تأملات مصرية فى عاصفة الحزم العربية

عبد الجواد سيد عبد الجواد  عبد الجواد

أثارت عاصفة الحزم العربية، التى هبت وإنقشعت فجأة – نتيجة لضغط أمريكى ربما يعود بدوه إلى ضغط روسى – كثير من المواقف السياسية فى الشارع المصرى، مواقف شكلت فى مجموعها النهائى، نوع من الكوميديا السياسية السوداء، والتى ربما لم يشهد لها التاريخ مثيل من قبل، ففى الوقت الذىكانت فيه الدولة المصرية وقيادتها – المنتخبة بتأييد شعبى كاسح – تحارب إيران، كان الشعب المصرى بمعظم توجهاته السياسية يحارب السعودية،وبنفس الوقت الذى شكلت فيه أحداث العاصفة تلك الكوميديا السوداء، فقد كشفت أيضاً عن المكونات السياسية الحقيقية للشعب المصرى،أو قل فضحت تلك المكونات، ثلاث أصوليات دينية، أصولية سياسية يسارية، وطبقة مثقفين، ومؤسسة عسكرية حاكمة، تشكل معاً القوى السياسية الفاعلة الوحيدة فى المجتمع المصرى، والتى ومن خلال شرح مواقفها تجاه الصراع السعودى الإيرانى الأخير يمكن أن نستنتج أيضاً مستقبل الحياة السياسية المصرية نفسهافى المدى القريب!!!

ولنبدأ بأهمهم وأقواهم وهى الأصولية الإخوانية، وبالطبع فلم يكن لدى هذه الأصولية أى إعتراض على العاصفة، ولكن بشرط أن تكون هى قائدها، أو تكون على الأقل ضمن مكوناتها الرئيسية، هى وخليفتها أردوغان، فقد كان من شأن هذا أن يسهل لها ظروف التصالح مع النظام القائم فى مصر، وأن يحقق لها أفضل شروط فى هذا التصالح، وأن يعيدها إلى صدارة المشهد السياسى مرة أخرى، كماكان من شأن هذا أن يضفى على الشرق الأوسط كله روح الصراعات الدينية المدمرة الجميلة، وتاريخ الحروب العثمانية الصفوية الدموى الطويل ،المناخ الطبيعيى الذي تجيد العيش والإزدهار فيه، ولكن طالما تم إستبعادها من المشهد، هى وخليفتها أردوغان، فإن الموقف المعلن مؤقتاً هو الإمتناع عن التصويت، وذلك على أمل أن تعيد السعودية مراجعة مواقفها، فتعود إلى صدارة المشهد مرة أخرى، لتعلن عن التصويت بنعم وبكل قوة!!!

أما الأصولية السلفية فلاشك أنها الأصولية الوحيدة التى صوتت بنعم على طول الخط، نعم للسعودية، الوطن الحقيقى لها، وليس نعم من أجل أمن ومصالح مصر، ونعم لروح الصراعات الدينية المدمرة الجميلة، المناخ الطبيعى الذى تجيد الإزدهار والعيش فيه بدورها، حيث يمكنها تصدر المشهد الثقافى المصرى مرة أخرى، والذى يكاد أن ينتزع منها، وقيادة الجهاد المقدس ضد العدو الشيعى، بما يترتب على ذلك من مزيد من المكاسب والنفوذ فى المجتمع الحائر المتشرزم

أما الأصولية القبطية فقد قررت بوضوح ومنذ البداية، أنها لاتحارب مع آل سعود الوهابيين، أعدائها التاريخيين ،أحفاد العرب الغزاة، وأنها تفضل عنهم الشيخ آية الله الخمينى، الليبرالى نصير الأقليات، كما فضلت الفاطميين الشيعة تاريخيا على الأتراك السنة، وهى وأن كانت تغلف ذلك بعبارات الوطنية المعروفة من خوف على مصر والمصريين من الغرق فى مستنقع اليمن وعلى كرامة مصر التى يشتريها آل سعود بالمال، والإستخفاف بقضايا الأمن القومى على أساس أن للبحر الأحمر إله يحميه إسمه الإتفاقيات الدولية المزعومة، فإن الدافع الدينى الأصولى يظل هو الدافع الحقيقى فى صياغة ذلك الموقف السياسى الذى يضعها – ودون أنتدرى – فى خندق واحد مع الأصولية اليسارية، خصم الأمس، حليف الإسلاميين فى ثورة يناير!!!

أما الأصولية اليسارية، الناصريون والإشتراكيون، فلم تذهب مبرراتها بعيداً عن مبررات الأصولية القبطية، فهى لاتحارب مع آل سعود حلفاء الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل، وتفضل عنهم الشيخ آية الله الخمينى عدو الإستعمار ونصير العمال، وهى – مثلها مثل الأصولية القبطية – وإن كانت تغلف ذلك بعبارات الوطنية العربية والخوف على الشعب اليمنى من الدمار وعلى انهيار حلم الوحدة العربية مع الإستخفاف بدواعى الأمن القومى المزعومة، فإن دافعها الأيدولوجى الذى عفى عليه الزمن يظل هو الدافع الحقيقى فى صياغة ذلك الموقف السياسى!!!

فإذا إنتقلنا إلى طبقة المثقفين، القوى الضاربة فى المجتمع المصرى، والمنهمكة فى صراع حياة أوموت مع الأصولية الإسلامية، الإخوانية السلفية، نجد أن قطاع كبيرمنها قد إنحاز بدوره إلى آية الله الخمينى على حساب آل سعود، وذلك على أساس أن السعوديين الوهابيين هم أحفاد العرب الغزاة من جهة، كماأنهم هم الذين يدعمون خصمهم الأصولى السنى الحالى وليس آية الله الخمينى الشيعى البعيد من جهة أخرى، مرتكبة بذلك خطأ فادح ،وذلك فى تجاهلها لحقيقة أن الأصولية فى النهاية كلها واحد، وانه عند ساعة الحسم لن يكون هناك فرق كبير بين الشيخ عبدالوهاب والشيخ آية الله الخمينى، بل أن الطامة قد تكون كبيرة عندما ندرك ان الخمينى الذى يتحرك بسلاح وجيوش، هو أكثر رعبأ من عبدالوهاب الذى يتحرك بمجرد دولارات وأحاديث!!!

فإذا ما إنتقلنا أخيراُ إلى المؤسسة العسكرية الحاكمة، فسوف لايسعنا سوى أن نعترف وبكل أمانة، أنها هى القوة السياسية الوحيدة فى المجتمع المصرى، وبرغم كل رجعيتها الفكرية وفسادها الإدارى، التى تتحرك – بوعى وحكمة – إنطلاقاً من مبدأ الحرص على مصالح وأمن الدولة المصرية، بعيداً عن أى دوافع طائفية أو أيدولوجية، وكأن مصر قد كتب الله عليها – ولفترة طويلة قادمة – أن لا تنجب سياسيين ورجال دول إلا من داخل المؤسسة العسكرية، مع ما ينطوى عليه ذلك من سلبيات!!!

هذا هو المشهد المصرى الذى إلتقطته لنا -وبالمصادفة – عدسات عملية عاصفة الحزم العربية، فإذا صح التصوير، تبقى الحقيقة المؤلمة هى أن مصر المدنية الحديثة مازلت بعيدة، وأنه لايمكن تحقيق ذلك قبل تفكيك الأصوليات الدينية والسياسية المتراكمة على أرضها أولاً، وذلك حتى تنشأ أجيال جديدة متحررة من ميراث هذه الأصوليات العفن، يمكنها أن تنزل إلى ساحة العمل السياسى وأن تتولى القيادة من المؤسسة العسكرية، وتبدأ رحلة بناء وطن راقى ينتمى إلى عالم اليوم الراقى!!!

جاكرتا 24/4/2015م

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , , , . Bookmark the permalink.