مرة أخرى…هل يقدر أصحاب الفضيلة؟

 د. علي مبروك  علي مبروك

إذا كان الأزهر قد نشأ – حسب ما هو معلوم – كأداة لسلطة الشيعة، فإن ما جرى من تبدُّل السلطة قد أجبره على الانخلاع من مذهب الشيعة ليتبنى مذهب الدولة الجديدة.

وإذا كان الأيوبيون – وهم أصحاب الدولة الجديدة – قد قاموا بتحييد الأزهر، بل حتى إغلاقه عبر إبطال صلاة الجمعة فى رحابه، بعد أن أدركوا أنه لا سبيل إلى نجاح خططهم فى استئصال المذهب الشيعى من مصر إلا بهذا التعطيل، فإنه يبدو أن الأزهر قد استوعب الدرس من هذه المحنة التى استمرت على مدى مائة عامٍ تقريباً(1171- 1267م). وهكذا فإن الأمر لم يقف به عند حد تبنى المذهب السنى الذى استقدمت الدولة الجديدة الدعاة لينشروه فى مصر من مختلف البلاد الإسلامية، بل إنه قد بالغ فى التعصب له تكفيراً فيما يبدو عن انتسابه الشيعى السابق.

ولقد جاء المذهب السنى إلى مصر بجناحيه (الشافعىفى الفقه، و(الأشعرىفى العقيدة؛ حيث كان «الأيوبيون من الغلاة فى المذهب الشافعى، وكانوا من أتباع الأشعرى». ولم يختلف عنهم من خلفوهم فى احتياز السلطة على مصر من المماليك الذين أخذ أحد أمرائهم (بدر الدين بيلبك الخازندار الظاهرىعلى عاتقه أمر استرجاع ما كان للأزهر من نفوذ قبل الأيوبيين. فقد «أنشأ منبراً ومقصورة رتب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإمام الشافعي، ورتب فى المقصورة أيضاً مدرساً للحديث، وسبعة قرَّاء لتلاوة القرآن الكريم. ورصد الأوقاف الدَّارة للإنفاق على تنفيذ هذا البرنامج، واسترد نائب السلطنة للجامع الأزهر الكثير من الأوقاف المحبوسة عليه، والتى كان بعض الناس قد اغتصبوها فى أثناء حكم الدولة الأيوبية». ولقد كان لزاماً أن يرث الأزهر «من هنا التعصب المذهبى الشديد(للشافعى والأشعرىإلى حد الإفتاء بالكفر وعدم صحة الاقتداء بالمخالف فى المذهب (العقائدى؛ وخصوصاً بعد ما بدا من أن «العلماء قد أصبحوا فى هذا العهد وما تلاه من عهود المماليك يعتمدون على الدولة، وما تعطيهم من إعانات، وما تدره عليهم من غلات أوقاف، أو نظارات فى حياتهم، مما مكَّن للدولة من بقائهم فى صفها»؛ وبما يترتب على ذلك من فهم تعصبهم الزائد لمذهب الدولة.

ولقد كان لابد أن يؤدى هذان العاملان إلى حصول ما جرى من التطابق الكامل بين الأزهر والمذهب؛ وعلى النحو الذى جعل منه (أى الأزهرمؤسسة مذهبية بامتياز. وبطبيعته، فإن كل كيان مذهبى لابد أن تنتهى به الحال إلى وضع الجمود والانغلاق؛ وهو الوضع الذى آل إليه الأزهر فعلاً بحسب ما ظهر جلياً لأحد أهم أعلامه فى القرن التاسع عشر، وهو الأستاذ الإمام محمد عبده. ورغم ما يلزم قوله من أن بعضاً من رجال الأزهر قد لعبوا أدواراً سياسية واجتماعية مشهودة انحازوا فيها إلى عوام المصريين فى مواجهة اعتسافات السلطة الغاشمة ومظالمها، فإنه يبقى أن ذلك لا يغير شيئاً من حال الجمود التى كانت عليها المؤسسة. وإذ يبدو أن الجمود هو قرين المذهبية، فإنه يمكن تصور أن أى محاولة لتخليص الأزهر من جموده لابد أن تربط نفسها بالسعى إلى إخراجه من ضيق المذهبية. وعلى الرغم من أن بعضاً من رجال الأزهر الكبار، كالأستاذ الإمام محمد عبده وفضيلة الشيخ محمود شلتوت، قد حاولوا ذلك فعلاً وأظهروا قدراً من الانفتاح على المذاهب المغايرة كجزءٍ من السعى إلى إخراج الأزهر من هذه المذهبية الضيقة. وهكذا فإنه إذا كان الأستاذ الإمام قد انفتح على مذهب المعتزلة (فى العقيدة)، وأفتى الشيخ شلتوت بجواز التعبُّد بالمذهب الجعفرى (فى الفقه)، فإنه يبقى أن هذه الجهود قد ظلت فردية، ولم تؤثر على وضع المؤسسة ككل.

ولسوء الحظ، فإن المذهب (الشافعى/الأشعرىالذى انحاز إليه الأزهر، وتعصب له، لم يكن سجناً له وحده فحسب، بل إنه كان بمثابة سجنٍ ينحبس داخله العالم والإنسان والعقل جميعاً. فإنه إذا كان القول فى المذهب الأشعري، فى العقائد مثلاً، يحيل إلى جملة مفاهيم كلية تحكم كل ما يرد تحتها من أقوال؛ وبكيفية تجد فيها هذه الأقوال النظام الذى يجعلها قابلة للفهم والتفسير، فإنه يمكن القول بأن مبدأ «الإطلاقية» هو بمثابة الثابت الذى تتمحور حوله جميع الأقوال المنطوقة فى إطار المذهب/الخطاب الأشعري. وتعنى هذه الإطلاقية أن موجوداً أوحد هو الذى يتفرَّد دوماً بالفاعلية والتأثير الحقيقي، وأن كل ما سواه هى محض موجوداتٍ شبحية لا حقيقة لها فى ذاتها، بل من حيث هى علاماتٍ تدل على هذا المطلق، أو من حيث هى أدواتٍ يستخدمها.

وهكذا يصبح العالم – ضمن هذه الإطلاقية – مجرد علامة، كما يصبح الإنسان مجرد أداة. وإذا لم يكن من معنى لكون الإنسان «أداة» يستخدمها غيره إلا أنه لا قدرة ولا فاعلية، فإنه لا معنى لأن العالم هو مجرد «علامة» إلا أنه لا معنى له فى ذاته؛ حيث إن العلامة لا يكون لها معنى فى ذاتها، بل إن معناها يأتى مما يقف وراءها وتشير إليه. وليس من شك فى أن عالماً كهذا هو عالمٌ غير محكومٍ بقوانين موضوعية يمكن للعقل أن يكتشفها ويستثمر معرفته بها فى تحسين واقعه وتغييره للأفضل. وهكذا فإن حضور العالم كمجرد «علامة» يعنى أنه لا يمكن أن يكون موضوعاً لعقلٍ يسعى إلى اكتشاف قوانينه والعلم بها، بقدر ما تكون موضوعاً لعقلٍ يسعى إلى الاستدلال منها على ما يقوم وراءها. وإذن فإنها تفتح الباب أمام تبلور العقل «الاستدلالى» الصوري، وليس العقل «الكشفي» العلمي. وهذا العقل الاستدلالى هو – فى جوهره – عقلٌ لاهوتى دائرى مغلق، لأنه ينتهى إلى النقطة نفسها التى يبتديء منها. فإن ما يقوم وراء العلامة يكون هو نقطة البدء والمنتهى أيضاً.

وهكذا فإن الإطلاقية تنتهى إلى عالمٍ بلا معنى، وإنسانٍ بلا قدرة، وعقلٍ دائريٍ مغلق؛ وبما يعنيه من الإفقار الكامل لكلٍ من العالم والإنسان والعقل. فهل يقدر أصحاب الفضيلة على تفكيك تلك الإطلاقية؟!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. علي مبروك and tagged , . Bookmark the permalink.