في حضرة نوال السعداوي

 محمد هشام  محمد هشام

“إن حريتي لا أستمدها من خلايا ضعيفة من خلايا جسدي، وإن قيودي لا تنبع من خوفٍ على عذرية واهية تمزقها خبطة عشوائية وتوصلها غرز العلم، قيودي أضعها بنفسي حين أريد القيود، وحريتي أمارسها بإرادتي كما أفهم الحرية”.

 “سأخوض المعركة وسأحتمي في نفسي.. في ذاتي.. في قوتي.. في علمي.. في نجاحي”.

 “إن إرداتي هي التي تحكمني وليس المكان أو الزمان أو الناس”.

 عن هذه المرأة الحُرة التي تقول في ساعات ما يخاف أن يقوله المثقفون والمفكرون طيلة أعمارِهِم! هذه المفكرة التي تزاوج في سطورٍها بين قضايا عِدة يخاف أن يخوض غمارها هؤلاء التنويريون الذين يتشدقون بالحرية ويصدعون رؤوسنا برغبتهم في كسر الحواجز والتابوهات، هذه السيدة الشُجاعة الجريئة التي ما أن تتحدث في أحاديثها التليفزيونية –القليلة نوعاً ما بسبب موقفها من الإعلام- فتطلق للسانها العنان فتنتقد السُلطة بممثليها بحُكامِها بإعلامييها وتتحدث فيما تريد أن تتحدث عنه دون خوفٍ أو مواربةٍ أو تملقٍ أو لجوءٍ لحيل الرمز أو الإسقاط؛ فهي تقول ما تريد في الوقت الذي تريد وبالطريقة التي تريد دون أن تعبأ بمن ينتقدها ومن يتفق معها، فالأهم وأن ترضي ضميرها، المهم وأن تبتعد عن الزيف وتزوير الحقائق وإثباتات العلم حتي ولو لم تتوافق مع أعراف المجتمع وتقاليده وموروثاته، فمرارة الحقيقة ونقد المألوف لديها ألذ وأطعم من ذُل الصمت والاتفاق مع المجموع، تفضل عَلقَم الاتساق مع المبادئ والذات علي حلاوة إرضاء الآخرين والسير في ركبِهِم؛ ولذا فلا يمكن أن تستمر في الكتابة بأية جريدة اللهم إلا فترة قليلة حتي تُطْرَد منها وتذهب إلي أخري وتلاقي فيها مثل ما لاقته في سابقتها وهكذا دواليك لأنها لا تخضع لأية سياسة تحريرية، يخافها الإعلاميون؛ لأنهم يتوقعون منها أن تقول أي شئ ولا يمكن توقع ردود أفعالها، يخافُها الرؤساء والحُكام والوزراء والأطباء لأن لسانُها لا يُلْجَم وألسنة النقد اللاذعة قد وخزت من قام بمواجهتها في صدرِه.

 أسمعتم عن مفكرٍ أو تنويريّ تحدث في خمسين إبداعاً ومُؤَلَفاً ونيِفٍ عن قضايا الحِجاب والمثلية الجنسية والختان وأبناء الزِنا ونظرة الأديان للمرأة بالمقارنة بالرجل..إلخ؛ يا لهذه الجرأة تقول في كافة الأماكن والمؤتمرات واللقاءات التليفزيونية الحِجاب رجعية… الحِجاب حِجاب العقل.. مساحيق التجميل هي حِجاب ما بعد الحداثة!! لا تري عيباً ولا حَرَجاً في المثلية الجنسية فاعترفت بصداقتها لهؤلاء الذين يفضلون علاقاتهم الاجتماعية والجنسية مع نفس الجنس مع تقديرها لحريتهم واختياراتهم، وعندما تحدثت عن أسباب تلك الظاهرة لم تفصلها عن قسوة هذا النظام ثنائي المعايير الذي يحكم العالم وبالطبع هذا المجتمع الازدواجي؛ قائلةً قولتها الشهيرة: السُحاقيات خُدِعْنَ من رِجال والمثليين خُدِعوا من النساء، لم تكتفي فقط بالهجوم علي عادة خِتان الإناث؛ وإنما دافعت عن حق الذكور في عدم تشويه أعضائهم التناسلية تحت مُسمي الختان والطهارة، لم تترك ديناً أو معتقداً أو تياراً فِكرياً أو سياسياً إلا ونقدته ووضحت تلك المبادئ الازداوجية الغير إنسانية التي يحويها؛ فإنسانيتها وتقديسها للعدل وللمساواة بين البشر يفوق إيمانها بأي كتابٍ أو معتقدٍ أو دين. إنها المرأة التي كانت ترفض ذلك النظام العالمي الأوحد وتلك الحضارة الأبوية العُنصرية الدينية التي كان تتسم بالنفاق والازدواجية؛ فكانت تقوم علي الفصل بين الروح والجسد.. الرجل والمرأة.. الذكر والأنثي.. الحاكم والمحكوم.. السيد والعبد؛ فرأت تلك الثنائيات هي التي أفسدت تلك المجتمعات وتسببت في قهر النساء والفقراء والأطفال.

أتدرون؟! هذه المرأة كتبت كتاباً من أروع ما كُتِب في فن السيرة الذاتية في سجنها؛ مُسْتَخْدِمَةً قلماً للحواجب وورق التواليت، تلك المرأة التي كانت تبث الأمل في نفوس زميلاتها السجينات مثلها بسبب آرائهم المخالفة لنظام الحُكْم؛ فتنبأت بموت السادات في سجنِها وخروجها ورِفاقها من سجون السُلطة الظالمة الغاشمة، هذه الطبيبة التي قام وزير الصحة برفدها من عملها لأنه كان يريدها أن تكتب له خطبة عن إنجازاته فرفضت أكثر من مرة وكتبت في مرةٍ أخرى أخطاءه، بالخطبه، وفقدت وظيفتها في وزارة الصحة المصرية بسبب كتابها “المرأة والجنس” التي نشرته باللغة العربية في القاهرة فى بداية الستينات ومنع توزيعه من قِبَل السلطات السياسية والدينية؛ ففي بعض فصول الكتاب أفكار ضد المحظورات والمحرمات السائدة بالنسبة للتيار العام، هذه المرأة التي وقعت كثيراً من مقالاتها باسم أمها: نوال زينب السيد؛ رغبةً منها في نسب الأولاد الذين يتم إنجابهم خارج مؤسسة الزواج إلي الأم بسبب رفض القوانين الظالمة الاعتراف بهم؛ تلك القوانين الجائرة التي تبرر نزوات الرجال وسقطاتِهم وتسبغ علي النساء صفاتٍ كالساقطات والمومسات مع أن الرجال هم من يسعون إلي تلك العلاقات وهم من يدفعون نظير إتمامها! هذه المرأة التي غيرت مفهومنا عن الشرف الذي كُنا نظن أنه يقبع بين فخذي الرجل وأسفل المرأة لتقول: “إن شرف الإنسان رجلًا أو امرأة هو الصدق؛ صدق التفكير وصدق الإحساس وصدق الأفعال. إن الإنسان الشريف هو الذي لا يعيش حياة مزدوجة؛ واحدة في العلانية وأخرى في الخفاء”. 

إنها الفلاحة ابنة كفر طحلة التي علمتها أمها أن شهوة العقل لا حدود لها، كانت تري أفكارها لا تصدم إلا الأغبياء الذين لا يعرفون فضيلة التفكير وقيمة العقل، تلك الفتاة التي كان يعلمها أبواها أن الشك في كل شئ مقدمة للمعرفة؛ ولذا فقالت أكثر من مرة أنها أسقطت ما تعملته في المدارس والجامعات من رأسها ولم يتبقّ إلا كلمات أبيها وأمها، هذه الفتاة التي تعلمت من جدتها الأٌمِية أن الله هو العدل والحرية، هذه النوال التي تري الوحدة والإبداع صنوان لا يفترقان، فتقبع في برجها العالي- وليس العاجي- في شبرا؛ لأنها تعشق الأماكن المرتفعة، لا تريد الاتصال بأحد ولا أن تضيع وقتها في علاقاتٍ اجتماعية لا طائل من ورائها إلا تعكير صفو الإنسان وصرفه عن أدبه وإبداعه وفكره؛ ولِما لا وقد تزوجت ثلاث مرات وقمات بتطليق هؤلاء الأزواج؟! ألم تقُل: ويلٌ للمرأة المبدعة القوية من الازواج؟! ألم تقُل أيضاً: لا يستطيع رجُل أن يواجه امرأة أذكي منه فما بالكم بالزواج منها؟! وفي نفس الوقت يعيش عاطفها ومنيتها –ابنها المخرج عاطف و ابنتها د. مني- كُلٌ في شقته المستقلة؛ هذه الأسرة السعيدة التي رأت لذة الحياة وسعادتها في حياة الاستقلال والتفرُد مع الأفكار والورقة والقلم، هذه النوال التي تشعر بغربةٍ وسط الأطباء رغم حبها للطب، فقط لأن كل شئ يتحول لمهنة وتجارة في السوق الحُر، فكلية الطب تُخَرِج جزارين، والتعليم في مِصْر يُخرِج تجاراً.

سألتها تلك البنت وهذي في ملتقاتها الشهرية: أريد أن أخلع الحِجاب وأخاف والِدَيّ؟! سألها آخر: أريد الاستقلال بحياتي بعيداً عن مُحيط الأسرة؟! سألها آخرون: كرهنا حياتِنا مع هؤلاء الأزواج والآباء الذين يروننا سِلَعاً وبِضاعةً تُباع وتُشْتَرَي، فتجيب مبتسمةً بكل ثقة وثبات: يا ولاد اللي عايز يتمرد مبيستأذنش!! اتمردوووووا!! وفي مواضِعٍ أخري، وعندما تُسْأَل من أحد الإعلاميين عن العلاقات الاجتماعية والصداقة فتقول: لا توجد في بلادِنا صداقة!! تذهب الناس إلي أطباء النفس لأنهم يبحثون عن أصدقاء!! ويا لآرائِها الرصينة وتفسيراتِها المنطقية عندما تسمع ها النوال وهي تُشَرِح معاناة الأطفال في كل المجتمعات الشمولية التي تقتل طفولتهم وبرائتهم وإبداعهم فتقول: الطفولة تُقْتَل باسم التعليم! يتعلم الطفل أن يتشكك في نفسه بدلاً من أن يتشكك في عدالة الإله! التعليم يجعلنا عمياناً عن التناقض؛ فهم يفقدوننا الثقة في أنفسنا وعقولنا منذ الطفولة!الأطفال في مصر أذكي من رئيس الدولة!

عن هذه الطفلة المتصابية ذات الخمس وثمانين عاماً؛ ويكأنكِ نوال قد عشتي الثمانينَ مرتين، ورُبما ثلاثاً أو أربع مرات؟! تراها عند دخلوها لقائتها وندواتِها تمشي الهوينَي بوجهٍ نَضِر، ابتسامتها لا تُصطنَع، ولا تبذل مجهوداً أو تجِز أسنانها لتضحك للجمهور، فالابتسامة لدى نوال قطعةٌ أصيلةٌ من وجهِها وُلِدَت بِها، شعرُها مُضَفَر تفخر ببياضه فخر ابنة السابعة أو الثامنة بسواد شعرِها الحالك، ترتدي ألوان الصِبية المحببة البمبي والأخضر والأحمر القاني والأزرق السماويّ، إنها موجودة كما قالت للحُب والصِدق والجمال والبساطة وحُب الحياة والإقبال عليها، ومن هُنا يشعر القارئ بلذة ومَغْزي قولتها الصادمة للبعض والمُداعِبة لقلوب آخرين: “لماذا لم يخلقني الله طائراً أطير في الهواء مثل هذه الحمامة وخلقني بنتاً؟! خُيِل إلىّ أن الله يفضل الطيور على البنات”؛ ولذا تردد دوماً: أنا امرأة محظوظة! أنا امرأة سعيدة! يبدو أنكِ مُصابة بميكروب السعادة يا نوال!!

أرأيتم مُفَكِراً أو أديباً لم يكُن علي وفاقٍ مع خمسة أو ستة أنظمة سياسية كانت تحكُم البلاد طيلة حياتِها وفي نفس الوقت كانت تنقد الأنظمة العالمية في مشارِق الأرض ومغارِبها؛ فلا فرق لديها بين عبودية المرأة الشرقية ذات الوجه القمحاويّ وازدواجية الرجل الغربيّ الأوروبي الأبيض، والمسافة قريبة جداً لديها بين تلك الأنظمة وهؤلاء الحُكام الذين يسخرون أبناءهم من أجل خدمة أهدافهم الاستعمارية التوسعية في الأقاليم الفقيرة المُفَتَتَة وبين تلك الأنظمة وهؤلاء الرؤساء الذين يقمعون شعوبهم ويحكمونهم بالحديد والنار وبتعليمٍ متخلف وبنخبة موالِسة وبإعلامٍ مُوَجَه وبمشايخ وقساوسة وحاخاماتٍ بلا ضمير. وتراها تتحدث عن المشكلات الجنسية والأسرية والمجتمعية وتدهور الاقتصاد وسياسات السوق الحُر الاحتكارية الغاشمة وتربط كل تلك المشكلات بالنظام السياسي الطبقي العبودي الأبوي علي حدِ قولِها؛ فهي ليست كغيرِها من المفكرين والنخبة الذين ينقدون السُلطة حينما يحين وقت النقد ويمدحون الطَغْمة ويباركونها نكايةً في أنظمةٍ أخري في وقتٍ آخر، فنوالٌ تري كلمتها أقوي من سجون الحُكام وشرطتهم وجلاديهم، والكتابة لديها هي الثورة علي العقل والساسة والظُلم والقَهْر في نفس الوقت؛ ولذا فرياحُ نقدِها وتمردها دائمة وليست موسمية، وأمطار المواجهة والحديث عن المسكوت عنه دوماً هُطول، ولم تتمرد فقط علي الساسة وقصور الحُكم وسدنتهم، وإنما علي أي أديبٍ أو إصلاحيٍ أو أيٍ من رموز المجتمع، فنقدت نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم والعقاد وقاسم أمين والشعراوي ونبوية موسي وأحمد زويل..إلخ، ولذا فكانت دوماً بعيدةً عن نوبل رغم ترشُحها إليها ثلاث مرات، ولم تُكرَم اللهم إلا في خارج البلاد من الزُعماء والرؤساء، ولم تحصل في موطِنها علي الأوسمة والنياشين التي يحصل عليها أنصاف الموهوبين والمثقفين والموالين للأنظمة والحكومات؛ أما في خارج مصر فحصلت علي أرفع الجوائز الأدبية والوطنية والدولية وأكثر من دكتوراة فخرية، وحاضرت في العديد من الجامعات وشاركت في العديد من المؤتمرات، أما هُنا فلم تلاقي إلا الاتهامات بالكفر وقضايا ازدراء الأديان وإهانة الأزهر والذات الإلهية ودعاوى إسقاط الجنسية والحبس في سجون السادات وتجاهُل الحُكام لها ولاسمها ومكانتها.

إنها نوال السعداوي الذي يعطيك صوتها قوة ورغبة في الشك والنقد والجدل والإبداع والتمرد، ألم تسمع صوتها تقول: حُرية.. صدق.. علاقات مفتوحة، هذه هي متعة الحياة؟! هذه النوال الذي يمتزج وجهها بروح التحدي وقوة الشخصية والإرادة فرأت أن هذا الزمن هو أكثر زمن تمنت أن تعيش فيه لأنه الزمن الذي تستطيع أن تثير فيه الجدل، المرأة التي دعت لكسر كل القوانين؛ فكافة القوانين ظالمة علي حد قولها؛ فكشفت عن القيم الازدواجية وهاجمت زيف المبادئ والنفاق وكبت شهوة العقول نحو المعرفة، ودعت إلي المجتمع الإنساني ذي القيم والأخلاق الذي يتسامح فيه البشر.

“رحلة طويلة وسوف تطول أكثر” هكذا لخصت د. نوال حياتها، وهكذا وقف قلمي وقتها مُتعَباً، وأعلن عصيانه مستمداً بياض الورقع الناصع خير معبر عن الاستسلام، غير قادرٍ علي الصمود أمام هذا القطار المتسلسل المتشابك من التفاصيل الذي لا يقف في محطات؛ متهماً نفسه في ذات الوقت بالتقصير في عرض تلك الشخصيةِ الفريد! فبعد بحثٍ طويل، واطلاع علي مؤلفات نوال الوثيرة، وبعد قراءة واستعراضٍ لمقالاتٍ الكترونية عِدة رأيت سِن قلمي عارِضاً طريقي قائلاً: وكفي ما كتبت! فقد حاولت كالمُوسيِقِي الذي يبذل أقصي جهده ليخرج السيمفونية بأفضل شكل، ويكفيكُما شرف المحاولة، وبغض النظر عن هذا الغيض الذي كتبتموه الذي لا يُقارَن رُبما بفيضِ ما أنجزته وأعطته تلك الشخصية؛ ولكن قد يكون عزاؤكُم أنكم كنتم أولَ قلمٍ يفرد مثل تلك المساحة ومثل هذا المقال فقط للحديث عن نوال.

 وبصدد ما أثير أمس حول وفاة د. نوال، أقول: نــــوال لا تـــمـــوت، هل يعقل أن نستخدم ألفاظ كتوفيت، انتقلت إلي رحمة الله، فارقت دنيانا.. إلخ مع نوال السعداوي، فنوال لا تموت، ولا يمكن للموت أن يقترب منها، ربما تغيب في يومٍ من الأيام لتدخل في عزلة طويلة لتعود مرة أخري لتصدمنا بإحدي مؤلفاتها وبفلسفة جديدة من فلسفات السعادة والتمرد والجدل، أما أن تغيب للأبد فلا يمكن، ربما تغير الطبيعة من سماتها وخصائصها مع نوال، ألا يكفي ما كتبته وأبدعته وإزالتها للحواجز وكسرها للمعابد والتابوهات.. دُمتي شمساً لدنيا الإبداع والحُرية يا نوال.

Print Friendly
This entry was posted in Secular Figures أعلام العلمانية, محمد هشام and tagged , , . Bookmark the permalink.