤكد على ذلك استاذ الجيل قائلا: (ان مصر لا تتجزأ في عيوننا وفي ضميرنا وفي قلوبنا أن مصر في احساسي هي مصر الفرعونية ومصر القبطية مصر الاسلامية ومصر الحاضرة على السواء ، لا نستطيع ان نتخلى عن يوم واحد من ايامها عن لمحة من تاريخها)

وأحمد لطفي السيد هو مفكر وفيلسوف مصري.. وصف بأنه رائد من رواد حركة النهضة والتنوير في مصر.. أطلق عليه لقب أستاذ الجيل وأبو الليبرالية المصرية.. عمل استاذنا أحمد لطفي السيد وزيرا للمعارف ثم وزيرا للخارجية ثم نائبا لرئيس الوزراء في وزارة إسماعيل صدقي وكذلك نائبا في مجلس الشيوخ المصري ورئيسا لمجمع اللغة العربية.. كما عمل رئيسا لدار الكتب المصرية ومديرا للجامعة المصرية والتي كان وراء حملة التبرعات الخاصة بإنشائها عام 1908 وهى نفسها الجامعة التي تحولت بعد 20 عام إلى جامعة حكومية تحت اسم جامعة فؤاد الأول ثم جامعة القاهرة الان.. وحسب كتاب (أعلام مجمع اللغة العربية) لمحمد الحسيني ففي أثناء عمل لطفي السيد كرئيس للمجمع عرض عليه الضباط الأحرار في عام 1952 أن يصبح رئيسا للجمهورية المصريه لكنه رفض.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Figures أعلام العلمانية, محمود فرحات and tagged , , , . Bookmark the permalink.