خصوم لويس عوض والعداء للغة العلم

طلعت رضوان طلعت رضوان

فى القرن التاسع عشر تعرّض الشعب الأفغانى للاستعماريْن الإنجليزى والروسى، بهدف السيطرة على موارده، من خلال تعيين وتثبيت (زعماء) أفغان يدينون بالولاء لمن أجلسهم على كرسى الحكم، كما حدث فى النصف الثانى من القرن العشرين فى الصراع بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية. وقد تعرّض لويس عوض فى كتابه (تاريخ الفكر المصرى الحديث – من عصر إسماعيل إلى ثورة 1919- ج1- مكتبة مدبولى- عام 86) لدور جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى فى الصراع بين بريطانيا وروسيا. 

وقد تعمّد الأصوليون تشويه شخص المفكر الكبير لويس عوض، فادّعوا أنه إتهم جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى بأنه كان جاسوسًا وعميلا للروس وخادمًا لمصالح الخلافة العثمانية وللاستعمار الغربى. وتشويه شخص لويس عوض لم يقتصر على الأصوليين الإسلاميين فقط، وإنما شمل كثيرين من كبار المتعلمين المصريين المحسوبين على الثقافة السائدة البائسة. فما هى الحقيقة كما ذكرها لويس عوض فى كتابه عن الأفغانى ؟ 

تعرّض لويس عوض للصراع بين إنجلترا وروسيا للسيطرة على أفغانستان فى النصف الثانى من القرن19. وقد استغلتْ هاتان الدولتان الطموح الشخصى لإعتلاء كرسى العرش الذى تسبّب فى نشوب حرب أهلية طاحنة بين الأخويْن (أعظم خان) و(شيرعلى خان) وهو أمر شبيه بما حدث بعد انسحاب الإتحاد السوفيتى من أفغانستان، حيث دار القتال الضارى بين الفصائل الأفغانية التى تـُمولها المخابرات الأمريكية. والنتيجة أنّ أفغان يُحاربون أفغان مثلهم، والمُستفيد والمُحرك قوى استعمارية تسعى إلى السيطرة والنفوذ.  

فى عام 1863 مات أمير أفغانستان القوى (دوست محمد خان) وخلفه ولى عهده (شير على خان) وسرعان ما دار قتال بين أبناء (دوست) وبين أحفاده. فى هذا الصراع استولى (أعظم) على العرش مكان أخيه (شير) ثم استمر القتال الذى أسفر عن هزيمة (أعظم) وطرده من أفغانستان. وكان أعظم فى البداية مواليًا للإنجليز فأقام فى الهند لاجئـًا سياسيًا من مايو1864حتى إبريل65 ثم اختلف مع الإنجليز وعاد إلى بلاده واستأنف القتال حتى استولى على كابول فى فبراير1866، وظلّ جزء من أفغانستان فى قبضة (شير) ولكن الإنجليز رفضوا الاعتراف ب (أعظم) أميرًا على أفغانستان بحجة أنّ جزءًا من البلاد لا يزال فى قبضة (شير) وهنا بدأ (أعظم) يُهدّد الإنجليز بأنه سوف يتحالف مع روسيا. ولأنّ الولاء للوطن (من وجهة نظر أى أصولى أو أى مُـستبد) يأتى فى المرتبة الثانية بعد شهوة اعتلاء كرسى العرش، لذلك حاول أنْ يحظى بتأييد الروس والإنجليز، ولكنه فشل وانتهتْ فترة حكمه عام 1868 بانتصار(شير) الموالى للإنجليز. 

من الدروس المهمة التى استنتجها لويس عوض من خلال الوثائق التى اعتمد عليها فى تحليله لأسباب هزيمة (أعظم) على رأسها أنه كان يُهادن الدولتيْن الاستعماريتيْن (إنجلترا وروسيا) إذْ كان يطمع فى حماية بريطانية رغم أنه كان يتلقى أموالا روسية، مما جعله يفقد عطف الطرفيْن فلا تعترف به بريطانيا ولا تعترف به روسيا. وهكذا فاز فى الصراع (شير) الذى كان صريحًا فى ولائه للإنجليز، صريحًا فى عدائه للروس.  لويس عوض

فى هذا الصراع بين (أعظم) و(شير) وقف جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى فى جبهة الأول ضد الثانى. فلما انهزم (أعظم) قبض المُنتصر(شير) على جمال الدين الأفغانى ووبّخه لأنه كان يخدم (أعظم) الذى لا يُقيم وزنـًا للدين، فردّ الأفغانى بأنه لم يخدم (أعظم) باختياره، وأنه الآن سعيد بانفصام العرى بينهما، فصفح عنه الأمير المُنتصر، وأمر له بدار وكسوة ومرتب شهرى. 

علـّق لويس عوض على هذا الصفح بأنه غير مألوف فى الحروب والثورات حيث ترتفع المشانق أو تـُفتح السجون للفاشلين. ورأى أنّ موقف الأمير المُنتصر سببه أنّ الأفغانى ((استطاع خلال فترة تحديد إقامته النسبية أنْ يُقنع (شير) بأنّ صيانة استقلاله واستقلال أفغانستان يقتضيان منه ألاّ يعتمد على إنجلترا وحدها وضرورة التعاون مع روسيا التى لا يهمها من يحكم أفغانستان، وإنما يهمها أنْ يكون حاكم أفغانستان غير خاضع للنفوذ البريطانى، وهى (روسيا) لذلك على استعداد لتأييد (شير) نفسه (ومدّه) بالمال أو بالسلاح أو بكليهما ليُدعّم قوته فى مواجهة انجلترا)) 

لعلّ نصيحة الأفغانى هذه أنْ تكون المفتاح أو المدخل لفهم موقف الإنجليز منه إزاء هذا الصراع حيث إتهموه بالعمالة لروسيا، إذْ كتب الوكيل البريطانى فى كابول ((أمكن التأكد من أحد رجال البلاط أنّ السيد الرومى (اسم جمال الدين فى هذه الفترة حيث غيّر اسمه أكثر من مرة) كشف عن شخصيته للأمير بوضوح على أنه عميل روسى وأعرب عن رغبته فى إقامة تحالف بين الحكومتيْن الروسية والأفغانية)) ولكن الأمير ردّ قائلا ((أنا أعرف جيرانى معرفة تامة وأعرف ظروف الحكومة الروسية معرفة تامة. وأنّ استمرار إقامتك فى هذه البلاد منافٍ لرغبتى)) وبالفعل أمر الأمير بطرد الأفغانى من أفغانستان عن طريق قندهار. وإذا كانت بريطانيا صدّقتْ مراسليها الذين أكدوا فى تقاريرهم على أنّ الأفغانى (عميل للحكومة الروسية) وإذا كان الأصوليون الذين تعمّدوا تشويه كتابات لويس عوض وكتبوا أنه إتهم الأفغانى بالعمالة لروسيا، فإنّ كتاب لويس عوض (256صفحة من القطع الكبير) هو دراسة تحليلية (فى ضوء الوثائق والشهادات والمراجع التى تناولتْ شخصية الأفغانى) لمجمل الأحداث التى كان الأفغانى شريكـًا فيها. أما رأى لويس عوض الشخصى فى مسألة عمالة الأفغانى فكتب ((هل كان الأفغانى عميلا للروس كما توحى الوثائق البريطانية؟)) وردّ لويس عوض على هذا السؤال ((إنّ عمالة الأفغانى للروس لا دليل عليها إلاّ فى الوثائق البريطانية، يؤيدها بعض تصرفاته الغامضة المُريبة. ولكن معرفتنا بالاستعمار البريطانى تدلنا على أنّ الإنجليز كالأمريكيين اليوم كانوا يصمون زعماء الحركات الوطنية بالشيوعية أو العمالة للروس، ولذا وجب أنْ ننتفع من الوثائق البريطانية باحتياط شديد وأنْ ندرس ما تسرده من وقائع دون أنْ نقبل ما تنطوى عليه من أحكام.. إلخ)) 

يتضح من هذا الاقتباس أنّ لويس عوض لم يتهم الأفغانى بالعمالة للروس، وأنّ الإتهام جاء من الإنجليز، بل إنّ لويس عوض حذر من الوثائق البريطانية. وأنّ الانتفاع بها يجب أنْ يكون ((باحتياط شديد)) وأكثر من ذلك نشر لويس عوض وثيقة أخرى كتبها الأفغانى عام 1868وهو فى كابول عاصمة أفغانستان بالنثر الفارسى المسجوع بعد صدور الأمر بطرده من أفغانستان، وهى عبارة عن مقطوعة أدبية قال فيها الأفغانى عن نفسه ((الإنجليز يعتقدون أنى روسى. والمسلمون أنى مجوسى. والسنة يحسبون أنى رافضى. والشيعة يخالون إنى نصيبى. وبعض أصحاب الرفاق الأربعة (غالبًا يقصد الأئمة الأربعة- ل.ع) يعتقدون أنى وهابى. وبعض أتباع الأئمة (الإثنى عشر- ل.ع) يتوهمون أنى بابى. المؤمنون بالله يظنون أنى مادى. والأتقياء يتصورون أنى خاطىء مجرد من التقوى. العلماء يعدوننى جهولا. والمؤمنون يظنون أنى كافر. ولكن لا الكافر يدعونى إليه ولا المسلم يعدنى من ذويه. منفىٌ أنا من المسجد. منبوذ من المعبد. وهكذا فإنى حائر لا أعرف على من أعتمد ولا على من أشهر الحرب. ولو تنصّلتُ من عقيدة أقررتُ الأخرى. ولو أقررتُ عقيدة شددتُ أزر أصحابها على ما يُناقضها. ولا سبيل إلى الفرار من قبضة أى فريق. ولامكان لى فى قتال أعدائه. جالسٌ أنا فى كابول مُكبّل اليديْن. كسير الساقيْن. أنتظر أنْ أرى ستار الغيب يُسفر لى، فأرى أى قدر خبّأه لى دوران هذا الفلك الشرير)) 

فى هذه الوثيقة المهمة التى نشرها لويس عوض فى كتابه (ويتجاهلها الأصوليون تمامًا) فإنّ الأفغانى (فى لحظة مكاشفة مع الذات) يعترف اعترافـًا صريحًا بإتهام الإنجليز له بالعمالة لروسيا وأكثر من ذلك فإنه يعترف بأنّ آراء المُعاصرين له (من الدول والأفراد) عن شخصه فيها التعارض والتعبير عن التناقض. وبالتالى فإنّ هذه الوثيقة تؤكد حالة الغموض التى أحاطتْ بجمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى، ذلك الغموض الذى شدّ انتباه الكـُتاب الذين يحترمون لغة العلم (وبالتالى يحترمون عقل القارىء) فأشاروا إلى ذلك الغموض وتلك الريبة فى شخصية (الأفغانى) أمثال د. سميرة بحر، أ. البرت حورانى، د. هالة مصطفى، لذا أعتقد أنّ دراسة لويس عويض عن الأفغانى تتمثل فى محاولة (تفكيك) هذا الغموض وإرجاعه إلى عناصره الأولى. ولم يكن هدف لويس عوض التشويه المُتعمّد أو غير المُتعمّد كما فعل خصومه أثناء حياته. وكما يفعل خصومه (بعد وفاته وحتى الآن) لمجرد أنه رفض أنْ يكون نسخة كربونية من الثقافة المصرية السائدة البائسة. 

This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Figures أعلام العلمانية, طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.