العلاقة بين العروبة والإسلام

طلعت رضوان طلعت رضوان

منذ عدة سنوات – وخاصة بعد سيطرة ضباط يوليو على حكم مصر فى يوليو1952، وبعد الترويج – فى الميديا الناصرية للعروبة و(القومية العربية) – بدأ الإسلاميون يشعرون بأنّ (العروبيين) يُـهـدّدون مشروعهم الذى أطلقوا عليه (الأمة الإسلامية) وبدا الصراع بين الفريقيْن (العروبيين والإسلاميين) كما لو كان الإسلام ضد العروبة، والعروبة ضد الإسلام. وخلاصة الصراع أنّ العروبة والإسلام نقبضان. وقد حاول كثيرون (خاصة من العروبيين) التوفيق بين الفريقين، وكانت خلاصة اجتهاداتهم أنه لا تعارض بين العروبة والإسلام، ولكن الشىء الذى رفضوا الإفصاح عنه هو أنهما وجهان لشىء واحد، وكان من بين العروبيين الذين حاولوا التوفيق بينهما د. عصت سيف الدولة فى كتابه المُـعنون (عن العروبة والإسلام) الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – مارس 1986. 

الدكتور عصمت سيف الدولة (1923- 1996) كاتب (مصرى) مولع بالعروبة التى روّج لها عبد الناصر، ولشدة ولعه بعبد الناصر أصدر كتابًا بعنوان (هل كان عبد الناصر دكتاتورًا؟) دافع فيه عن كل أخطاء الحقبة الناصرية، وأرجع تلك الأخطاء إلى (البيروقراطية) وإلى أصحاب المصالح الذين كانوا حول عبد الناصر. كما أنه ردّد مزاعم عبد الناصر حول اشتراكيته المزعومة، ولذلك كتب د. عصمت كتابه (أسس الاشتراكية العربية) وكتابه (الطريق إلى الاشتراكية العربية) أى أنه ردّد نفس التعبيرات التى أطلقها نبى العروبة (عبد الناصر) وروّج لها الصحابى الأول (محمد حسانين هيكل) وكل الناصريين وبعض الماركسيين، عن أكذوبة (الاشتراكية العربية) 

الدكتور عصمت رغم اختلافه مع الإسلاميين أصحاب (تيار الأمة الإسلامية) المُـعارضين لتيار (القومية العربية) فإنه استخدم لغتهم، فهو فى حديثه عن الظلم والإذلال استخدم تعبير (القسمة الضيزى) (ص13) وهو تعبير مُستمد من القرآن (النجم/ 22) ويصعب ترجمته من العربى إلى المصرى إلاّ بعد الرجوع إلى قواميس اللغة العربية أو كتب تفسير القرآن، أى القسمة الجائرة وغير العادلة. فإذا كان سيادته قد اختلف مع الإسلاميين، فلماذا استخدم لغتهم ولم يستخدم أى تعبير عصرى للدلالة على الظلم الاجتماعى؟ 

ومن تناقضات د. عصمت أنه كتب ((إنْ استجاب الشعب العربى لما يُلزمه به الإسلام، فقد تلقى من الله أمرًا صريحًا بالقتال ضد المُـعتدين)) ولم يكتف بذلك وإنما استشهد بعدة آيات من القرآن لا علاقة لها بالقتال، لينتقل إلى تكريس فكر الإسلاميين عن (حرية العقيدة) فى الإسلام فاستشهد بآية ((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) (الكهف/ 29) ومع ملاحظة أنه لم ينقل للقارىء الآية كاملة التى نصّـتْ على ((إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سُرادقها وإنْ يستغيثوا يُـغاثوا بماء كالمُهل يشوى الوجوه.. إلخ)) ورغم تلك الكلمات الصريحة عن التهديد بالنار التى تشوى الوجوه، فإنّ د. عصمت كتب ((وهكذا يستطيع أى إنسان مُميّز غير مُــكره أنْ يختار الإسلام دينـًا، أو أنْ يختار دينـًا غيره أو أنْ يكفر بكل الأديان على مسئوليته فى الدنيا والآخرة)) (ص23) وفى سبيل دفاعه عن الفرق بين العروبة والإسلام أضاف ((أما العروبة فعلاقة انتماء إلى وضع تاريخى تــُدرك العربى منذ مولده وتصاحبه حتى وفاته ولو لم يكن مميزًا ولم لم يُـدركها ولو كفر بها.. لا يستطيع أى إنسان ينتمى للعروبة أنْ ينسلخ عنها لو أراد.. إلخ)) (23، 24) وكتب أنّ الإسلاميين يرون أنّ تعبير (الأمة العربية) بدعة. وكل بدعة ضلالة. وزايد بعضهم بأنّ الانتماء للأمة العربية انتماء مُصطنع لستر مواقف مُـعارضة أو مُعادية للإسلام. ثم اختتم كلامه قائلا ((كــُبرتْ كلمة تخرج من أفواههم إنْ يقولوا إلا كذبًا)) (الكهف/5) وأضاف ((فلنحتكم إلى كتاب الله)) واستشهد بعدة آيات أخرى (ص25، 26) أى أنه يقف على نفس أرضية الإسلاميين، وأكثر من ذلك عندما استشهد بآية ((كنتم خير أمة)) (آل عمران/ 110) ثم أضاف ((بهذه الدلالة كانت الأغلبية الساحقة من الشعب العربى وما يزالون وسيبقون جزءًا من الأمة الإسلامية التى ينتمى إليها كل مسلم فى الأرض بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وأوطانهم.. إلخ)) (34، 35) فإذا كان الأمر كذلك، أى اعترافه بتعبير (أمة إسلامية) فلماذا اختلف مع الإسلاميين؟ كما أنه ردّد استشهاداتهم بآية (خير أمة) فى تجاهل تام لحالة التردى التى يعيش فيها العرب/ المسلمون، مع فقدان الإحساس بالتطور، وهو المعنى الذى أدركه الشاعر نزار القبانى الذى كتب ((جلودنا ميتة الإحساس/ أرواحنا تشكو من الإفلاس/ أيامنا تدور بين الزار/ والشطرنج والنعاس/ هل نحن (خير أمة (قد) أخرجتْ للناس؟)) كما أنّ د. عصمت تجاهل أنّ تعبير (خير أمة) يتناص مع تعبير (شعب الله المختار) ويتجاهل أنّ القرآن به العديد من السور والآيات التى مجّـدتْ بنى إسرائيل، وبالتالى فإنّ العهد القديم والقرآن مُــتطابفان. ورغم أنّ د. عصمت – فى معظم صفحات كتابه يُحاول التفرقة بين (الأمة الإسلامية) و(الأمة العربية) تناقض مع نفسه عندما كتب ((إنّ الأمة العربية لا تتناقض مع الأمة الإسلامية. والحمد لله لا يقوم لدى الشعب العربى سبب للتعارض أو التناقض بين العروبة والإسلام)) (38) وهو مثله مثل كل الإسلاميين لا يعترف بلغة العلم ويعتمد على النص الدينى فقط، فردّد الكلام غير العلمى والمُعادى لحضارة جدوده المصريين القدماء (أو هذا هو المفترض) فكتب – دون أى سياق – ((اذهب إلى فرعون إنه طغى)) واستشهد بالعديد من الآيات لتأكيد وجهة نظر القرآن الذى دافع عن موسى النبى العبرى والمُمثل لبنى إسرائيل ضد المصريين القدماء (من41- 43) 

وكيف يختلف مع الإسلاميين وهو الذى كتب ((الإسلام ليس مجرد دين أسرة أو عشيرة، إنه دين الناس كافة. والأمة العربية هى التى أوجدها الإسلام وأنها تتميّـز بهذا عن بقية الأمم ولو كانت أممًا مسلمة)) (52، 53) وبعد أنْ نقل نص آية ((وممن حولكم من الأعراب منافقون)) (التوبة/ 101) كتب ((إنّ تلك لثورة حضارية لا مثيل لها فيما سبقها من حضارات وثورات)) وكرّر مقولة ((الإسلام ثورة حضارية)) (64، 65) بينما المفكر الكويتى أحمد البغدادى – لأنه (مؤمن) بلغة العلم – كتب ((الدين لا يُحقق تقدمًا حضاريًا يتجاوز ما هو سائد فى عصره.. ولهذا نؤمن بأنّ من الخطأ القول بمُسمى الحضارة الإسلامية)) (أحاديث الدين والدنيا- مؤسسة الانتشار العربى- عام 2005- ص96، 97) وأضاف ((المسلمون اليوم الذين عادوا إلى النص الدينى هم أقل الأمم مُـشاركة فى الحضارة الإنسانية. لذلك فإنه لا يعد تجنيًا على النص الدينى القول أنّ لا علاقة له بالحضارة.. وأنّ البشر- فى مجال البناء الحضارى- فى حاجة إلى العقل أكثر من النص الدينى)) (98، 99) 

وبينما يُدافع د. عصمت عن (الأمة العربية) ويختلف مع أصحاب (الأمة الإسلامية) إذا به يُردّد كلام الإسلاميين عن (الفتوحات الإسلامية) وإصرارهم على رفض الاعتراف بأنها كانت غزوات ضد الشعوب الآمنة. ويتباهى د. عصمت بغزوات العرب ضد شعوب ((فارس والشام وقبرص وكورسيكا وسردينيا وكريت وصقلية ومالطة، ويعتبرها (فتوحات عظيمة) بينما أحمد البغدادى كتب أنّ ما يُسمى فتوحات إسلامية ((كانت أغلبها بالسيف. وأنّ القوة العسكرية هى التى حققتْ (الفتوحات) وحتى (فتح مكة) فإنّ ((قوة السيف هى التى حسمتْ نتائج الصراع)) (مصدر سابق- ص128) كما تباهى د. عصمت بأنّ تلك الشعوب تنازلتْ عن خصوصيتها الثقافية (من وجهة نظره) فكتب ((إنّ الشعوب التى كانت لها لغة خاصة وثقافة خاصة عندما دخلها الإسلام فإذا بها شعب واحد يعيش على أرض خاصة ومشتركة ولغة واحدة وثقافة واحدة)) (من65- 71) مع ملاحظة أنه كتب هذا الكلام الذى ينفيه الواقع، حيث أنّ الشعوب التى ذكرها تمسّـكتْ بثقافتها القومية ولغتها القومية (ولعلّ أبرز مثال هو ما فعله الشعب الإيرانى الذى أخذ الإسلام ورفض اللغة العربية وكل ما هو مُــتعلــّـق بالعروبة) 

وبعد أنْ اختلف مع دعاة (الأمة الإسلامية) المُـعادين ل (الأمة العربية) استشهد بآية ((لا إكراه فى الدين)) (البقرة/256) وأضاف ((وفى يوم فتح مكة دخل الكافرون المُـنهزمون فى الإسلام أفواجـًا فور الهزيمة فأصبحوا مسلمين أى قبلوا الإسلام نظامًا)) (150) فهو هنا – فى فورة حماسته العروبية/ الإسلامية- اعترف بأنّ من قال عنهم (الكافرين) دخلوا فى الإسلام بعد هزيمتهم، أى بعد القضاء على قوتهم أى دخلوا فيه مُجبرين مقهورين، وهو ما يتنافى مع نص الآية التى استشهد بها. 

وتعمّد تشويه الحقيقة التاريخية عن التقدم العلمى والفلسفى فكتب ((نعرف أنّ الغزالى سبق ديفيد هيوم إلى معرفة السببية. وأنّ ابن جبير سبق اسبينوزا إلى معرفة وحدة المادة والروح. وأنّ ابن سينا سبق ديكارت إلى معرفة التطور. وانّ ابن خلدون سبق ماركس إلى معرفة المادية التاريخية)) (168) بينما أصحاب العقول الحرة يرون أنّ العرب لم يُضيفوا للتراث الإنسانى أى شىء فى مجال العلوم الطبيعية أو العلوم الإنسانية، وهو ما عبّر عنه أحمد البغدادى الذى كتب ((فى ظل إنعدام التراث الحضارى (للعرب) لم تشهد الجزيرة العربية أى نهضة حضارية كما حدث فى مصر والعراق والشام، خاصة وأنّ العرب أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب. ومن هنا خطأ مقولة (الحضارة الإسلامية) لأنّ الحضارة ترتبط بالدنيا ولا علاقة لها بالدين.. وأنّ وجود النص الدينى ساهم فى تخلف المسلمين فى المجال الحضارى)) (مصدر سابق- من159- 168) أما المفكر الكبير د. فؤاد زكريا فكتب عن الذين يتباهون بالدور الذى قام به (العلم العربى) فى العصور الوسطى فكتب ((ويصل هذا الحرص إلى حد تأكيد ريادة كثير من (العلماء العرب) فى ميادين علمية غير قليلة. وبالغوا لتأكيد أنّ أصول عدد من النظريات المعاصرة – كنظرية النسبية مثلا – موجودة لدى العرب فى العصور الوسطى، وهو تأكيد واضح البطلان، لأنّ ظهور نظرية كهذة يحتاج إلى تطور معين فى العلم ولا يمكن تفسيره إلاّ فى ظروف عصر معين. فى حين كان العصر الذى ظهر فيه (العلم العربى) مختلفـًا عنه كل الاختلاف)) (التفكير العلمى- عالم المعرفة الكويتى- ط3- عام88- ص329، 330) وكتب طه حسين ((ويلٌ لنا يوم نعدل عن طب باستور وكلود برنار إلى طب ابن سينا وداود الأنطاكى)) (من بعيد – عام 1935- من ص245- 246) 

الاخوان المسلمين والظباط الأحرار

الاخوان المسلمين والظباط الأحرار

وكتب المفكر السعودى عبد الله القصيمى ((هل جاءتْ فى اللغة العربية كلمات (علم أو علماء) أو فكر أو مفكرون؟ هل استعملتْ اللغة العربية فى أى عصر من عصورها كلمة (تفكير) أو (مفكر) إلاّ تعريبًا وتقليدًا بلا وعى. أما كلمتا (علم وعلماء) فكان يعنى بهما فى كل التاريخ العربى – البعيد والقريب – العلم بالإله وصفاته والجنة والنار.. إلخ)) (العرب ظاهرة صوتية- منشورات الجمل- عام 2000- ص583، 584) وكتب أ. خليل عبد الكريم أنّ الجزيرة العربية ((منطقة خاصمتها الحضارة)) و((العرب ليس لديهم من سمات الحضارة غير الفصاحة ولكنهم عراة من العلوم والآداب والفلسفة)) وأنّ العقل العربى ((ليس مؤهلا لإبداع علم فى المنطق)) (فترة التكوين فى حياة الصادق الأمين- ميريت للنشر- عام 2001- ص 225، 286، 287، 401) 

والدكتور عصمت بسبب أيدولوجيته العروبية/ الإسلامية، سخر من الفلاسفة ((الذين يُسمونهم بفلاسفة التنوير فى القرنيْن 17، 18 أمثال هوبز، لوك وروسو إلخ)) (140) وبعد أنْ وصفهم ب (المُـلحدين) تناقض مع نفسه عندما كتب ((على أرض فرنسا يلتقى الفكر الوافد من إنجلترا بما بشـّر وأذاعه ونشره (بذورًا للثورة) فنان وأديب وثائر عبقرى وافد من سويسرا هو جان جاك روسو.. إلخ)) (222) ومثله مثل كل الإسلاميين هاجم الشيخ على عبد الرازق وكتابه (الإسلام وأصول الحكم) فكتب أنّ ((من يرجع إلى هذا الكتاب سوف تــُـدهشه ضآلة الأصالة الفكرية فيه وضحالة المادة التى عرضها وغياب منهج البحث.. والخلل فى الكتاب سببه جهل الشيخ عبد الرازق جهلا يكاد يكون تامًا بأصول الحكم، فذهب إلى أحكام لم يقل بها أحد.. إلخ) (من246- 245) وبينما هاجم على عبد الرازق فإنه مثل كل الإسلاميين أظهر إعجابه الشديد بمؤسس الأصولية الإسلامية والعنف (جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى) ووصفه ب ((الثائر العظيم)) (267) 

ولأنه خاصم لغة العلم ردّد ما جاء فى التراث العبرى عن اسم مصر فكتب ((كانت مصر موقعًا جغرافيًا يُسمى مصرايم)) وتحت عنوان (مصر العربية) كتب ((كيف كانت مصر فرعونية ثم أصبحت عربية. وما يصدق على مصر يصدق على كل قطر)) وبعد الغزو العربى ((تعرّبتْ مصر جملة ولم تزل)) ثم تناقض مع نفسه عندما كتب ((وهكذا فرضتْ جغرافية مصر على مصر مفهومًا مصريًا لأمن مصر، أمن وجودها وحدودها)) (من366- 369) 

ومثله مثل كل الإسلاميين كتب ((كل الشعوب، من سوريا وفلسطين ومصر، حتى شاطىء المحيط الأطلسى كانوا عبيدًا للرومان، فجاء الفتح الإسلامى ليُـحرّرهم ورفع عنهم قيود العبودية. ويعرض عليهم عقيدة أرقى من عقائدهم طبقــًا لقواعد الشريعة الإسلامية.. إلخ)) (383) بينما د. زبيدة عطا كتبتْ إنّ ((وضع الفلاح المصرى تحت الحكم البيزنطى لم يكن بالوضع المُميّـز، ولكنه لم يكن أسوأ فترات تاريخه، إذْ ليس بأسوأ من سابقه أو لاحقه)) (الفلاح المصرى بين العصر القبطى والعصر الإسلامى- هيئة الكتاب المصرية- عام 91- ص 10) وعن فترة حكم العرب لمصر كتبتْ ((كان المواطن المصرى إذا أراد أنْ يتجه إلى مكان يقيم فيه ردحًا من الزمن عليه الحصول على تصريح من المدينة التى يتبعها وملزمًا بإفادة الموظف المحلى بإقامته الجديدة)) (109) وأنّ العرب لم يكتفوا بفرض (الجزية) إنما فرضوا شتى أنواع الضرائب على المصريين مثل ضريبة الطعام على القمح وعددًا من المحاصيل الأخرى. وضريبة القمح التى كانت تــُرسل إلى القسطنطينية أصبحتْ تــُرسل إلى مكة)) (96، 97) وأنّ الجباة العرب لم يختلفوا فى أساليبهم عما كان فى العصر البيزنطى من عسف وجور تجاه الأهالى، وخاصة أنّ الولاة المسلمين حرصوا على جباية الخراج وتخوفوا من نقصانه حتى لا يُـتهم الخلفاء بالاهمال كما حدث مع عمرو بن العاص حين جباها عبد لله بن سعد عندما استعمله عثمان 14 مليونـًا فقال لعمرو (يا أبا عبد الله درّتْ اللقحة بأكثر من درها الأول) فردّ عليه عمرو ((أضررتم بولدها)) (ص94) أما حكاية أنّ العرب فرضوا عقيدة أرقى من عقائد الشعوب التى تمّ احتلال أراضيها، فهذا القول أكبر دليل على أنّ د. عصمت تجاهل علماء علم المصريات الذين أكــّـدوا على أنّ الحضارة المصرية كانت المهد الحقيقى ل (فجر الضمير) ومثله مثل كل العروبيين/ الإسلاميين أفاض فى الحديث عن (التغريب) وبسبب التغريب نشأ التخريب فنشأتْ فى كل قطر عربى ((طبقة قومية الانتماء، إقليمية الولاء، مادية الباطن، إسلامية الظاهر، لنقض الحضارة العربية، وبناء شخصية الإنسان العربى)) وردّد كلام العروبيين والإسلاميين عن الشعراء الفرس وغيرهم الذين دافعوا عن خصوصياتهم الثقافية وأطلقوا عليهم (شعوبيين) وكانوا ((يُقيمون فى تلك الأرض قبل الفتح الإسلامى مثل الأشوريين فى الشام والأقباط فى مصر والبربر فى المغرب)) (من 428- 435) بينما أحمد أمين – لأنه يحترم لغة العلم – كتب ((العرب أزالوا استقلال فارس. وحكموا مصر والشام والمغرب وأهلها ليسوا عربًا)) (ضحى الإسلام- ج1- هيئة الكتاب المصرية- عام 97- ص76) ورغم أنّ د. عصمت ذكر أنه لا تعارض بين القومية العربية والإسلام فإنه كتب ((الإسلاميون يُناهضون – باسم الإسلام – القومية العربية حتى لا توجد قومية عربية ولا توجد أمة عربية.. طائفة تــُناهض الإسلام بالعروبة. وطائفة تــُناهض العروبة بالإسلام)) ورغم كل مظاهر (الهوان العربى) واعترافه بتبعية الأنظمة العربية للاستعمار كتب ((الشعب العربى عصى على الإبادة والمُـحاصرة)) فإذا كان الأمر كذلك، كيف تمّ تدمير عقل الشعوب العربية، وتدمير أوطانهم، ونهب مواردهم، وخضوعهم لحكامهم الفاشيست؟ وهل هناك إبادة أكثر مما حدث للشعب العراقى (بيد النظام البعثى ثمّ بيد القوات الأمريكية؟ فلو كان الشعب العربى (عصيًا على الإبادة والمحاصرة) كان عليه تحدى فاشية الحكام ومقاومة الغــزاة. ولم ينس د. عصمت أنْ يشن هجومه على الليبراليين والعلمانيين العرب وأطلق عليهم مصطلح (اللوبى) وأنّ إدعاءاتهم عن حقوق الإنسان ((عنوان أو شعار أو مبدأ مجرد ونموذجًـا مثاليًا لإغواء العقول وإغتصابها)) (من 442- 474) 

هذا عرض مُـختصر لواحد من كتب د. عصمت سيف الدولة. وأعتقد أنّ كتبه وشخصه تــُـقـدّم للعقل الحر النتائج التالية: 

• أنه أحد المُــتعلمين المحسوبين على الثقافة المصرية و(العربية) السائدة. 

• أنه ردّد أكذوبة (الاشتراكية العربية) لأنه لو كان يحترم لغة العلم فكان عليه الاعتراف بما كتبه ماركسيون كثيرون عن التجربة الناصرية وأنّ ما حدث هو (رأسمالية الدولة) وأنّ الناتج القومى كان لصالح الضباط وليس لصالح الجماهير. كما أنه تجاهل عداء الناصرية للطبقة العاملة (النقابات تحت إشراف وسيطرة المباحث، واعتقال كثيرن من العمال) وهل من الاشتراكية تدمير الزراعة المصرية بتفتيت الأراضى وتنفيذ المخطط الأمريكى (الإصلاح الزراعى) بدلا من (التعاونيات الزراعية الكبيرة) كما اقترح بعض الماركسيين، فرفض عبد الناصر واعتقلهم. 

• أنه ردّد أكذوبة (الوحدة العربية) وتوأمتها (القومية العربية) فى محاولة لضرب (القومية المصرية) وفقــًا وتنفيذا لإرادة نبى العروبة (عبد الناصر) 

• الخلاصة أنّ د. عصمت نموذج لباقى المُــتعلمين الذين مشوا وراء الدكتاتور عبد الناصر، الذى قمع كل صوت حر، وتمنى وأد القومية المصرية لصالح أكذوبة (القومية العربية) وبالتالى كان د. عصمت وأمثاله كارثة حطــّـتْ على شعبنا المصرى وعلى باقى شعوب المنطقة، بالترويج لأكذوبة أنهم (عرب) فى محاولة لنفى خصوصياتهم الثقافية، التى تشمل لغاتهم وتقاليدهم ومُـجمل سلوك حياتهم. 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , , . Bookmark the permalink.