اليمن بين الماضى والحاضر

طلعت رضوان  طلعت رضوان

يتعرّض الشعب اليمنى حاليًا للقتل، وبغض النظر عن الأسباب، مع إدراكى لخطورة الدور الذى تتزعمّـه إيران لنشر المذهب الشيعى، ومحاولة فرض هيمنتها على المنطقة، بغض النظر عن هذه الأسباب (وهى مهمة لأى مُحلــّـل سياسى) ولكننى أركــّز على الجانب الإنسانى من المأساة، فإذا كانت السعودية تخشى من المد الشيعى (وهذا حقها) فلماذا لم تطرق وتـُجرّب أية وسائل أخرى (سلمية) قبل قرار ضرب الشعب اليمنى بالقاذفات (الأمريكية)؟ ولماذا لم يتدخل (العرب) لوقف تلك الجريمة فى حق الشعب اليمنى ؟ والمفارقة أنّ الدول (المُـفترض أنها عربية) لم تكتف بعدم التدخل لوقف المذبحة، وإنما انقسمتْ تلك الدول بين مؤيد للغزو السعودى، وبين مؤيد للتدخل الإيرانى. 

وبينما تتظاهر الدولتان (السعودية وإيران) بالدفاع عن الدين (السنى عند الأولى والشيعى عند الثانية) فإنّ حقيقة الصراع أبعد ما يكون عن (الدين) لأنه صراع تقف وراءه القوى الاستعمارية (الأمريكية والأوروبية) من أجل السيطرة على منطقة الخليج (العربى كما يُسميه العروبيون) أو (الفارسى كما يُسميه الإيرانيون) وهذه السيطرة الأمريكية/ الأوروبية تأخذ عدة أشكال : منها ما هو مُـتعلــّـق بالسيطرة على آبار البترول (يحتفظ الخبراء الأمريكيون والأوروبيون بالخرائط الجيولوجية لتلك الآبار، ولا يعلم (العرب) عنها أى شىء، وربما يختلف الأمر- نسبيًا – فى إيران) والسبب الثانى هو (ضخ) الأموال (العربية) فى البنوك الأمريكية والأوروبية، بل وسندات خزانة من (العرب) لصالح الخزانة الأمريكية. وذكر حسن إبراهيم (الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية سابقــًا) إنّ ((رؤوس الأموال العربية المُستثمرة خارج الوطن العربى (فى أميركا وأوروبا) تتجاوز ألف مليار دولار. كما أنّ هذه الأموال تتعرّض لمخاطر عديدة مثل تجميد الأرصدة)) (مجلة الغد العربى- العدد العاشر- يناير99- 27) وعندما كان د. إبراهيم قويدر يشغل منصب المدير العام لمنظمة العمل العربية أدلى بتصريح قال فيه إنّ ((إجمالى استثمارات العرب خارج الوطن العربى تصل إلى تريليون و200 مليار دولار)) وأشار إلى أنّ نسبة الاستثمارات التى يحصل عليها (الوطن العربى) من حجم الاستثمارات العالمية لا تتجاوز 2% فقط (أهرام 12 أكتوبر 2003) وذكر ضابط المخابرات الأمريكية (روبرت باير) فى كتابه (النوم مع الشيطان) أنّ إحدى الدول العربية دفعت مكافأة قدرها 200 ألف دولار ل (كولن باول وزير الخارجية الأمريكية الأسبق) مقابل خطاب فى جامعة أمريكية. وذكرتْ صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أنّ الأثرياء الأمريكيين من أصل عربى والمسلمين المهاجرين ساندوا قرار الرئيس الأمريكى بوش فى الحرب ضد العراق، كما أنهم سجّـلوا أسماءهم لقائمة مؤيدى الحملة الانتخابية للرئيس بوش، ونجحوا فى جمع مبالغ تترواح بين مائة ومائتىْ ألف دولار لدعم بوش لفترة رئاسة ثانية (نقلا عن صحيفة الأهرام 18/2/2004) هذا بخلاف المليارات التى تدفعها الأنظمة العربية فى شراء الأسلحة الأمريكية ليقتل العرب بعضهم البعض، كما يحدث حاليًا من قتل السعوديين الشعب اليمنى. 

وإذا كان الشعب اليمنى يتعرّض حاليًا للغزو من السعودية، فقد تعرّض فى التاريخ القديم لغزو الحبشة. وكانت (الحجة أو الذريعة) حجة (دينية) بينما كانت الأسباب اقتصادية. وفى تلك الغزوة أدى حكام اليمن (الجزية) لدولة الحبشة. وقبل الغزو الحبشى لليمن فإنّ كتب التاريخ، بما فيها الكتب التى أرّختْ للحبشة ذكرتْ أنّ الأحباش ((نزلوا بأرض حمير قبل قيام (ذى نواس) بتعذيب نصارى حمير بسنين. وأنهم انتصروا على (ذى نواس) الذى لجأ إلى الخداع والغش، ففاوض النجرانيين على التسليم له، وتعهّد لهم إنْ فتحوا المدينة وتغلبوا على الأحباش، أنْ لا يتعرّض لهم بسوء، وبعد أنْ صـدّقوه وفتحوا له المدينة، أعمل فيهم السيف، فأدى ذلك إلى تمكن الجيش الحبشى من غزو اليمن من جديد)) (جواد على- تاريخ العرب قبل الإسلام – طبعة هيئة قصور الثقافة المصرية- عام 2010- ج3- ص188) وورد فى كتاب (الشهداء الحميريين) أنّ شخصًا اسمه (مسروق) لم يتمكن من التغلب على الحبشة، فأوفد إليهم كهانــًا ويهودًا من طبرية، ورجليْن من الحيرة، ويحملون معهم كتابًا يعدهم فيه أنهم لو سلموا له مدينة (ظفار) فلن يؤذيهم وسوف يعيدهم إلى الحبشة سالمين، فوثقوا بكلامه وصدقوه. وبعد ذلك قبض عليهم وغدر بهم وسلمهم لليهود فقتلوهم. ثم أرسل من أحرق (ظفار) بمن كان فيها من الأحباش. وكتب إلى الحميريين أمرًا بقتل النصارى، إنْ لم يكفروا بالمسيح ويتهوّدوا. وحاصر (مسروق) مدينة (ظفار) وراسل أهلها على الأمان، فلما فتحوا له مدينتهم غدر بهم وأحرق بيعتهم وأحرق خلقــًا منهم بالنار رجالا ونساءً وأطفالا، وكان بعضهم قسيسين من حيرة النعمان. ولما تمادى (مسروق) فى غيه وفى قتل النصارى فى نجران وغير نجران من مدن اليمن وقراها، سار شريف من أشراف القوم اسمه (أمية) إلى الحبشة فأخبر مطرانها بما حلّ بنصارى اليمن فأمر جيوشه بغزو حمير فغزتها وتمّ القضاء على (مسروق) اليهودى وهو (ذو نواس) فى كتب الإسلاميين (جواد على- المصدر السابق- ص189) 

بعد ذلك تنتقل فصول التاريخ اليمنى إلى مشهد وصول (أبرهة) القائد الحبشى ليكون ملكــًا على صنعاء بعد تغلب الحبشة على حمير، وعلى أنْ تدفع اليمن (جزية) سنوية للحبشة. وحكم أبرهة بلاد اليمن والحجاز (قبل الإسلام) فى الفترة من 531 م أو (فى رواية أخرى) من 547 م حتى 555 م أو 556. وبنى كنيسة فى مأرب. أما حكاية جيشه المُــكوّن من الفيلة (جمع فيل) فإنّ كثيرين من الباحثين توقفوا أمام تلك الحكاية، وذكروا أنّ الفيلة تستهلك الكثير من الماء، فكيف تحمّــلتْ تلك المسافة من الحبشة إلى مكة وهى مسافة ألف كيلو متر؟ وفى المصادر الإسلامية أنّ عبد المطلب (سيد قريش) دخل على أبرهة وطلب منه أنْ يرد له الإبل والبعير، فاندهش أبرهة وقال له : جئتَ تطلب الإبل ولم تطلب حماية البيت ؟ فقال عبد المطلب : أنا رب الإبل وأنّ للبيت ربًا يحميه. ولما خرج أهالى قريش إلى الجبال ورأوا ما فعله أبرهة بكعبتهم، فإنّ شخصًا اسمه (الخثعمى) الذى أسره أبرهة همس فى أذن الفيل (وكان اسم الفيل محمود) وقال له ابرك يا محمود وارجع راشدًا من حيث جئتَ فإنك فى بلد الله الحرام، فبرك الفيل ولم يقم، ووجّهه أبرهة جهة مخالفة عن مكة، فقام الفيل يُهرول ورفض الهرولة ناحية مكة. ثمّ خرجتْ طيور تحمل الحجارة. وذكر الطبرى أنّ جنود جيش أبرهة ((خرجوا يتساقطون. وأصيب أبرهة فى جسده وسقطتْ أنامله كلها. ومات أبرهة حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون)) (تفسير الطبرى لسورة الفيل- ج 24- ص610) 

فى تلك الواقعة يتجنــّب العروبيون والإسلاميون مناقشة ما حدث حيث أنّ تلك الواقعة حدثتْ فى نفس العام الذى وُلد فيه محمد (نبى الإسلام والعرب) أى قبل الدعوة الإسلامية، وأنّ آخر ديانة (أثناء عام الفيل) كانت المسيحية، وهى ديانة اعترف بها القرآن، وأنّ أهالى قريش (وثنيون) ويعبدون (الأصنام) وفقــًا للتراث العربى/ الإسلامى، فكان من المُـفترض أنْ يكون الإسلام مع الديانة الأخيرة (المسيحية) وقت عام الفيل، ولكن ما حدث كان العكس، فجاء القرآن ليتبنى وجهة نظر قريش وهو ما عبّر عنه فى سورة (الفيل) حيث وقف (الله) مع قريش ضد أصحاب الفيل فقال ((ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم فى تضليل. وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول)) 

والسؤال الذى يتجاهله العروبيون الإسلاميون هو لماذا وقف القرآن مع أهل قريش الذين أطلق عليهم تعبير (مُـشركين) أثناء واقعة الفيل ؟ والسؤال الثانى والأهم أنه ورد فى الشعر المنسوب للفترة التى أطلق محمد عليها (الجاهلية) قصيدة للشاعر (رؤبة بن العجاج) وصف فيها ما حدث فى عام الفيل فقال ((ومسّهم ما مسّ أصحاب الفيل.. ترميهم حجارة من سجيل.. ولعبتْ طيرٌ بهم أبابيل)) أى أنّ القرآن تطابق مع ما ورد فى هذا الشعر (الجاهلى) 

ونقل جواد على نص الوثيقة التى تركها أبرهة وفيها حديث عن ترميم سد مأرب. وقد افتتح النص قائلا ((بخيل وردا ورحمت رحمن ومسيحهو و رح قدس سطروا ذن مزندن. ان ابرهة عزلى ماكن اجعزين زبيمن ملك سبا وذريدن وحضرموت ويمنت واعربهمو طودم وتهمت)) أى ((بحول وقوة ورحمة الرحمن ومسيحه وروح القدس سطروا هذه الكتابة. إنّ أبرهة نائب ملك الجعزيين رمحز زبيمان ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها فى النجاد وفى تهامة)) وأبرهة عندما سمع بتصدع سد مأرب أمر بسرعة تحضير مواد البناء والحجارة. كما افتتح كنيسة فى مدينة مأرب. وأنه هو الذى أمر ببنائها (وطبعًا كان ذلك قبل الإسلام)  عرب

وذكر جواد على أيضًا أنّ (سيف بن ذى يزن) استعان بالفرس لإنقاذ بلاده من الأحباش. وأنّ العالم فى ذلك الوقت كان جبهتيْن : جبهة غربية وجبهة شرقية (الروم والفرس) والطبالون والمزمرون من الممالك الصغيرة والمشيخات يُـطبلون ويزمرون، ويُـثابون أو يُعاقبون ارضاءً للجبهة التى هم فيها. وزلفى إليها وتقربًا. وسخـّر الروم كل قواهم السياسية للهيمنة على جزيرة العرب وإبعادها عن الفرس وعن الميّـالين إليهم على الاقل. وعمل الفرس من جانبهم على تحطيم كل جبهة تميل إلى الروم وتؤيد وجهة نظرهم، وعلى منع سفنهم من الدخول إلى البحر الهندى. وعمل المعسكران بكل جد وحزم على نشر وسائل الدعاية للتأثير على العقول، فسعى الروم لنشر (النصرانية) فى الجزيرة وحرّضوا الحبشة على نشرها ونصرها. وسعى الفرس لنشر المذاهب (النصرانية) المُعارضة لمذهب الروم والحبشة ولتأييد اليهودية، لأنها مُعارضة لسياسة الروم. وكل ذلك مع مراعاة أنّ الفرس لم يكن دينهم (النصرانية) ولا اليهودية. كما أنّ غرض الروم من نشر (النصرانية) لم يكن من أجل الدين، وإنما حاول الروم استغلال الدين لحماية مصالحهم السياسية ولتوسع نفوذهم السياسى والاقتصادى فى الشرق (من 196- 205) 

وسعى الأحباش مدة مكوثهم فى اليمن إلى نشر المسيحية بين الناس وبناء الكنائس. وذكر الرحالة (قزما) Cosmas أنه فى نحو سنة 535 م أى بعد اندحار (ذى نواس) أنه شاهد الكثير من الكنائس فى (العربية السعيدة) أى اليمن، وقد اشتهرتْ كنيسة نجران وعـُرفتْ فى الأخبار ب (كعبة نجران) و(كعبة اليمن) وكذلك كنيسة صنعاء التى عـُرفتْ ب (القليس) وهى كلمة مشتقة من اليونانية ومعناها الكنيسة. وأنشأ الأحباش كنيسة أخرى فى (ظفار) عاصمة حمير، أشرف عليها الأسقف (جرجنسيوس) صاحب كتاب (شرائع الحميريين) 

وكان سادة نجران قبل الإسلام وعند ظهوره مؤمنين بالمسيحية. وقد ذكر (الأعشى ) فى شعره (كعبة نجران) وكانت طائفة من العرب تحج إليها وتنحر الذبائح عندها (كما حدث فى الإسلام) وذكر جواد على ((إننا لا نستطيع أنْ نمر بهذه الأحداث، ونكتفى بما قاله الآخرون عن أنّ احتلال الحبشة لليمن، كان انتقامًا من ملك حمير الذى سام أتباعه المسيحيين سوء العذاب، وأنّ دوافع النجاشى إلى هذا الاحتلال كانت دينية وإنسانية محضة. لا نستطيع أنْ نقول ذلك، بل لابد من الإشارة إلى الناحية السياسية التى كانت أخطر صفحة فى هذا الفصل الذى وُضع فى القسطنطينية للتحريض على غزو اليمن باسم حماية المسيحيين وانقاذهم من ظلم الملك الطاغية، بينما الهدف الحقيقى هو الاستيلاء على اليمن ليكون تحت نفوذ البيزنطيين، وبذلك تتم لهم السيادة على مياه البحر الأحمر والسيطرة على مضيق باب المندب والمحيط الهندى. 

ورغم أنّ جواد على قارىء جيد للتاريخ القديم، فقد اعترف بأنّ الروايات التى قرأها عن (سيف بن ذى يزن) الذى حرّر اليمن من الأحباش، فإنّ تلك الروايات ((لا تزال غامضة غير مفهومة)) وذكر أنّ (سيف بن ذى يزن) صمّم على طرد الأحباش من اليمن، فذهب إلى قيصر الروم فى القسطنطينية يلتمس منه العون لإخراج الأحباش من بلاده. ووافق على أنْ يُرسل قيصر الروم من يختاره (من الروم) فيكون له (مُـلك اليمن) ويبدو أنّ القيصر لم يستجب للطلب والدليل على ذلك أنّ سيف بن ذى يزن اتصل بملك فارس الذى أمده ب 800 محارب و8 سفن. فلما علم (مسروق بن أبرهة) بالخبر، جمع جنوده، ولكن الفرس أصابوه بسهم وانهزم جيش الحبشة. ودخل القائد الفارسى (وهرز) مدينة صنعاء وصار هو (حاكم اليمن) وكتب بذلك إلى كسرى، الذى كتب إليه وأمره أنْ يُملــّـك سيف بن ذى يزن على اليمن. ورضى سيف بذلك مقابل أنْ يدفع (الجزية) للفرس كل عام. والشىء المُـلفت للنظر أنّ سيف (الذى كان يعتبر الأحباش محتلين) اتخذ لنفسه حراسًا من الحبشة. وبينما كان يسير بينهم فى أحد الأيام وثبوا عليه وقتلوه. وانقضوا على أهل اليمن وقتلوهم وأشاعوا الفساد فى اليمن. فلما علم كسرى بذلك أرسل إليهم قائده (وهرز) ومعه أربعة آلاف من الفرس ودخل بهم اليمن وقتل كل من كان بها من الحبشة. وأمـّره على اليمن فكان يحصل على جبايتها ويُرسلها إلى ملك فارس. وقد تداول حكم اليمن أكثر من حاكم فارسى من بينهم (باذان) آخر من تولى حكم اليمن من الفرس. 

وإذا كان اليمن فى ذلك العصر لم يسمع شعبه (والأدق) لم يترنــّم شعبه بأغانى (القومية العربية) وتوأمتها (الوحدة العربية) وبالتالى لم يجد من يقف معه (من العرب) فإنه بعد مضى أكثر من 1500 سنة ما زالت فصول التراجيديا متواصلة. فى الزمن القديم احتلال حبشى والصراع بين الروم والفرس للسيطرة على اليمن. وفى الألفية الثالثة الصراع بين السعودية وإيران (فارس قديمًا) للسيطرة على اليمن. وفى الزمن القديم يلجأ سيف بن ذى يزن للرومان لمساعدته ضد الأحباش، فلما رفض القيصر، لجأ إلى الفرس، بالضبط كما يحدث اليوم (مع تغيير فى أسماء الدول) فيلجأ الحوثيون إلى إيران التى تـُدعّمهم بالمال والسلاح، ويلجأ قسم آخر من اليمنيين إلى السعودية، ومن خلف الستار، تقف الإدارة الأمريكية وفى قبضتها كل خيوط وتفاصيل السيناريو للسيطرة على اليمن، وتقف روسيا مع إيران. أما الشعب اليمنى فما يزال يحرص على زراعة حشيش (القات) بدلا من زراعة المحصولات الزراعية. 

فى عام 1962 غزا الجيش المصرى اليمن، وروّجتْ الميديا الناصرية/ العروبية لشماعة تحويل اليمن من النظام الملكى إلى النظام الجمهورى، وصـدّق البلهاء تلك الحجة، وكأنّ النظام (الجمهورى) الذى أقامه فاشيست من عينة عبد الناصر وصدام حسين والقذافى والأسد أفضل من النظام (الملكى) فى السويد وغيرها من الدول (شديدة التحضر) وبعد مرور 53 سنة على الغزو المصرى لليمن، هل النظام (الجمهورى) نقل الشعب اليمنى نقلة حضارية (واحدة) ؟ وهل نسى الشعب اليمنى ما فعله نبى العروبة (عبد الناصر) من تدمير قرى يمنية بالكامل، وقتل آلاف اليمنيين (طبعًا بخلاف الآلاف من جنود وضباط الجيش المصرى) ولعلّ ظاهرة تعاطى (القات) أنْ تكون الدليل على أنّ الواقع اليمنى (الاجتماعى) لم يتغيّر منذ عام 1962(عام الغزو المصرى) حتى عام 2015، ومع مراعاة أنه فى عهد نبى العروبة (عبد الناصر) كان النشيد (الأوحد) فى كل المنطقة (العربية) هو نشيد (العروبة) ولكن وسط هذا الصخب (العروبى) تخرج بعض الأصوات التى رفضتْ الدعاية الناصرية/ العروبية، مثل صوت الكاتب الليبى (أبو القاسم صميدة) الذى كتب ((الكارثة هى أنّ العرب لم يتخلــّـصوا من ثقافة داعس والغبراء، ولم ينسوا تقاليد حرب البسوس وسلوكيات الثأر والسلب والقبائل والعراك البدائى، فتلبستهم ثقافة ملكية الحقيقة)) (أهرام 16/11/2003) أما الذى ردّ على أكاذيب (العروبة) فهو الشيخ حمد بن جاسم (الذى شغل منصب وزير خارجية قطر) حيث قال بالنص ((على دول الخليج أنْ لا تخجل من الاحتماء بالولايات المتحدة الأمريكية. ولا تخجل من وجود القوات الأمريكية فى المنطقة)) (أهرام 12/1/2004) ودعـّم هذا الرأى سيف الإسلام القذافى الذى قال ((إنّ بريطانيا وافقتْ على تدريب الجيش الليبى فى إطار صفقة تاريخية مع تونى بلير (رئيس وزراء بريطانيا آنذاك) ولم يُمانع سيف الإسلام القذافى من منح قواعد عسكرية لقوات بريطانية وأمريكية قائلا ((إننا نتخلى عن أسلحتنا من ثمّ فنحن نحتاج إلى مظلة دولية لحمايتنا)) وكان تعليق الراحل الجليل سلامة أحمد سلامة الذى نشر نص كلام سيف الإسلام فى مقاله ((ولا أحد يعرف ضد من ؟ خاصة وأنّ سيف الإسلام لعب دورًا مهمًا فى التوسط بين أبيه وبريطانيا وأقام علاقات وثيقة مع المخابرات الأمريكية والبريطانية)) وأضاف أ. سلامة إنّ القومية العربية فقدتْ منذ وقت طويل زخمها بعد أنْ تحوّل الجميع إلى السباحة فى مياه الهيمنة الأمريكية)) (أهرام 12/1/2004) 

ورغم كل ذلك (وفى أرشيفى الكثير الذى يؤكد أكذوبة القومية العربية وتوأمتها الوحدة العربية) ما يزال العروبيون يُردّدون ويُروّجون لضرورة التدخل المصرى فى تلك الحرب العبثية التى تدار على أرض الشعب اليمنى لصالح الإدارة الأمريكية، وحجتهم أنّ التدخل المصرى ضرورى لحماية باب المندب. فهل هو (داء العروبة) ؟ أم ّقاموسهم المعرفى الفقير؟ أم اجتمع الجهل المعرفى مع (داء العروبة) ؟ حيث أنّ الدول الاستعمارية تهتم بمضيق باب المندب، لأنه يصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، وهو ميناء حيوى حيث يتم من خلاله نقل حوالى ثلاثة ملايين برميل من البترول يوميًا إلى أوروبا وآسيا وأميركا. أى أنّ الدول الاستعمارية كفيلة بحماية باب المندب، فلماذا تتورّط مصر؟ وتعمل لحساب أميركا وأوروبا ؟ 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , , , . Bookmark the permalink.