نجيب محفوظ يكشف تحولات سيد قطب من التفكير إلى التكفير

 سامح فايز سامح فايز  

«قصة كفاح طيبة قصة الوطنية المصرية، وقصة النفس المصرية، تنبع من صميم قلب مصري، يدرك بالفطرة حقيقة عواطف المصريين – ونحن لا نطمع أن يحس (المتمصرون) حقيقة هذه العواطف، وهم عنها محجوبون. ولقد قرأتها وأنا أقف بين الحين والحين لأقول: نعم هؤلاء هم المصريون. إنني أعرفهم هكذا بكل تأكيد! هؤلاء هم قد يخضعون للضغط السياسي والنهب الاقتصادي، ولكنهم يجنون حين يعتدي عليهم معتد في الأسرة أو الدين، لو كان لي من الأمر شيء لجعلت هذه القصة في يد كل فتى وفتاة؛ ولطبعتها ووزعتها على كل بيت بالمجان؛ ولأقمت لصاحبها، الذي لا أعرفه، حفلة من حفلات التكريم التي لا عداد لها في مصر، للمستحقين وغير المستحقين».

ما سبق جزء من مقال حماسي ومطول كتب عن رواية كفاح طيبة للروائي الكبير نجيب محفوظ، ونشر المقال في مجلة الرسالة العدد 586 بتاريخ 25 سبتمبر 1944، العجيب فى المسألة أن صاحب هذه الكلمات وبعد مرور سنوات قليلة أصبح شيخا يقصد وجهته أعضاء الجماعات الدينية التي تبنت فكرة جاهلية المجتمع وكفره، وأن الهجرة من هذه الأرض إلى صحراء بلاد اليمن واجبة حتى يكتمل الحكم للجماعات التي رأت أنها الإسلام الحق، من أجل أن تعود من جديد بقوة السلاح لنشر الإسلام فى الأرض. كاتب هذا المقال هو سيد قطب إمام الفكر التكفيري.

علاقة غريبة جمعت سيد قطب بنجيب محفوظ منذ منتصف القرن الماضي حين كتب قطب ثلاثة مقالات نشرت على مدار ثلاث سنوات في مجلة الرسالة، كانت الأولى عن «كفاح طيبة» والثانية عن «خان الخليلي» والتي نشرت في العدد 650 بتاريخ 17 ديسمبر 1945، والثالثة عن «القاهرة الجديدة» التي نشرت في العدد 704 بتاريخ 30 ديسمبر 1946.نجيب محفوظ

وكتب قطب مقالات عن كتب محفوظ قبل أن يعرفه على المستوى الشخصي وكانت الصلة الوحيدة هي رويات محفوظ.

وعن رواية «خان الخليلي» قال قطب «… هذه القصة تستحق أن يفرد لها صفحة خاصة في تاريخ الأدب المصري؛ لأنها تسجل خطوة حاسمة في طريقنا إلى أدب قومي واضح السمات متميز المعالم، ذي روح مصرية خالصة من تأثير الشوائب الأجبنية، مع انتفاعه بها…».

وظهر من تعرض سيد قطب للروايتين أن الصبغة القومية تسيطر عليه، وأن مصريته في المقام الأول خاصة في حديثه عن الفترة الفرعونية، وكيف أنه تاريخ تمنى لو طبعه على نفقته الخاصة كي يصل إلى كل مصري.حسن البنا وسيد قطب

لكن حدثت إشارات لتحولات فكر سيد قطب، حين تعرض إلى رواية «القاهرة الجديدة» حيث كتب: «وشيء آخر أخذه على هذه الرواية: لم جعل الفتى المؤمن المتدين لا تصطدم نظرياته بواقع الحياة؟ لقد اصطدم «علي طه» صاحب الإيمان بالمجتمع، واصطدم «محجوب عبد الدايم» صدمات شتى وجف لها وطرب، فلم لم يصطدم أبدا «مأمون رضوان»؟

هل يريد المؤلف أن يقول: إن إيمانه القوي بالله والدين والرجولة قد أعفاه من الاصطدام، كلا.إن المجتمع الفاسد المنحل الذى صوره فى مصر – والذى هو مع الأسف واقع – لابد أن يصطدم به كل صاحب إيمان، سواء كان إيمانا بالمجتمع أو حتى إيمانا بالحياة

يظهر جليا تغير رؤية سيد قطب للمجتمع المصرى الذى كان يراه عظيما عندما كتب عن «كفاح طيبة» لكنه وبعد عامين وحين تعرض للقاهرة الجديدة تحدث عن ضرورة اصطدام المؤمن بالمجتمع الفاسد المنحل.

وعلى الرغم من أن قطب كان من أوائل من قدم وكتب عن نجيب محفوظ وقت أن كان لا يعرفه أحد إلا أن قاتله بعد سنوات اعتمد على فتاوى لشيوخ يعد قطب إمامهم ومعلمهم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in سامح فايز and tagged , , , . Bookmark the permalink.