الهوان العربى والفكر الأبوى

طلعت رضوان  طلعت رضوان

أعتقد أنّ مأساة الشعوب العربية (مع تحفظى على التعميم، حيث أنّ العرب هم فقط القحطانيون فى اليمن والعدنانيون فى الدولة التى تسمّتْ باسم الحكام) ترجع إلى عدة أسباب، لعلّ أهمها وأخطرها سيطرة الفكر الأبوى، الذى ولــّـد جرثومة (الزعيم الأوحد) وآفة (البطل الفرد) وهى الآفة التى قال عنها الفيلسوف الألمانى هيجل ((ملعون الشعب الذى يعبد البطل، أيًا كان هذا البطل)) أما الفيلسوف البريطانى برتراند رسل فكتب ((ليست عبادة البطل – من الناحية العملية – إلاّ الفاشية)) 

ولأنّ الفاشية نقيض الديمقراطية (الديمقراطية بمعناها الأوسع الاجتماعى والسياسى والثقافى) لذلك اختفتْ الديمقراطية فى الأنظمة العربية (لا فرق بين نظام ملكى وآخر جمهورى، أو بين نظام (رجعى) ونظام (تقدمى) وفق تصنيف مدرسة عبد الناصر العروبية) وبسبب غياب الديمقراطية سادتْ منظومة (الزعيم الأوحد) و(البطل الفرد) وارتبط ذلك بالمأثور العربى الذى لا يعترف بمفهوم (الشعب) أو مفهوم (المواطنين) وقد تأكد ذلك فى قواميس اللغة العربية حيث أنّ ((الشعب على وزن الكعب و(تشعب) من قبائل العرب و(العجم) وهو أيضًا القبيلة العظيمة ثم الفصيلة ثم البطن ثم الفخذ)) (مختار الصحاح- المطبعة الأميرية بمصر- عام 1911- ص 361) أما تعبير (دولة) فهو أيضًا مختلف فى اللغة العربية عن التعريف العصرى، فهو فى القواميس العربية ((الدولة بالضم اسم الشىء الذى يُـتداول. والدولة بالفتح الفعل. ودالتْ يُـداولها بين الناس وتداوله الأيدى. إلخ (المصدر السابق- ص236) أما مصطلح وطن فهو فى قواميس اللغة العربية ((الوطن جمع أوطان. وأوطان الغنم فى مرابضها والموطن المشهد من مشاهد الحرب)) ثم استشهد كاتب القاموس الشيخ محمد بن أبى بكر الرازى) بآية من القرآن ((لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة)) (المصدر السابق- ص753) وعندما بحثتُ عن كلمة (مجتمع) فى حرف الجيم وفى حرف الميم لم أجد لها أى ذكر. أما غياب مصطلح (الشعب) فى التراث العربى/ الإسلامى فيرجع إلى المصطلح الذى أطلقه العرب على أفراد أى مجتمع (رعية) وهو مُستمد من حديث عن نبى االعرب والإسلام محمد الذى قال ((كلكم راع ومسئول عن رعيته.. فالإمام راع ومسئول عن رعيته.. إلخ (صحيح البخارى – رقم 2558) وكرّره كثيرًا نقلا عن روايات عديدة ومختلفة. ولعلّ هذا الحديث يُـفسّره ويُكمله حديث آخر لمحمد قال فيه ((ما بعثَ الله نبيًا إلاّ رعى الغنم)) (البخارى – رقم 2262) أى أنّ المأثور العربى تعامل مع المواطنين/ البشر على أنهم مثل قطيع الغنم.

والسؤال الذى يتجاهله المُـتعلمون المحسوبون على الثقافة السائدة، سواء فى الدول العربية، أو فى مصر التى وصمها عبد الناصر بأنها (عربية) هو : أليستْ توجد علاقة وطيدة بين غياب الديمقراطية وغياب التعريف العصرى لمصطلح (الشعب) ومصطلح (الوطن) ومصطلح (الدولة) وبين ترسيخ آفة (الزعيم الأوحد) وجرثومة (البطل الفرد) وميكروب ((بالروح.. بالدم نفديك يا زعيم الأمة)) حتى لو كان هذا الزعيم قد تسبّب فى خراب بلده وتعاسة شعبه، كما حدث مع الحكام الفاشيست والمُستبدين من عينة عبد الناصر والأسد والقذافى وصدام حسين إلخ. 

وقد انشغل مفكرون كثيرون من (العرب) بموضوع هل يمكن تحديث (الفكر العربى) وكان المفكر الفلسطينى هشام شرابى (1927- 2005) أحد الذين اهتموا بهذا الموضوع وكتب عنه كثيرًا وكانت له مساهمات عديدة نحو (تجديد الفكر العربى) و(الثقافة والوطن) و(مركزية الحوار الأحادى فى الخطاب الأبوى) رغم أنه انضم إلى الحزب السورى القومى عام 1946 وكان من أهم منظريه مع أنطون سعادة. ورغم كثرة الكتابات عن تحديث (الفكر العربى) فإنّ الواقع ظلّ كما هو لا يتحرك وكأنّ الواقع الاجتماعى أشبه بالجبال التى لا يهدمها إلا أعتى الزلازل والبراكين. فهل السبب هو سيطرة الفكر (العروبى)؟ والاهتمام بآسيا وإهمال أفريقيا – حتى مع الدول الواقعة فى قارة أفريقيا (مثل مصر) وهو ما عبّر عنه د. حسن حنفى فى دراسته عن شرابى حيث كتب ((لماذا تفضيل الجناح الآسيوى للوطن العربى على الجناح الأفريقى الذى قد يُـحدث رد فعل عند الجناح الأفريقى على الجناح الآسيوى؟)) وأضاف أنّ الحزب السورى القومى ((قد يصل فى تصوره للقومية إلى حد العرقية أسوة بما كان فى ألمانيا (النازية) خاصة وقد آمن الحزب بالانقلابات العسكرية وتكوين الميليشيات المسلحة لتحقيق أهدافه السياسية، وربما ممارسة العنف كما كان الحال فى حزب (مصر الفتاة) فى مصر. وفى عام 1949 تمّ إعدام أنطون سعادة بعد أنْ سلــّمه حسنى الزعيم حاكم سوريا العسكرى آنذاك إلى لبنان بمحاكمة صورية بتهمة تدبير انقلاب عسكرى فى لبنان)) (مجلة الاتحاد العربى للجمعيات الفلسفية- العدد 9- عام 2003) 

وكان الموضوع الأثير لدى شرابى هو (السلطة الأبوية فى المجتمعات العربية) وأنّ بذرة التخلف العربى وجذوره تعود إلى (المجتمع الأبوى) وكتب صياغة بديعة جمع فيها بين التفاؤل والتشاؤم فقال ((فى منتصف السبعينات كنتُ واثقــًا أنّ العرب على عتبة حقبة تاريخية جديدة)) فماذا حدث؟ أجاب ((والآن بعد مرور أكثر من عشر سنوات أعرف أننى كنتُ على خطأ : عصر الانحطاط (العربى) لم ينته)) (الجمر والرماد- ذكريات مثقف عربى- دار نلسن- بيروت- عام98- ص17) وعن السلطة (الأبوية) فإنها لم تكن لرؤساء الدول فقط، وإنما شملتْ المجتمع بأسره فكتب ((لا أذكر أنّ أستاذا من أساتذتى فى الجامعة اعترف مرة (واحدة) أنه كان على خطأ أو أقرّ بجهل أو عبّر عن شك. كان أساتذتى جميعًا مصادر ثقة لا يعرف الشك مدخلا إلى قلوبهم (الأدق عقولهم) سلطتهم مطلقة وكلمتهم نهائية. وكانوا يعتقدون أنّ سلوكنا الحسن قبول بسلطتهم واستسلام لها)) (ص35، 36)

وكتب شرابى أنّ ثقافة المجتمع العربى (كله) تقوم على القطيعة (مع التراث الإنسانى) وكل طرف يعتقد بإمتلاكه الحقيقة المطلقة. وذكر أنه عندما التحق بجامعة شيكاغو اكتشف بعض التعابير فى اللغة الإنجليزية مثل (نوعًا ما) Somewhat ومثل (على الأرجح) Probably وتعبير (إلى حدٍ ما) To some extent ولذلك فإنّ وهم إمتلاك الحقيقة المطلقة مرتبط بالفكر الأحادى الذى أنتج (المجتمع الأبوى) فكتب ((كان هذا النظام الأبوى فى فلسطين وفى كل الوطن العربى بكل تياراته (الإسلامى والعلمانى) والنقد مجهولا. ومن هذه التجربة الاجتماعية التاريخية تشكــّـل مفهوم (المجتمع الأبوى) بجذوره القبلية والعائلية وأشكاله فى السلطة والخضوع)) (40، 41) ولذلك كان شرابى شجاعًا عندما اختلف مع الثقافة السائدة سواء فى مصر أو فى الأنظمة العربية عندما كتب ((ليستْ مصادفة أنْ يكون مجتمعنا – منذ النهضة- قد عجز عن انتاج مفكر أو عالم أو كاتب واحد على مستوى عالمى، فموهبة الإبداع لا تـُـكتسب ولا تـُستورد من الخارج. المقدرة الخلاقة تكمن فى أعماق الفرد، فإذا أتيح لها المحيط الملائم نمتْ وترعرعتْ وازدهرتْ)) (159) وعندما غادر وطنه الفلسطينى وابتعد عن المنطقة العربية كلها كتب ((لقد نبذتنى يا وطنى.. ولن أرجع إليك)) (ص278) وفى الصفحات الأولى كتب ((المرارة التى نشعر بها اليوم تنبع من هذا المستقبل الذى أفلتَ من يدنا وتحوّل إلى هذا الحاضر. وأصبحتْ الحقيقة التى جمعنا حياتنا حولها رمادًا لا جمر فيه)) (17، 18)  عرب

وقد آمن شرابى أنّ الحقيقة تتغيّر وتولد من جديد كل يوم، ولكن العرب يرفضون (الإيمان) بتلك الحقيقة و(يؤمنون) ب (الثوابت) ومن هنا ((تسود العدمية.. وفساد كل ما هو عربى)) (18) ومثل أى تراجيديا إنسانية كان شرابى يتأرجح بين التفاؤل والتشاؤم، وهو ما عبّر عنه قائلا ((الاحباط واليأس يُـخيّمان على الوطن العربى كله، لكن الظلام لا تشتد حلكته إلاّ عندما يُـقارب الفجر على الانبثاق. هناك بوادر فجر جديد… الهجرة من الوطن تتزايد يومًا بعد يوم، والأمل بالعودة يضعف يومًا بعد يوم، لكن المجتمع البطركى (الأبوى) سيزول وسينتهى عصر الانحطاط (العربى) والنظام الأبوى مُحتم عليه الانهيار (ص12) وأرى أنّ تأرجح هشام شرابى بين التفاؤل والتشاؤم، أو بين الأمل واليأس، هو ترجمة لأزمة (المثقف) النبيل الذى شاء سوء حظه أنْ يولد تحت سنابك الأنظمة العربية، فإذا كان كتابه قد صدرتْ طبعته الأولى سنة 1974 والطبعة الثانية عام 98، فإنّ الواقع – ونحن فى عام 2015- يؤكد أنّ التشاؤم هو السائد وأنّ اليأس هو الطاغى المُسيطر على القلوب والعقول. كما أنّ شرابى أخطأ وهو يكتب سنة74 أنّ النظام الأبوى سيزول، ولم يلتفتْ إلى (الواقع) الذى يؤكد متوالية النظام الأبوى، الذى تجسّد فى يومىْ 9، 10يونيو67عندما خرج شعبنا المصرى (بخلاف الشعوب العربية) للمطالبة باستمرار نبى العروبة (عبد الناصر) فى منصبه رغم أنه هو المهندس الحقيقى لهزيمة يونيو 67(لمن يود التأكد من ذلك عليه الرجوع إلى سلسلة مقالاتى على الحوار المتمدن عن مذكرات ضباط يوليو 1952) وبعد سنة 67 فهل تراجعتْ منظومة النظام الأبوى كما كتب شرابى؟ أم أنها استمرّتْ؟ وإذا كانت قد تراجعتْ فما هو تفسير ظاهرة الملوك ورؤساء الأنظمة العربية، الذين يستمرون فى الحكم ولا يتركونه إلاّ بوسيلة من الوسائل الثلاث الشهيرة : الموت الطبيعى أو الانقلاب أو الاغتيال؟ وأنّ بعضهم مكث فى الحكم لأكثر من ثلاثين عامًا.أى أنّ المنظومة العربية لا تعرف ولا تعترف بآلية (تداول السلطة) ولأنّ كل ظاهرة تحمل تنافضاتها كما قال ماركس عن حق، فإنّ الشعب العراقى الذى كان (يُـقـدّس) صدام حسين (خصوصًا أعضاء حزب البعث) وقفوا يُـشاهودن سقوط تمثاله ثم مشهد إعدامه، ولم يتدخل الإنتماء الأبوى لإنقاذ (الأب- الزعيم الأوحد بطل القادسية كما قالوا عنه) ونفس الشىء حدث مع (الزعيم) القذافى الذى كان مثالا فجـًا للولاء الأبوى، ومع ذلك رفض الليبيون الذين قبضوا عليه تقديمه للعدالة، ولم يكتفوا بقتله فى الشارع (وهو فعل همجى) وإنما أصروا على التمثيل بجثته (قمة الهمجية) خاصة وأنّ العالم كله شاهد ما حدث على شاشات التليفزيون. ولتجسيد دراما التناقض فى العقلية العربية، لابد من الرجوع إلى قصائد المديح التى قالها الليبيون (وغير اللبيين) فى تملقهم للقذافى، أو فى مقالاتهم وكتبهم، وسمح لهم ضميرهم أنْ يقبلوا الجوائز (الأدبية والمالية) من رئيس فاشيستى. ومقارنة ما كتبوه بعد قتله وسحله فى الشوارع على دقات طبول القوات الأمريكية والأوروبية، لدرجة أنّ أحدهم وهو كاتب ليبى يعيش فى مصر منذ عدة سنوات، ويكتب فى معظم المجلات والصحف المصرية بما فيها صحيفة الأهرام وصحيفة القاهرة التى تصدر عن وزارة الثقافة المصرية، وفى جريدة أخبار الأدب (المصرية) وتـُحجز له مساحة أسبوعية لا يتمتــّع بها مصريون كثيرون. هذا الكاتب الليبى (الذى يستمد شهرته من توغله داخل المجتمع الثقافى المصرى وليس من موهبته) كتب كثيرًا مقالات المديح فى العقيد الركن بطل العروبة والإسلام معمر القذافى، وبعد أنْ اختفى القذافى من مشهد الأحداث كتب هذا الكاتب الليبى سلسلة مقالات فى جريدة القاهرة اتهم فيها القذافى بأنه كان يعمل لحساب المخابرات الأمريكية. 

أكتب هذا – ليس بغرض الأساءة لأحد – وإنما للتأكيد على أنّ منظومة (النظام الأبوى) العربية كارثة على الشعوب العربية، وأنها فى كثير من الأحوال تكون أشبه بعلاقة الابن العاق الذى ينقلب على أبيه أو حتى يقتله. وأحيانـًا يحدث العكس، أى أنّ الولاء الأبوى لرؤساء الدول يتحوّل إلى حالة مرضية تحتاج علماء فى علم النفس على مستوى سيجموند فرويد، ولعلّ المثال الشهير هو ما حدث بعد احتلال أمريكا لأراضى الشعب العراقى، فإذا كان من الطبيعى أنّ أى إنسان يمتلك قدرًا من الحس الإنسانى والوعى السياسى، أنّ يُدين هذا التدخل الأمريكى السافر، ولكن الشاعر الكبير (المصرى) عفيفى مطر لم يكتف بإدانة الاحتلال الأمريكى للعراق، وإنما وقف فى أتيليه القاهرة القريب من ميدان طلعت حرب وقال ((أنا ما أجيش مسمار فى جزمة صدام حسين)) وعندما لامه البعض على هذا التعبير شديد الفجاجة، انفعل عليهم وكادتْ أنْ تحدث اشتباكات يدوية، خاصة عندما قال الراحل الجليل بيومى قنديل ((إنّ ما قاله عفيفى مطر تخجل أنْ تقوله أى سيدة مصرية تبيع الفجل)) وقد ذكر الراحل الجليل فرج فودة تلك الواقعة (مع اختلاف بسيط فى التفاصيل) فى كتابه (شاهد على العصر- ج1- إصدار الجمعية المصرية للتنوير- أغسطس95- ص49، 52) فهل الولاء الأبوى لرؤساء الدول هو السبب الذى جعل شاعرًا (كبيرًا) يصف نفسه بالمسمار فى حذاء الرئيس؟ أم لأنه كان عضوًا فى حزب البعث العراقى، أم للسببيْن معًا؟ والأكثر خطورة أنّ آفة النظام الأبوى انتقلتْ من المواطن العادى (الذى لا علاقة له بالأدب أو السياسة أو الفكر) عبْر الموروث العربى، إلى الشعراء والروائيين والباحثين الذين كتبوا الكتب والمقالات فى (تأليه) الملوك والرساء العرب، بل إنّ بعضهم سمح له ضميره أنْ يكتب رواية أو يؤلف كتابًا ويضع اسم (الزعيم) على الغلاف أى أنّ (الزعيم) هو (المؤلف) والأمثلة عديدة مثـلما حدث، خاصة مع عبد الناصر وصدام حسين والقذافى، لذلك كان هشام شرابى على حق عندما كتب أنّ ((عصر الانحطاط العربى لم ينته)) وأعتقد أنه لن ينتهى إلاّ بعد التخلص من (آفات العروبة) ومن بينها آفة الولاء الأبوى للحكام. 

Print Friendly
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , , , . Bookmark the permalink.