في كتاب “اللغة المصرية الحديثة”: المصريون يخترعون لغتهم

 محمود الغيطاني    محمود الغيطاني     

هل ثمة لغة أخرى غير اللغة العربية الفصحى التي نعرفها، وهل إذا وُجدت هذه اللغة من الممكن لها أن تحتل مكان اللغة الفصحى، ومن ثم تتبادل اللغتان الأدوار فتحل هذه مكان الأخرى، وعلى فرضية حدوث ذلك فهل تكون جهود جميع علماء اللغة الذين بحثوا فيها، وأمضوا أعمارهم كلها في هذا البحث قد مضت من دون أي فائدة، وصارت هذه البحوث مجدر دليل في التاريخ على وجود شيء ما قد اندثر، وهل سيأتي اليوم الذي نذكر فيه ابن فارس، وابن جني، وإسماعيل بن حماد الجوهري، ومجد الدين الفيروزآبادي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وابن سيده، وابن منظور، وسيبويه، وابن خروف، وغيرهم باعتبارهم باحثين قد اندثروا مع مرور الزمن، واندثار اللغة التي كانوا يبحثون فيها؟

لعل كل هذه الأسئلة تطرح بنفسها على الذهن حينما نقرأ كتاب “اللغة المصرية الحديثة” للباحث أنطون ميلاد الذي صدر مؤخرا عن “روافد” للنشر والتوزيع، فهو الكتاب الذي يحاول الانتصار إلى لهجة المصريين التي تخصهم بعيدا عن اللغة الفصحى، والتي يسميها الباحث اللغة المصرية الحديثة، التي تجاهلت تماما ما هو متفق عليه من لغة عربية نعرفها، من أجل الانتصار إلى اللهجة المصرية التي نتحدثها كمصريين، وهي اللهجة التي دخلتها الكثير من المفردات الجديدة سواء من المصرية القديمة، أو غيرها من اللغات الأخرى.

وإذا ما تأملنا التاريخ الحديث، وما حاول الكثيرون من الكتاب تقديمه حول اللغة لوجدنا الكثير من الأبحاث التي قدمها الكتاب في هذا الشأن، والتي حاول أغلبها الانتصار من أجل لغة مصرية تخص المصريين بعيدا عن اللغة الفصحى التي يعرفها الجميع، كذلك حاول غيرهم من الأوروبيين الانفصال عن اللغة اللاتينية من أجل وجود لهجات محلية تخص كل دولة أطلقوا عليها اللغة المحلية التي تخص الدولة التي تتحدثها، إذن فمحاولات الانفصال عن اللغة الأم دائما ما يحاول المجددون أن يقوموا بها، وينظرون لها، من أجل أن ينتصروا للهجة الجديدة التي يطلقون عليها لغة.

فنجد أن فرانسيس بيكون قد حدد ثلاثة شروط لنهضة أوروبا منها استخدام اللغات المحلية والتخلص من أعباء اللاتينية، كما يقول لويس عوض في كتابه “ثورة الفكر” إن من أهم العوامل التي أدت إلى ظهور عصر النهضة في أوروبا هو سقوط اللغة اللاتينية، وقد ظهرت الكثير من الكتب التي تحاول الإعلاء من شأن اللهجات المحلية لاسيما اللهجة المصرية على اللغة المعيارية، أو اللغة الفصحى محاولين الانفصال عن هذه اللغة الأساسية سواء في الكتابة، أو الكلام، بل وسحبها على المجال الأدبي أيضا باعتبارها لغة معيارية لنفسها، وليست مشتقة من اللغة الفصحى.

ولذلك يقول المؤلف أنطون ميلاد في كتابه: “مصطلح “اللغة العامية” يُشير إلى لغة منسوبة إلى العامة، وفي المعجم الوجيز: العامة من الناس: خلاف الخاصة، واللغة العامية خلاف الفصحى، والعامي ما نطق به العامة على غير سنن الكلام العربي، وإذا نظرنا إلى واقع العامية سنرى إنها ليست قاصرة على العامة، بل يتعامل بها الخاصة أيضًا، فنراها على ألسنة المارة في الشوارع، ويشرح بها المعلمون وأساتذة الجامعة دروسهم، كما يُكتب بها الأدب بمختلف أنواعه، لذا فليس من المنطقي أن نخلع عليها صفة العامية”، محاولا سوق السبب الذي جعلنا نُطلق عليها هذا المُسمى، وكأنه بهذا يحاول الارتقاء بها، والارتفاع من نظرة اللغويين الذين يرون مثل هذه اللهجة هي بمثابة اللهجة الأقل في المستوى، أو احترام الآخرين، باعتبارها لغة لا تصلح مثلا للآداب، أو التعليم، ومن ثم يكون مثل هذا التعريف للهجة العامية المصرية بمثابة الدفاع عنها أمام الفصحى التي تمتلك من الرصيد ما يجعلها أقوى كثيرا في مواجهة العامية.

ولكن رغم هذا الدفاع عن اللهجة المصرية، فالمؤلف يُقر حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن ” اللغة أوسع انتشارًا عن اللهجة، كما أن اللهجة يتم اشتقاقها عن اللغة بسبب اتساع رقعتها الجغرافية”، وهي حقيقة من الممكن أن تُضعف من موقف اللهجة أمام اللغة المعيارية، وتجعل محاولة اللهجة من التنامي في وجه اللغة من أجل أن تكون هي السائدة أمرا شديد الصعوبة رغم محاولات من ينتصرون لها، ولكن المؤلف يحاول تقوية موقفه حينما يسوق أن “هناك مصطلحان يستخدمان في اللغة الإنجليزية هما

 Egyptian Arabic، أو Arabic Egyptian ويمكن أن نقول إن هذين المصطلحين هما أقرب المصطلحات إلى واقع العامية لما فيها من آثار مصرية قديمة وعربية”، وهو من خلال سوق هذه المصطلحين، أو الكلمتين التي يستخدمها علماء اللغة الأجانب واصفين بهما اللهجة المصرية يحاول أن يؤكد أن علماء اللغويات الأجانب أيضا قد اعترفوا أن هناك لغة مصرية حديثة تختلف تمام الاختلاف عن اللغة المعيارية التي يعرفها الجميع، وأن هذه اللغة المصرية التي تعارف عليها المصريون هي لغة راسخة من الممكن أن تكون هي البديل عن اللغة العربية الفصحى التي يتم التعامل بها، ومن ثم تكون المصرية الحديثة هي الأصل الذي من الممكن أن يحل محل اللغة الأخرى.

كما يحاول المؤلف من أجل تكريس هذه اللغة الإشارة إلى مصطلح ظهر في العقدين الأخيرين، وهو “لغة مصرية حديثة”، حيث يؤمن أصحاب تلك الرؤية بأن العامية ما هي إلا تطور آخر للغات المصرية القديمة، وهنا نتساءل هل هي فعلاً لغة مصرية؟

تقول سناء المصري في كتابها “هوامش الفتح العربي” إن إحلال العرب ولغتهم في تلك المناطق؛ خلق خليطًا من اللغات المُستخدمة والتي هي ليست بالعربية الفصحى التي يستخدمها العرب الأقحاح، وإنما هجين لغوي جديد خاص بمصر ومن هنا يمكن أن ندرك التمييز العنصري ضد المصريين، والكامن في مصطلح “اللغة العامية” فاللغة العامية هي لغة المصريين، وهم العوام خلاف العرب وهم الطبقة الأعلى، وإذا نظرنا إلى العامية فإننا ننتبه إلى أن الشق العربي واضح فيها حتى يُخيل لنا أنها لغة سامية، أو مشتقة من اللغة العربية، غير أننا إذا تمعنا النظر بشكل أوسع – من خلال مقارنة العامية باللغات المصرية واللغات السامية– سنلاحظ إن التقارب بين العامية واللغة العربية ليس بالكبير-وإن كان موجودًا- وفي المقابل سنلمس أوجه شبه عديدة بين العامية وبين اللغات المصرية “المصرية القديمة والقبطية“.

ومن هنا فالمؤلف أنطون ميلاد يحاول الوصول إلى أن اللغة الفصحى التي انبثقت منها العامية، أو اللغة المصرية الحديثة – كما يحاول أن يُطلق عليها من أجل التكريس لها-، هي مجرد لغة أساسية قد آن الأوان لها أن تتصدر المشهد لتتحول الفصحى إلى لغة من اللغات المتحفية التي حفظها التاريخ من أجل أن يدرس اللغويون من خلال ذلك التطور اللغوي الذي حدث في العالم العربي، وكيف حلت لغات أخرى منبثقة منها محلها، كي يدلل من وجهة نظره أن اللغة هي كائن حي يتطور ويتغير تبعا لمستحدثات العصر، وبالتالي فهو يُثبت هكذا أنها لغة متحركة، وليست لغة ثابتة، وهذا ما حدث- كما قال هو- في اللغات الأوروبية التي حاولت التخلي والابتعاد عن اللغة اللاتينية التي شكلت جميع اللغات الأوروبية الأخرى، لتستقل عنها في نظام لغوي يخصها هي بعيدا عن اللغة الأم التي انبثقت منها.

وهنا يحاول المؤلف رصد أربعة أوجه تقارب بين العامية، وبين اللغات المصرية القديمة؛ كي يدلل على أن العامية المصرية هي لغة مصرية جديدة تخص المصريين فقط، فيقول: يمكننا أن نرصد ذلك التقارب في أعمدة اللغة الأربعة:

–        صوتيًا: مثل اختفاء الأصوات البين أسنانية.

–        صرفيًا(الكلمات): فهناك الكثير من الكلمات المستخدمة حتى الآن في حياتنا اليومية، وهناك الكثير من الكتب والأبحاث التي عملت في هذا المجال لتثبت أصل لغتنا، كما أن هناك الكثير من الكلمات والتي تستخدم في اللغة العربية الفصحى، والتي يُعتقد إنها ذات أصول عربية قحة، هي في الحقيقة ذات أصول مصرية أصيلة، ويقول د. مراد كامل “إن العرب قد تأثروا بالمصطلحات المصرية، فالمصريون، مثلا هم من يحددون الجهات بالبحري والقبلي بدلا من الشمالي والجنوبي”، كما يؤكد ذلك الدكتور إميل ماهر إسحق قائلاً: “هناك كلمات كثيرة دخلت اللغة العربية، وأصبحت يُنظر إليها على أنها من اللغة الأدبية النموذجية، من هذه الألفاظ نحو “قبس” التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وصداع، ومشط التي وردت في الحديث النبوي: “الناس سواسية كأسنان المشط”، فالطبيعي أن المصريين قد سبقوا العرب في أسس الحضارة وميادين العلم، ونظم الحكم ومجالات الفن والرياضة، بالتأكيد قد سبقوا العرب في تعريف تلك العلوم والفنون، وعندما نقلت للعرب نقلت بأسمائها ومصطلحاتها المصرية.

–        نحويًا: فعلى سبيل المثال- نجد في لغتنا الفعل المساعد، وهو غير موجود في اللغة العربية.

–         دلاليًا: هناك الكثير من المصطلحات والتعابير، التي لا تمت بصلة ثقافيًا أو دلاليًا إلا لشعبنا الكريم .

ومن خلال ما سبق ندرك أن تسمية “اللغة المصرية الحديثة” على العامية، وهي اللغة الدارجة بين الشعب المصري بمختلف انتماءاته وثقافته هي تسمية سليمة.

ولكن رغم هذا البحث وغيره من الأبحاث المختلفة التي تحاول الانتصار إلى اللهجات في مقابل اللغة الفصحى، أو المعيارية تظل المعركة الشرسة بين الفصحى واللهجات مستمرة، لتظل الفصحى هي الأبقى في أحيان كثيرة، بينما تظل العامية تحاول أن تقتنص لها مكانها.

Print Friendly
This entry was posted in محمود الغيطاني and tagged , , , , . Bookmark the permalink.