محمد سلماوي: مناهج الأزهر تحرض على أكل لحم غير المسلمين

حوار محمود الغيطاني     محمود الغيطاني

محمد سلماوي هو مسرحي ممن أثروا المسرح المصري كثيرا بالعديد من مسرحياته التي كتبها، لكنه ترك الكتابة المسرحية واتجه إلى عالم الرواية والقصة القصيرة، كما كان المتحدث الرسمي للجنة الخمسين التي وضعت الدستور المصري، ومن ثم شارك في وضع الدستور، وتولى رئاسة اتحاد الكتاب لمدة عشر سنوات كاملة، إلا أنه فاجأ الجميع بتنازله عن منصبه رغم أنه ما زال لديه عامان لم ينقضيا بعد لترك هذا المنصب، كما قيل أنه كان من أول المدافعين عن نظام مبارك أثناء الثورة المصرية، وأُثيرت حوله الكثير من الخلافات، ومن هنا كان حوارنا معه.

–        لم كان تنازلك عن منصب رئيس اتحاد الكتاب؟

لأسباب كثيرة منها، أني أنظر إلى حياتي باعتبارها مراحل، والحياة بالفعل هكذا، والأهم أن يعرف الإنسان طبيعة كل مرحلة، وماذا يريد منها، فالإنسان يمر بمرحلة التكوين، أو مرحلة الدراسة التي يكون كل ما يرغبه منها هو تحصيل أكبر كمية من المعلومات، والمعارف، والدراسة الممكنة، ثم يبدأ مرحلة بناء مستقبله فيكون كل همه في كيفية تكوين ذاته، ولكن حينما يصل الشخص إلى عمر السبعين، أو إلى أي عمر يحدده الشخص- وقد قلت هذا الكلام للكثيرين من القريبين مني بما فيهم أعضاء في اتحاد الكتاب- أني حينما سأصل إلى سن السبعين فأنا أتطلع إلى مرحلة جديدة في حياتي، أحاول فيها التركيز على القراءة والكتابة، بمعنى أن يكون هناك تفرغا أكبر للإبداع، بالطبع أنا أكتب طيلة عمري منذ كنت طالبا، ولكن كل المناصب الإدارية والتنفيذية التي توليت مسئوليتها، سواء في الصحافة، أو في مواقع أخرى تعمل على تعطيل مشروعي الأدبي، وأنا أرى أنه قد آن الأوان من أجل التفرغ لهذا المشروع، ولقد قلت هذا للكثيرين ممن هم حولي، ولكن يبدو أن الناس لا تصدق، وأنا قد تحدثت مع مجلس إدارة الاتحاد قبل الجمعية العمومية، وقلت لهم: هذه الدورة قد انتهت، وأنا سأصل في هذا العام إلى السبعين؛ وأنا مضطر إلى ترك مكاني، فردوا عليّ بأنه لا يمكن فعل ذلك قبل الجمعية العمومية حتى لا تقع، وأن وجودي مهما، ثم إن الجمعية هي حصاد للعام السابق لها، ونحن نقدم فيها تقريرا عما حدث في العام السابق، وهذا جزء مهم من مسئوليتي، وبالتالي فلقد اقتنعت بهذا الحديث، وأرجأت الأمر، ولكن في أول اجتماع للدورة الجديدة لاختيار الرئيس كتبت بيانا شرحت فيه سبب اعتذاري عن منصبي؛ ففوجئوا بالأمر، وطلبوا مني إكمال العامين الباقيين لي في المجلس، لكني رفضت ذلك؛ لأني أتطلع إلى المرحلة القادمة، وفي ذهني الكثير مما أريد أن أكتبه، وأنا أعمل الآن على مجموعة قصصية كانت تلح عليّ منذ فترة، ولها تصور معين بمعنى أنها لها رابط يربط بين كل القصص، وأنا متفرغ لها الآن بمعنى أني أستيقظ من نومي وبدلا من أن أقول أني سأذهب إلى الجريدة، أو إلى الاتحاد فأنا أدخل مكتبي، وأظل أكتب من العاشرة حتى الثانية ظهرا، وأنا طالما حسدت نجيب محفوظ أنه كان لديه الكثير من التنظيم في وقته؛ لأنه لم يكن لديه الالتزامات الإدارية والتنفيذية، حتى أني كنت أسأله: هل تكتب كل يوم بجلوسك الفعلي على مكتبك، فكان يؤكد لي أنه أحيانا يظل جالسا إلى مكتبه بالساعات ولا يكتب كلمة واحدة، لكنه بالرغم من ذلك لا يقوم من على مكتبه؛ لأنه موظف عند الكتابة، فهل يُعقل أن يذهب أحد الموظفين إلى مكتبه ثم يتركه بدعوى أنه لا يوجد عمل اليوم؟ بالتأكيد لا، وهكذا كان محفوظ يُشبه نفسه بأنه موظف لابد أن يجلس على مكتبه من الساعة كذا حتى الساعة كذا، وأمامه الورقة وفي يده القلم، وفي مرات يكتب قصة قصيرة كاملة، وأحيانا لا يكتب أي شيء، أو يُكمل شيئا كان يكتبه، وحينما كنت أسمع هذا الكلام من محفوظ كنت أتمنى الوصول إلى هذه المرحلة؛ ولذلك قررت منذ فترة طويلة أني عند عمر السبعين سأتخذ هذا القرار، وأتفرغ للكتابة، سواء كانت الأدبية أو غيرها، فأنا بعد خمسة وأربعون عاما من العمل في الصحافة لدي كرتونة ضخمة فيها مذكراتي أثناء سجني يوما بيوم، ولم أمتلك الوقت بعد من أجل كتابة هذه المذكرات، أما عن السبب الثاني الذي جعلني أتخذ هذا القرار، أني أريد أن أعطي مثلا للآخرين، فنحن في بلد اعتدنا فيه أن الفرعون لابد أن يموت وهو على العرش، بينما العالم ليس هكذا، والثورة حينما حدثت كانت ضد هذا، وتداول السلطة هي مسألة مفروغ منها، وبالتالي حينما يجئ شخص من تلقاء نفسه ويقول أنه قد ظل في الاتحاد لمدة عشر سنوات، وأنجز ما يستطيع أن يُنجزه، والآن يترك مكانه لمن يأتي بعده، أعتقد أن هذا معنى من الأهمية التي تجعلنا نلتفت إليه.

 

–        في سابقة لم تحدث في الصحافة المصرية كنت أول رئيس تحرير في مؤسسة الأهرام يستقيل من منصبه رغم الامتيازات المالية والوظيفية والسائق والسيارة والمكتب، ما سبب ذلك؟

هو نفس المثل الذي أردته بالتخلي عن منصبي في اتحاد الكتاب، فحينما وصلت إلى السن القانوني وهو 65 سنة عام 2010م، أخبرتهم في الأهرام برحيلي؛ لأني وصلت إلى العمر الذي نص عليه القانون، والذي يمنع صاحبه من تولي مناصب إدارية في الصحافة بعد الوصول إليه، فوجدت اندهاش غير مُبرر، بل وتم نشر الخبر في صفحات أولى بالجرائد، منهم الدستور، ووجدت الكثير من الصحفيين يتحدثون إلي ليسألونني من الذي أغضبني، وما هي خفايا الأمر، فكنت أؤكد لهم أني قد وصلت إلى السن القانوني، فيردون أنه لم يطلب مني أحد أن أمشي، حيث ظل إبراهيم نافع مثلا بعد السن القانوني 12 سنة، لكني احترمت القانون، وكنت أول صحفي يمشي من تلقاء نفسه تنفيذا لهذا القانون الذي كان يتم تجاهله بالكامل في فترة ما قبل الثورة، وهذه هي رؤيتي وفلسفتي في الحياة، وما فعلته لا ينفصل عن هذه الرؤية.

 

الأديب محمد سلماوي

الأديب محمد سلماوي

–        كنت صاحب دار “ألف للنشر” بينما نجد الآن سلسلة مكتبات ألف، ما هي علاقتك بها؟

الأمر لا يعدو أكثر من تشابه أسماء، فأنا حينما أسست دار النشر هذه كنت متصور أني من الممكن أن أتفرغ لها في يوم من الأيام، وقد أسميتها “ألف” باعتبار أنه حرف كلمة “اقرأ ” أول كلمة في القرآن، واقرأ لأنها دار نشر معنية بالقراءة، كما أن ألف هو أول حرف في الحروف الهجائية، ففيها معنى أنها الدار الأولى، وأصدرت العديد من الكتب التي ما زلت سعيد بها، فلقد أصدرت مسرحية لنجيب سرور لم تُنشر من قبل اسمها “الحكم قبل المداولة”، وكتاب في المسرح ونظرية الدراما للدكتور رشاد رشدي، وديوان “ركعتان للعشق” للشاعر أحمد الشهاوي وقد كان أول دواوينه، كذلك أول ديوان لجمال بخيت “مشاعر بلا ترتيب”، لكني بعد فترة وجدت أن انشغالي في الصحافة والمواقع القيادية التي توليتها تحول دون الاستمرار؛ مما أدى إلى إيقافها، ثم فوجئت بعد ذلك بمكتبة “ألف” وأنا سعيد بأن الاسم ما زال موجودا، وإن كان بعيدا عن دار النشر التي كانت تخصني.

 

–        قياسا إلى ما نراه من دور النشر الموجودة الآن التي تتقاضى أموالا من الكتاب، كيف كنت تدير دار النشر التي كانت تخصك؟

أنا لم أفعل هذا إلا في حالات معينة، بمعنى أن يأتيك أحدهم ويخبرك أن لديه مشروع ويريدني ان أطبعها له، وحينها كنت أطبعها لحسابه الخاص، ولكن كل الكتاب التي اخترت نشرها لم أتقاض عنها أي أموال، وقد كان منها كتب لناس قد رحلت عن عالمنا مثل نجيب سرور، ورشاد رشدي، ولكني فعلت ذلك بالفعل عندما نشرت الأعمال الكاملة للكاتب محمد تيمور؛ لأن حفيدته الكاتبة رشيدة تيمور أخبرتني أنها تُعيد طباعة أعماله وتريدني ان أطبعها لها، وبالتالي طبعتها لحسابها بالمشاركة بيننا، وأصدرنا الأعمال الكاملة بالفعل، ولكن سياسة الدار لم تكن تعتمد على تقاضي أموال؛ لأني لا أرى أن هذا من الممكن أن يصح.

 

–        رغم أنك كنت المتحدث الرسمي باسم لجنة الخمسين التي وضعت الدستور، إلا أنك أحجمت تماما عن خوض الانتخابات البرلمانية.. ما تعليقك ؟

لقد انخرطت في السياسة، كما انخرطت في العمل الإداري والتنفيذي كذلك في السلك الوظيفي حينما كنت وكيل وزارة الثقافة، وحينما كنت مساعد وزير الإعلام أيام ممدوح البلتاجي، ولكن كل هذه المجالات دخلتها من موقعي ككاتب، بمعنى أني حينما كنت معاون لوزير الإعلام كنت معاونا لشئون الدراما التليفزيونية وهذا هو مجالي، وحينما دخلت لجنة الدستور دخلتها ككاتب، وممثلا لاتحاد الكتاب، ولقد كنت مصرا على هذا، لأنه في اللجنة السابقة للإخوان التي لم يأخذوا فيها أي كاتب تصديت لهم بحملة في كتاباتي؛ لأنهم تجاهلوا الكتاب والمثقفين تماما، رغم أني قد أرسلت لهم حينها قائمة فيها عشرة أدباء من أهم كتاب البلد وبعضهم مشهود له دوليا، ولم يأخذوا أي واحد منهم، وبعدما تصديت بحملة صحفية عليهم أرسلوا لي ليقولوا أنهم قد اختاروا من جميع النقابات لكنهم سيأخذونني أنا في الشخصيات العامة، وهنا رفضت، لأني يجب أن أدخل كرئيس لاتحاد الكتاب، وليس كشخصية عامة، ولكن لكي يكون الدستور سليما فلا بد أن يكون الاتحاد ممثلا أيضا، ولكن في المرة الأخيرة كنت كرئيس لاتحاد الكتاب، وساهمت ككاتب ومثقف في أعمال اللجنة، وكان نتيجة ذلك أننا أدخلنا لأول مرة في الدستور المصري فصل جديد تماما اسمه “المقومات الثقافية للمجتمع”، بالإضافة إلى مواد ثقافية أخرى في مواضع أخرى، وفصول أخرى، ولذلك ستجد 22 مادة معنية بالثقافة موجودة في هذا الدستور بسبب وجودنا وما تقدمنا به من مواد، ويمكن أهمها المادة التي تتحدث لأول مرة عن الحق في الثقافة، مثل الحق في العمل، وكل حقوق الإنسان المنصوص عليها، والحق في الثقافة ليس مجرد شعار إنشائي، ولكننا وضعنا له ترجمة فعلية كي يكون شيئا ملموسا، وهو أن المواطن المصري له الحق في الثقافة، وأن هذا الحق تكفله الدولة، ووصفنا هذه المسئولية بأن الدولة عليها أن تكفل هذا الحق من دون تمييز بسبب القدرة المالية، أو الموقع الجغرافي، وهنا فإن الدستور ملزم للدولة أن توفر للجميع المنتج الثقافي بصرف النظر عن القدرة المالية، فالدولة لا بد أن تضمن وصول الكتاب لي، في أي بقعة من بقاع مصر مهما بعدت، وهذا لابد أن يكون بدعم الكتاب، او إلغاء الجمارك والضرائب عن المواد التي تدخل في صناعة الكتاب وكلها مستوردة، مثل آلات الطباعة، والأحبار، والورق، وبالتالي بات هناك التزام دستوري على كل حكومة قادمة أن توفر الثقافة لكل مواطن مصري، وهذه قفزة كبيرة جدا للثقافة في الدستور المصري.

 

–         “أين هو المسرح اليوم، ولمن نكتب مسرحيات”، كان هذا تساؤلك الذي طرحته ليكون مبررا لتركك الكتابة المسرحية، هل ترى أن الكاتب في أي لون من ألوان الفنون يهتم في المقام الأول بمن يقرأ له؟

بالفعل، فالكاتب لا يكتب لنفسه حتى لو قال أنه يفعل ذلك، فأنا أكتب لشخص آخر كي يقرأني، ولكن هل هذا القارئ موجود اليوم في العالم؟ وهل من الممكن الوصول إليه، أم أن هناك عوائق بيني وبينه، بمعنى أن المسرحية التي أكتبها مثلا لا يتم تقديمها على المسرح، وهل هذا القارئ لم يولد بعد وأنا أكتب لأجيال ما زالت ستأتي مستقبلا، كل هذا جائز ووارد جدا في تاريخ الأدب، فهناك من كانوا يكتبون ولا أحد يعرف عنهم شيئا، ولم يُعرفوا إلى بعد موتهم بفترات طويلة، وبات لهم جمهور في قرون بعيدة عن القرون التي عاشوا فيها، لكن أيا كانت الظروف فالكاتب يكتب من أجل القارئ؛ ولذلك فأنا أغير فيما أكتبه، وأعيد صياغته، لأني أشعر أن الفكرة التي أريدها لم لا يمكن أن تصل للقارئ، وبالتالي أعمل على توضيحها أو التغيير منها؛ لأن القارئ في ذهني طول الوقت، وهذا الموضوع يصبح أكثر إلحاحا في حالة الكاتب المسرحي؛ لأن الكاتب المسرحي لا يكتب مثل الشاعر من أجل أن ينشر قصيدته في ديوان، أو جريدة، بل هو يكتب دائما وعينه على خشبة المسرح، فهو طول فترة كتابته يتصور كيف سيكون شكل العرض المسرحي؛ ولذلك يكتب ضمن ما يكتب التوجيهات المسرحية، فحينما يقول مثلا جملة على لسان إحدى الشخصيات وهي تعبر من أيمن المسرح إلى أيسره، لابد أن يكون واثقا أن هذه الجملة لابد أن توصل الشخصية من يمين المسرح إلى يساره، فمن الكارثة ان تكون الجملة قصيرة وبالتالي تنتهي وهو ما زال في وسط المسافة بين يمين المسرح ويساره، وكل هذا يكون في ذهن الكاتب المسرحي، وبالتالي حينما يشعر الكاتب أن هذه المسرحية لن ترى النور؛ بسبب عدم وجود حركة مسرحية؛ فهو يشعر بالإحباط، فهناك مقولة لتشيكوف تقول: “ما جدوى أن نحشو مسدسا ونضعه على المنضدة إن لم يكن هناك من سيطلقه”، والكاتب المسرحي هكذا، فحينما يرى المسارح تعمل وهناك جمهور، وهناك إنتاج مسرحي، فهو يكتب، أما في حالة عدم وجود مسرح فهو لا يكتب، وهناك الكثير من الكتاب الذين بدأوا حياتهم بكتابة المسرح حينما لم يجدوا هناك حركة مسرحية حقيقية تركوه إلى الدراما التليفزيونية مثل أسامة أنور عكاشة، وغيره، ولكني لا أحب التليفزيون لأن الجانب التجاري الترفيهي فيه أكثر من الجانب الفني، ومن ثم اتجهت إلى كتابة الرواية والقصة القصيرة، كما أني لي ديوان شعر منثور، للأسف نحن نمر بفترة ليس فيها أي نشاط مسرحي للأسف لأن من يرعى الثقافة، وهي الدولة لا تقوم بدورها في هذا الشأن، كما ان الدولة للأسف رفعت يدها عن الثقافة منذ وقت طويل، وبالتالي فالنشاط الثقافي الموجود الآن كله نشاط فردي، وليس على الرعاية الوجبة على من يرعى الفنون كي تنتعش.

 وزارة الثقافة

–        “جائزة محمد سلماوي لشباب المسرحيين” هي جائزة تُمنح للشباب تحت 40 سنة، وفكرة الجائزة كانت بعد حصولك على جائزة الدولة التقديرية، حيث قررت وضع المبلغ المالي الذي حصلت عليه كوديعة في البنك، وأوضحت أن الغرض منها هو تشجيع الكتاب المسرحيين الشباب، لرؤية النور، ألا يتعارض هذا مع هجرك للكتابة المسرحية، وقولك أين المسرح اليوم؟

لا، هو مرتبط به ونتاج طبيعي له، لأنه ليس هناك مسرح، فأنا خشيت بسبب عدم وجود مسرح أن تنصرف الناس عن الكتابة المسرحية أيضا مثلما فعلت، ولذلك رأيت أن من هم زالوا يكتبون المسرح لابد من تشجيعهم، ورعايتهم، ولأني حزين على حال المسرح فلقد فكرت في جائزة تخصه كي أشد على يد من زالوا مؤمنين بالمسرح، ويكتبونه.

 

–        كتبت في جريدة “المصري اليوم” مقالا بعنوان “رسالة من حسني مبارك” حاولت فيه تجميل وجه مبارك وعصره، ألم تكن ترى السلبيات والانهيارات والفساد التي حدثت للمجتمع المصري بسبب فترة حكم مبارك؟

أنا لم أحاول تجميل وجه حسني مبارك، فأنا في هذا الوقت كنت أكتب في المصري اليوم مقال أسبوعي ساخر يعني عكس ما يقول، كما كتبت مقال شهير في هذا الوقت قلت فيه أن مشاكل مصر كلها نابعة من الأقباط، ويجب علينا أن نفعل معهم مثلما تفعل إسرائيل مع الفلسطينيين، ويجب أن نقتلهم جميعا؛ كي تنتهي مشاكل مصر وتنتعش البلاد ونعود إلى سالف عصرنا ومجدنا القديم، ولا يهم كثيرا أن هؤلاء الأقباط كانوا هم أصل المصريين، فهم كانوا وقد انتهى الموضوع، وإذا لم يعجبهم الوضع فليهاجروا إلى دول أخرى، ومن يبقى نقتلهم جميعا، وكان هذا ما قلته حينها، وعلى نفس هذا المنوال حينما قامت الثورة كتبت حمى الله حسني مبارك من الناس الذين دفعوه إلى الديكتاتورية، وعددت العديد من المساوئ التي تخص حكمه، وفي النهاية قلت ربنا يحميه منهم، وهنا لابد أن تتساءل كيف سيحميه الله والناس في الشوارع تهتف يسقط حكم حسني مبارك؟ فأنا هنا في هذا المقال كنت أقدم كشف حساب سلبي لفترة حكم مبارك، والذي كنت مختلفا معه في حكمه، ولا تنسى أني كنت ضمن المعارضة في فترة مبارك، والسادات أيضا، كما سُجنت لهذا السبب، وبالتالي لم أكن من أتباع الحكم؛ ولهذا السبب تجد أن اتحاد الكتاب قبل مرور 24 ساعة على اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، أي يوم 26 يناير كنت أجمع مجلس اتحاد الكتاب في جلسة طارئة من أجل أن نخرج بيان يدعم الثورة ويؤيد مطالبها، وكنا جميعا في ميدان التحرير، وطالبنا بالإفراج عمن اُعتقل في الثورة، فالاتحاد كان ضد النظام، وأنا أيضا ولم نكن جزءً من النظام.

 

–        كيف فكرت حينما كان قرار استثمار خمسة ملايين جنيه في مشروع قناة السويس الجديدة، في حين أن هناك الكثيرين من الكتاب في حاجة إلى العلاج، وهذه الأموال هي في المقام الأول من أموال علاج الكتاب؟

لا هي ليست من أموال علاج الكتاب، فعلاج الكتاب له ميزانية أخرى قدرها حوالي 25 مليون جنيه، ولكن نحن لدينا أموال الاتحاد، فلدينا صندوق المعاشات والعلاج، وهناك صندوق الاتحاد يعني ميزانيتين، ولذلك أخذنا 3 ملايين من ميزانية الاتحاد نفسه، ومليونين من صندوق العلاج، وهذه الملايين الخمسة اشترينا بهم أسهم لأن هذا سيساعدنا كي نلبي احتياجات العلاج بشكل أكبر؛ لأن الفائدة التي ستعود هنا أكبر، فأموال الاتحاد بالكامل نضعها كودائع في البنوك، والريع الذي يأتي منها هو ما نصرف منه سواء في الاتحاد ونشاطه، او في علاج الكتاب، فحينما نجد ان أموال الاتحاد يعود منها كفائدة حوالي 8 أو 9% ثم أجد وعاء ادخاري آخر يأتي بحوالي 12% فبالتأكيد هذا سيزيد دخل الاتحاد مئات الآلاف من الجنيهات حينما نتحول إلى الوعاء الجديد، وبالطبع هذا كان اقتراحا مني، وليس قرارا؛ لأن هذه القرارات تصدر بموافقة مجلس الاتحاد، وبرضاء أغلبيته، وإذا ما رفض المجلس هذا القرار ما كان سيكون، لكنه وافق بالأغلبية، في حين أن بعضهم قال نحن لا نريد المغامرة بوضع الأموال كلها، ولنجرب في خمسة ملايين فقط ونرى كيف سيكون وضع هذه السندات التي تخص قناة السويس، وبالفعل اتفقنا على هذا وهو ما فعلناه، وهذا عمل أصيل ومسئولية أصيلة لمجلس الاتحاد الذي عليه أن يستثمر أموال الاتحاد بأفضل عائد ممكن، فنحن لم نتبرع بالخمسة ملايين، لكننا عملنا على استثمارها، ونحن طوال الوقت كلما رأينا وعاءً ادخاريا أفضل فنحن ننقل إليه الأموال، فهذه مسألة روتينية تتم طوال الوقت، والدليل على أنها كانت مجرد ضجة مفتعلة أننا حينما كنا في الجمعية العمومية الأخيرة لم نجد واحد من أعضاء الاتحاد معترضا على هذا الأمر بالرغم من أننا عرضناه على الجميع باعتباره ما تم في هذا العام.

 

–        كيف يكون معاش الكاتب في اتحاد الكتاب لا يتعدى 160 جنيها؟

هو في الحقيقة حوالي مائتين جنية أو ما يزيد قليلا، ولكن رغم ذلك يظل سؤالك قائما وفي محله، فكيف يكون معاش الكاتب بهذا القدر بالفعل في الوقت الذي فيه حد أدنى للأجور والدخول، بالتأكيد هذه مأساة خطيرة، ولكن حينما استلمنا الاتحاد منذ حوالي عشر سنوات كانت ميزانية الاتحاد بالكامل 3 ملايين جنيه، واستقدمنا خبيرا اكتواريا من وزارة المالية، وعمل لنا دراسة اكتوارية وأكد لنا أننا خلال بضعة سنوات لن تكون لدينا القدرة على دفع المعاشات؛ لأن ميزانيتنا ضئلة جدا، ولا سبيل لزيادتها، كما ان عدد مستحقي المعاش يزداد من عام لآخر، وأكد أننا في خلال عامين أو ثلاثة سنعجز عن دفع المعاشات في الوقت الذي كان المعاش حينه مجرد 70 جنيها فقط وهو أمر كان مخجلا وما زال، وهذا كان يعني بالنسبة لي مثلا أننا نقول لشخص مثل نجيب محفوظ بك قيمته، أن قيمته عند هذا المجتمع لا تتجاوز السبعين جنيها في الشهر، وبالتأكيد هذا لا يليق، فاضطررنا إلى تزويد الموارد، وحصلت على تبرعات منها 20 مليون جنيه من حاكم الشارقة، خمسة منهم للمعاشات، و15 للعلاج طبعا هذا المبلغ زاد الآن ووصل إلى 25 نتيجة الفائدة البنكية، وحصلت من رجال الأعمال في مصر حوالي مليون جنيه كتبرعات، وسعيت لزيادة ما كانت تدفعه لنا وزارة الثقافة من حوالي 100000 جنيه إلى 500000 جنيه، وكل هذا مكنا من مضاعفة المعاش في بعض الحالات إلى 300% ولكن يظل سؤالك قائما، وتظل القضية مطروحة بأن هذا المعاش رغم الجهود والزيادة هو مجرد معاش مخجل للكاتب.

 

–        في بعض السنوات كانت لجنة القيد في الاتحاد عبارة عن عضو واحد فقط لا علاقة له بالكتابة الإبداعية، كما رُفضت بعض العضويات بدعوى أن الكاتب يكتب كتابة جنسية، أليس الاتحاد هو الجهة المنوط بها الدفاع عن الكتاب، وكيف تكون لجنة القيد من عضو واحد فقط؟

لجنة القيد لم تكن يوما شخص واحد، فهي حسب نص القانون يرأسها نائب رئيس الاتحاد، ومعه عضوين من المجلس وبالتالي فهي على الأقل ثلاثة أشخاص، وبالتالي فالخطوات المتفق عليها هي أن لجنة القيد قد ترى أن عمل المتقدم للعضوية هو عمل فريد وعظيم وبالتالي تقبله كعضو بشكل مباشر وهذا من حقها، وقد ترى أنه لا يرقى للمستوى فترفضه، وهذا أيضا حقها وفق القانون، إنما معظم الحالات لا يكون من السهل أن تطلق حكما مباشرا وسريعا، وبالتالي يتم إحالة أعمال المتقدم للعضوية إلى فاحص، وإذا أيد هذا الفاحص رأي اللجنة يتم الأخذ به، وإذا كان رأيه مختلفا عن رأي اللجنة يتم إرساله إلى فاحص آخر فيصبحون ثلاثة، وهذا ما كان يتم، وبالتأكيد ليس كل قرارات اللجنة كانت تعجب الآخرين؛ ولذلك كانت هناك لجنة التظلمات، فأنا حينما استلمت الاتحاد رغم أن لجنة التظلمات منصوص عليها في القانون فهي لم تكن قد شُكلت منذ إنشاء الاتحاد، وشُكلت لأول مرة بعدما توليت الاتحاد وهي برئاسة رئيس الاتحاد، وكنت أنظر في تظلمات المتقدمين ممن رفضتهم اللجنة، وهذه اللجنة فيها مستشار قانوني، ومندوب عن وزارة الثقافة، وعضو من المجلس، وبرئاسة رئيس الاتحاد، وبالتالي كنا نعالج بعض الشكاوى، ولكن مثل كل شيء في البلد لا أستطيع القول أن الاتحاد قد وصل إلى مرحلة الكمال.

 

–        هل تركت صحبتك لنجيب محفوظ بأثرها على حياتك الأدبية؟نجيب محفوظ

هو أثر لا يمكن تبينه، لأن هناك بعد القراءات التي تقرأها تترك بأثرها عليك بشكل مباشر، وهناك الكثير من الكتاب الذين من الممكن أن تقول عنهم، أنه قد تأثر بفلان في هذه المنطقة، أو كتاباته تنحى منحى تذكرك بكاتب آخر، وهذه كلها تأثيرات مباشرة وواضحة ومن السهل تبينها، إنما الكتاب الكبار الذين تشكل الوجدان وفق كتاباتهم، والذين لهم تأثير كبير على الإنسانية مثل شكسبير، وجوته، ومحفوظ وغيرهم فتأثيرهم هو تأثير الماء والهواء، وبالنسبة لي فمحفوظ قد تأثرت به بشكل كلي، ولا أستطيع تبين مواضع معينة في كتاباتي كي أقول أن هذه من تأثير نجيب محفوظ، ولعل سبب ذلك أني حينما اقتربت منه كنت قد بدأت الكتابة بالفعل، وكانت شخصيتي الأدبية قد تشكلت، لاسيما وأني في ذلك الوقت كنت كاتبا مسرحيا، وكنت متصورا أني سأظل كاتبا مسرحيا، وأذكر أنه كان واعيا لهذا الفارق بيننا؛ لأنه حينما تعرض للحادثة وبات غير قادر على الكتابة، وقرر أن يتحول عموده في الأهرام إلى حوار أسبوعي اختارني أنا كي أجري معه هذا الحوار كل أسبوع، فسألته عن سبب اختياره لي أنا، فقال لي لأننا مختلفين، فأنت كاتب مسرحي، وأنا روائي، وأنت ابن جيل ثورة 1952م وأنا ابن جيل ثورة 1919م، وعدد لي الاختلافات، وأكد أن هذه الاختلافات ستجعل من الحوار حوارا حيا، لأنه لا يريد أن يجري حوارا مع أحد كلما قال له شيئا يقول له آمين، وإنما يناقشه، ومع ذلك لا أستطيع القول أنه لم يؤثر في، بل أثر في كثيرا لكني لا أستطيع تبين المواضع المحددة التي أثرت في تكويني الأدبي بشكل عام.

 

–        حينما أهديت مجموعتك القصصية “الرجل الذي عادت إليه ذاكرته” لنجيب محفوظ أعادها إليك وبها تعديلات بالقلم الرصاص، وبها أيضا عبارة “قرأت مجموعتك واستمتعت بها وأبديت بعض الاقتراحات علها تعجبك، ولو لم تعجبك امحها بالأستيكة”، كيف كان شعورك حينها كمبدع يتم التعديل في كتابته؟

أول ما شعرت به هو القلق والدهشة حينما أُعيدت لي المسودة مرة أخرى؛ لأني أهديتها له قبل نشرها، بمعنى أني أعطيت له الطبعة الأخيرة التي جاءتني من المطبعة قبل النشر، ولكني فوجئت به يعيدها لي مرة أخرى، وهنا خشيت أن يكون قد غضب لأني أعطيته مسودة كتاب، وليس كتاب مطبوع، وهذا كان أول شعور شعرته من أن أكون قد أغضبته، ولكن الشعور الثاني هو أني كدت أبكي حينما قرأت هذه العبارة لأكثر من سبب، أني حينما أهديتها له لم أقل له “أرجوك اقرأها وصلح الأخطاء”، فمن يجرؤ على قول هذا لنجيب محفوظ، وإنما حينما أهديتها له فلقد كنت أحييه وأقدره، لكني فوجئت أنه وجد من الوقت ما جعله يقرأ هذه القصص، بل ويصححها أيضا، فكان هذا أول شعور هزني بالفعل، كما ان عبارته التي كتبها والتي تُعبر عن تواضعه الجم، جعلتني أتساءل: “من يستطيع مسح ما كتبته يد نجيب محفوظ؟”، ولقد كانت هذه من اللحظات التي أثرت في كثيرا؛ لن محفوظ كان شيئا عظيما وأنا كنت في بداية حياتي، وهذه مجموعتي الأولى، ولقد اكتشفت أنه لم يفعل هذا معي فقط، لكنه كان يفعل ذلك مع الناس كلها، وهذا هزني كثيرا.

 

–        كيف ترى أداء وزارة الثقافة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وهل قدمت الوزارة شيئا يُذكر في هذه الفترة الماضية؟

من الصعب الحكم على وزارة الثقافة، أو على أي وزارة في ظل المرحلة المضطربة التي تلت الثورة، فهذه الاضطرابات والتخبط السياسي، والانتكاسات التي حدثت والتي كان أكبرها وصول الإخوان للحكم، كل هذا مناخ لا يُساعد على الانتاج، ولا الاستقرار الذي تستطيع معه أي وزارة من الوزارات أن تؤدي عملها، لكني أعتقد أننا وصلنا الآن إلى الطريق الذي يؤدي إلى الاستقرار، وبدأنا فيه وأظن أن وزارة الثقافة في المرحلة القادمة سيكون عليها مسئولية كبيرة جدا مرتبطة بما ورد في الدستور، وما ألزمها به الدستور من ضرورة وضع سياسة ثقافية تضمن وصول الثقافة إلى جميع المواطنين، وهذا سيفرض عليها سياسة جديدة تماما سواء أرادت أم لم ترد.

 

–        كيف ترى الوضع الشائك ما بين وزارة الثقافة والمجتمع من جهة وبين الأزهر من جهة أخرى؟

أرى أن الأزهر في بعض الأحيان يتدخل فيما لا يجب التدخل فيه، فالأزهر جهة دينية سعدنا حين أصدر وثيقته عن الحريات بعد الثورة، وشاركنا في إصدارها معه، لكني كنت أتصور أن هذه الوثيقة تُمثل إعلان موقف الأزهر من الثقافة، وليست فاتحة لكي يكون للأزهر باع وضلع ويد في النشاط الثقافي، فالدين له مجاله، والثقافة لها مجالها، ومعظم المرات التي حدث فيها خلاف بين الجانبين لم يكن في أمور دينية، لكنها كانت في أمور ثقافية لم يكن للأزهر أن يخوض فيها، أو يتدخل فيها، أتمنى من الأزهر ان يركز على الفكر الديني وأن يؤدي المهمة التاريخية التي نتطلع إليها وهي إعادة النظر في التراث الديني الذي به الكثير مما لا يتفق مع صحيح الدين، ويكفي النظر إلى مقررات هذه المدارس الأزهرية الموجودة، فهناك في مصر ما يقرب من 9000 مدرسة أزهرية، ويجب أن ننظر في مقررات هذه المدارس التي يشيب لها الولدان حين نجد ما يدرسونه لهؤلاء الطلاب، وستعرف حينئذ لماذا نشأ لدينا جيلا مغيبا يميل إلى التطرف والتشدد الذي يؤدي في الكثير من الأحيان إلى الإرهاب، فهذه الكتب التي تُدرس تقول أن المؤمن من حقه أن يقتل من ليس مؤمنا من دون الرجوع إلى أولي الأمر، بل أن من حقه أيضا أن يأكل لحمه، ولقد كتبت في هذا الموضوع من عامين، ولم يتم النظر فيه أو تعديله إلا بعد ان تعالت الدعاوى بضرورة التعديل في التعليم الديني، وهنا يكفي الأزهر أن يقوم بهذه المهمة الجليلة التي نتمنى أن يتممها رغم كل الصعاب الموجودة لديه، وأن يدعه من الثقافة ويتركها لرجال الثقافة، فهناك من يمضون حياتهم بأكلمها في دراسة الأدب والفن والفكر وينالون درجات الدكتوراه في البحوث الخاصة بهذه المجالات ولا يصح أن يأتي شيخ كي يبدي رأيه، أو يصادر على رأي مثل هؤلاء في مجال هم أصحاب التخصص فيه.

 

–        ألا ترى أن كثرة الفتاوى سواء من مؤسسة الأزهر أو من الجماعات السلفية، وعدم عقلانيتها قد أدت في الآونة الأخيرة إلى شيوع ظاهرة الإلحاد والعلمانيين؟

ليس بالضرورة، فأنا أظن أن المناخ السائد بعد الثورة، وكيف أصبح من حق أي إنسان أن يقول أي شيء، وطبعا هناك الكثيرون يقولون كلاما فارغا مستغلين هذا الوضع، أقول أن هذا المناخ الذي سمح بحرية كبيرة لم تكن متاحة من قبل، وهي تتجلى بشكل واضح في الصحافة، هذا ما ساعد أن يعبر جميع الناس عن أفكارها بمن فيهم الملحدين، فالملحدين لا أعتقد أن إلحادهم نتيجة مباشرة لفتوى من الفتاوى، لأن الملحد ليس ضد الفتوى، بل هو ضد فكرة الدين، أو الإله نفسه، وهذه مسألة تختلف تماما، وأعلى بكثير من مستوى الفتوى، فمن يعارض الفتوى في معظم الأحيان يكون هو المؤمن الذي يرى أن هذه الفتوى تمثل نوع من الخروج عن صحيح الدين، ولكن الملحد قد ينظر فيها كي يدلل بها على صحة موقفه وكأنها هي صحيح الدين، فيقول ها هو الدين الذي يقول اقتلوا، ولذلك فأنا ضد الدين، وفي هذا فالملحد يتفق مع هذه الفتاوى ولا يعاضها؛ لأنها تؤكد وجهة نظره، وهو يؤكد وجهة نظرها بأن هذا هو صحيح الدين.

 

–        هل تعتقد أن علاقتك بنجيب محفوظ كان لها من الأثر ما أفادك في حياتك العملية؟

ليس في حياتي العملية؛ لأن نجيب محفوظ لم يكن رئيسا للجمهورية، ولا رجل صاحب سلطة بحيث يفيدني في حياتي العملية، ولكنه أفادني فيما هو أهم وأكبر من حياتي العملية حين اختارني من بين كل من يعرفهم كي أمثله في احتفالات نوبل، واكون أنا الذي ألقي خطابه أمام الملك، فهذا نوع من التشريف يعلو على أي خدمة كان من الممكن أن يقدمها لي أي شخص في حياتي العملية، فهو شرفني واختارني لهذه المهمة، ثم حينما اختارني كي أكتب له حديثه الأسبوعي في الأهرام، وظل يختارني طوال الوقت، فحينما ضُرب في رقبته وعجز عن استخدام يده اليمنى، وكان هناك بعض الأشياء التي كان لابد أن يوقعها كأوراق نقدية أو عقود، قرر أن يصنع ختما، ولم يأتمن أحد على صناعة هذا الختم سواي، فطلب مني أن أصنع هذا الختم وأوصاني بألا أخبر أحد بهذا الأمر، وبالفعل سألت حيث لم أكن أعرف كيف أصنعه، وذهبت إلى شارع محمد علي، وقلت للرجل الذي يصنع الأختام أريد صناعة ختم فقال لي ما هو الاسم، فقلت له نجيب محفوظ، فاندهش الرجل وقال لي نجيب محفوظ هيعمل ختم؟ فقلت له لا، إنه مجرد تشابه أسماء، فقال لي: “سبحان الله يا أخي، اتنين نجيب محفوظ، واحد خد نوبل، والتاني أمي مبيعرفش يكتب”، أعتقد أن هذه الحادثة وحدها هي أكبر من أي خدمة من الممكن أن يقدمها لك أحد في حياتك العملية، وأنا ما زلت معتز بكل هذا، وهناك بيت شعر إنجليزي يقول “من الأفضل أن تكون قد أحببت، وفقدت من ألا تكون قد أحببت على الإطلاق”، فنجيب محفوظ مع رحيله سبب لنا ألما وحزنا كبيرين، لكننا محظوظين بأننا عشنا في عصره.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمود الغيطاني and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.