فلهلم رايخ والثورة الجنسية

ترجمة عبده الريس عن كتاب ” اليسار الفرويدى” تأليف : بول ا. روبنسون لثورة الجنسية

كان رايخ بحق صانع سياسة أفضل منه منظراً اجتماعياً. إن تحليل الأيدولوجيا، ونظرية النظام الأمومي الأولي، والدراسة النقدية الخاصة بالفاشية أعدت جميعها لأداء غرض واحد : إضفاء سلطة علمية على دعوته من أجل ثورة جنسية. إن هذه الدراسات كانت مهمة رغم ذلك، نظراً لأنها حسب وجهة رايخ تظهر الاتكال المتبادل العصيب بين التحرير الاجتماعي والجنسي. فالثورة الجنسية لم تكن مجرد “مطلوبة” علاوة على الثورة الاقتصادية والسياسية، بل على العكس، فالثورة السياسية نفسها محكوم عليها بالفشل إذا لم يصاحبها إلغاء الأخلاقيات القمعية. “إن تعريف الحرية هو نفس تعريف الصحة الجنسية

أدرك رايخ أن النتيجة المشئومة للثورة الروسية جسدت هذا الجدل. صحيح أن الاتحاد السوفيتي قد اتخذ خطوات جادة في اتجاه الإصلاح الجنسي. فقد أعجب رايخ على وجه الخصوص بالتجمعات الاشتراكية التي قوضت إلى مدى محدود سلطة الأسرة ذات النظام الأبوي. بيد أن الإصلاحات كانت مؤقتة للغاية. أهم من ذلك أن تعليم الأطفال في الاتحاد السوفيتي ظل “منكراً للجنس”. ومن ثم، أن تؤول الديمقراطية الاجتماعية للينين إلى ديكتاتورية ستالين كان نتيجة حتمية. فبنية الشخصية الخاضعة لعامة الروس ظلت ثابتة لم تتغير.

إن جملة أعمال رايخ كعالم نفسي ومنظر اجتماعي ومعلق سياسي تشير لا مناص إلى نتيجة واحدة : الحاجة إلى ثورة سوف تكفل وللأبد الحقوق الجنسية للأطفال والبالغين. بالطبع، إن رايخ لم يغفل الإجحافات الخاصة بالحياة الجنسية للبالغين. فعلى وجه الخصوص كان مدافعاً متوقداً عن الحقوق الجنسية للمرأة. إن دعوته لمناصرة الحقوق التسوية كانت معلنة مثل كراهية فرويد للنساء. ناهيك عن أنه كان ناقداً لاذعاً للنموذج التقليدي المتعلق بالإخلاص في الزواج : إن الزواج الإجباري لأي مجتمع قائم يجب أن يُستأصل، على اعتبار أن كل فرد من حقه البحث عن شريك جديد متى تطلبته سعادته الجنسية.

على أن رايخ كان في ذروة حماسه عندما صور التعاسات الجنسية للصغار. فالطفل كان “شبيه بالإله” في حسيته “الطبيعية واجتماعيه الفطرية”. لكنه من خلال القمع الوحشي لدوافعه الطبيعية يتحول إلى بالغ عصابي، مذل لذاته.

ومن ثم كانت الثورة الجنسية تتضمن تذويد الطفل بحماية قانونية من الاستبداد الجنسي لأبويه. لاسيما حقه في ممارسة العادة السرية واللهو جنسياً مع أطفال من نفس سنه.

إن مأزق البلوغ أثر بشدة على رايخ أكثر من مأزق الطفولة، عاكساً نقلة بارعة في منظوره السيكولوجي بعيداً عن التشديد شبه المطلق على الطفولة المبكرة في الفكر الفرويدي الكلاسيكي (1) إن الامتناع الجنسي المطلوب من البالغين في المجتمع القمعي يؤدي إلى جنوح الأحداث وإلى العصابات والانحرافات، وبالطبع إلى اللامبالاة السياسية. ومن ثم وعلاوة على أي شئ، فإن الثورة الجنسية لم تتضمن فحسب السماح بل في الواقع تشجيع المضاجعة الجنسية للبالغين.

تتبع رايخ هذه النتيجة الراديكالية حتى إلى أشد تفاصيلها التنفيذية ابتذالاً. إذ راح يكرس صفحات كثيرة لمسألة تذويد البالغين بمساكن خاصة وبوسائل منع الحمل اللازمة لإنجاز حاجتهم الجنسية. من السهل تسلية المرء عندما يعتبر رايخ نفسه ماركس ولينين الثورة الجنسية، منظراً كبيراً ومخططاً بيروقراطياً في آن واحد. بيد أن رثاءه من أجل التعاسات الحقيقية لسن البلوغ تكشف عن مشاعره الإنسانية الفياضة. كذلك انشغاله الملموس على نحو غير ملائم بالتفصيل الإداري _ إهماله لتفاصيل الخطاب الأكاديمي وانشغاله بالحفاظ على المستوى المناسب من التجريد _ يضفي عليه طابع الحيوية. 

إن ثورة رايخ الجنسية لم تخل من توابعها المزعجة. رغم أنها لم تدعم الانحراف المتعدد الأشكال، إلا أن موقف رايخ من الانحراف الجنسي كان على الأقل تقدمياً على نحو مقبول. فالجنسية المثلية التي تنتج شأنها شأن جميع مشاكلنا عن قمع دوافع الميول للجنس الآخر أثناء الطفولة والبلوغ، سوف تختفي في أعقاب الثورة. في تلك الأثناء كان رايخ يبدي موقفاً من التسامح. (2) بيد أن ميوله الفاشستية كشفت عن نفسها في وصفه للمجتمع الغير قمعي الذي يحمله المستقبل. على سبيل المثال يفترض أن يكون هناك قدر لا بأس به من إدارة جنسية. فكل المؤسسات الكبيرة سوف تشمل على موظفين كفء سيكسولوجياً، يشرفون على الأنشطة “بالتنسيق مع وكالة سيكسولوجية مركزية“.

هناك بالفعل سمة أقل جاذبية في يوتوبيا رايخ وهي طابعها المتزمت بشكل حاد. إن الثورة الجنسية كانت علامة لنهاية الفن الإباحي “البورنوجرافيك”. والسباب. كان هذا بالطبع منطقياً تماماً. إن أحد سخريات المجتمع الغير قمعي هو أنه يتجاهل تلك الحاجة للهروب الجنسي التي تشكل قاعدة البنية التحتية الإيروسية لنا. بإيجاز، إن نهاية القمع كانت ستعني وضع حد للنكات البذيئة، وهو استنتاج كان متضمناً بالفعل في تحليل فرويد للدعابة والقمع في “النكات وعلاقتها باللاشعور” Jokes and Their Relation to The unconscious. (3)

لم يحالف رايخ النجاح بالمرة في محاولاته لإقناع اليسار الأوربي بوضع الثورة الجنسية في برنامجه السياسي. فعيادات الصحة الجنسية التي أقامها في برلين مثل تلك التي في فيينا كان حليفها الفشل.

طرد رايخ من الحزب الشيوعي عندما وجد قبيل ذلك أنه من الضروري أن يترك الحزب الديمقراطي الاجتماعي. في سنة 1932 وحسب وجهة رايخ الخاصة، منع كل من الاشتراكيين والشيوعيين في ألمانيا توزيع الأعمال التي كانت تصدرها  Verlag Fur Sexual Polilik، دار النشر الخاصة التي أقامها في برلين.

لقد شجب الشيوعيون “علم النفس الجماهيري للفاشية على وجه الخصوص باعتباره “معاديا للثورة”. وهكذا عانى رايخ من خلاف مع الماركسيين حتى قبل انتهاء العلاقة الرسمية بالتحليل النفسي. بحلول نهاية 1939، عندما غادر ألمانيا إلى اسكندنافيا، كان قد تم رفضه من كلا المعسكرين.

لقد تميزت سنة 1934 بنقطة تحول مهمة في حياة رايخ. ففي صيف تلك السنة، قبل دعوةً لتدريس تحليل الشخصية في جامعة أوسلو. لقد أتاحت له الوظيفة الدخول إلى المعمل والفرصة للشروع في أول تجاربه البيوفزيقية. ومن ثم انسحب رايخ من المشهد السياسي ليكرس ما تبقى من حياته، أولاً في النرويج وأخيراً في أمريكا لتطوير أكثر الأساطير البيولوجية تميزاً.

بيد أن هناك دليلاً لا بأس به على أن الأمور ربما لم تمض كما ينبغي. فقد استطاع رايخ جيداً أن يقطع طريق الإحيائي السياسي التافه، طافقاً المرشح الرئاسي الدائم لأحد أحزاب “الإصلاح الجنسي الاشتراكية”. إن كتاباته تعج بإشارات غير مباشرة عن طموحاته السياسية. لقد أذعن رايخ فترةً إلى إغراء السياسة. فبعد الفرار من ألمانيا وقبل استلام الدعوة إلى أوسلو، قضى شهوراً عديدة في الدنمارك، أثناء إقامته هناك قام بإقناع أحد أتباعه بخوض انتخابات البرلمان الدنماركي على برنامج إصلاح جنسي. بدا الأمر لبرهة وكأن حركة سياسية جديدة على وشك الانطلاق. ولكن لم يحدث شئ من هذا القبيل. لم يتم تجديد الإقامة الدنماركية الخاصة برايخ فاضطر إلى مغادرة البلاد.

كلما كان رايخ يتقدم في العمر كلما ضاق ذرعاً بالعملية السياسية برمتها. لقد كتب : “إن السياسي سرطان في جسد المجتمع”، “ألا تكون سياسياً يعد الآن الفضيلة الأسمى”. بينما كان رايخ المبكر يعتبرها علامة مؤكدة على الشدة النفسية. إن الأمل الوحيد للجنس البشري تمثل في وضع حد للسياسة برمتها، ونشر المهام العملية للحياة. لم يبد على رايخ أنه كان منزعجاً من حقيقة أن هذا الهجوم المستحدث على السياسيين كان يتعارض مع التحليل المبكر “واللاذع بشدة” فى كتاب علم النفس الجماهيري لمطلق السلوك السياسي.

إن رفض رايخ للسياسة جلب معه التحول الحتمي عن معلمه السياسي كارل ماركس. فلم يعترف صراحة بالانفصال، بيد أنه كان جلياً في جميع كتاباته الأخيرة. لقد أسقط التحليل الطبقي باعتباره عنيداً. فقد أكد بصفة خاصة على عدم وجود ارتباط ذي مغزى بين الموقف الطبقي وبنية الشخصية. إن هذا الانتقاد لماركس كان متضمناً في اختزاله المبكر للتاريخ إلى عصر النظام الأبوي والنظام الأمومي. في حقيقة الأمر لا يوجد سوى تحليل الفاشية الذي ظل كليةً داخل الإطار المرجعي الماركسي، بيد أن رايخ أصبح يعلن صراحةً عن عبثية التمايز بين البروليتاري والرأسمالي، ليقول بأنه لا يوجد فروق اقتصادية دقيقة.

وراء رفض رايخ لماركس تكمن نفس الدوافع الجوهرية التي أدت إلى خلافه مع فرويد. أحد الملاحظات التي قام بها رايخ بنفسه والتي لاحظتها أنا بالفعل، تقترح هذه المقارنة. لقد حاول في دراسة “المادية الجدلية والتحليل النفسي” إثبات أن كلاً من فرويد وماركس قاما بتفسير الواقع انطلاقاً من الصراع، سواء الصراع بين الطبقات أو الصراع بين الغرائز. لقد أشار رايخ إلى هذا التوازي باستحسان واضح في حينه، بيد أن ولوعاته المحضة السيكولوجية والسيوسيولوجية كانت تكمن في اتجاه آخر بالمرة. لقد حاول بالفعل إثبات أن خلافه مع فرويد نشأ عن عدم رغبته في قبول التضمينات التشاؤمية لنظرية فرويد الثنائية للغرائز. لقد رفض تصديق أن الإنسان يمكن أن ينقسم على نفسه فأى زيادة في الثقافة يمكن أن تتعارض مع الطبيعة.

على وتيرة مشابهة اكتشف رايخ في النهاية أن بيان ماركس عن الصراع الطبقي يتعارض مع رغبته المحضة في تصور الحياة الاجتماعية على أنها في الواقع صراع حر. إن التنافرات داخل المجتمع ليس لها ما يبررها في الواقع، إذ كانت بدعةً أحدثتها الأيديولوجيات السياسية، فالماركسية نفسها من بين أسوأ المنتهكين في هذا الصدد. إن تحت الصراعات الظاهرة تكمن مصالح مشتركة قامت بتوحيد جميع الأفراد المنتجين. فضل رايخ في نهاية الأمر بنتام على ماركس. إن انحرافه اليوتوبي قاده إلى إسقاط الضغوط والاجهادات الخاصة بالحياة الشيوعية، كما أسقط مثيلتها، تلك الخاصة بالحياة النفسية.

ربما كان فرويد وماركس في الواقع رفاق ثورة كما طرح رايخ سنة 1929، بيد أنهما كانا أيضاً واقعيين. وفي المقابل كان رايخ رومانتيكياً في سياسته قدر ما كان في علم النفس الخاص به.

الهوامش

(1) أيضاً التمييز بين الطفولة والبلوغ يميل إلى التلاشي في سيكولوجيا رايخ. إن فترة الكمون في مخطط فرويد التطوري اتضح أنها نتاج حضارتنا القمعية. فبالضبط مثلما سيقضى إلغاء القمع على عقده أوديب سوف تختفي أيضاً الفترة الطبيعية المفترضة للامتناع الجنسي بين مرحلتي الطفولة والبلوغ – رايخ The Function Of The Orgasm 

(2) رايخ The Sexual Revolution ص211، اقترح رايخ أيضاً أن يعادل تطور المثلية الجنسية بما يمكن اصطلاحه بـ (العسكرية المشتركة) إدماج الشابات في حياة الجيش والبحرية The Sexual Revolution ص 264

(3) نفسه. روى شخص ما أنه من بين معارفه العديدين لم يكن هناك سوى شخص واحد لم يسمع قط أنه قال نكته بذيئة، وكنت أنا ذلك الشخص Listen Little Man ص 61-62

Print Friendly
This entry was posted in Biblioteca مكتبة المحروسة, Secular Essays مقالات علمانية and tagged , , , . Bookmark the permalink.