الشخصية القومية واللغة

طلعت رضوان طلعت رضوان

يعتقد كثيرون من المُـتعلمين المحسوبين على الثقافة المصرية السائدة، أنّ شعبنا يتكلــّم (فى حياته اليومية) اللغة العربية. وحتى عندما قالوا أنها (عامية مصرية) ألصقوها ب (العروبة) فقالوا أنها (عامية اللغة العربية) وتجاهلوا أنّ لكل شعب من الشعوب (عاميته) الخاصة، وأنها تعتمد على البنية Struture اللغوية وليس على الكلمات، باعتبار أنّ الكلمات هى بمثابة (الطوب) بينما الأساس اللغوى يكمن فى البينية اللغوية.

وعلى سبيل المثال فإنّ البنية اللغوية المصرية (التى يتكلــّمها شعبنا فى الغيط وفى الجامعة) لا تعرف (الإعراب) عكس اللغة العربية. وفيها تثبيت العدد مع المعدود (تلات رجال وتلات نساء.. إلخ) بينما بنية اللغة العربية تعتمد على العدد عكس المعدود (ثلاثة رجال وثلاث نساء) واختصرتْ اللغة المصرية الصيغ العديدة فى اللغة العربية، إلى صيغة واحدة، فنقول حيران، جربان، كسلان، بطران، مليان، كربان، تعبان، حوجان، مقابل حائر،، أجرب، كسول، بطر، ملىء، مكروب، متعب، محتاج على التوالى.

وفى أسماء الأشياء نقول: كبايه، حبايه، برايه، حدايه، طياره، مقابل (فى العربى كوب، حبة، مبراة، حدأة، طائرة على التوالى (بيومى قنديل- حاضر الثقافة فى مصر- ص159) وشعبنا ألغى تعدد صيغ اسم الموصول: الذى، اللذان، اللذيْن، التى، اللتان، اللتيْن واللواتى (وأحيانـًا اللائى) وابتدع صيغة واحدة لتنظيم هذه الفوضى وهى (اللى) فنقول الواد اللى، البنت اللى، الناس اللى إلخ ومع ملاحظة أنّ تلك الصيغة انتقلتْ إلى لسان العرب فى حياتهم اليومية، وفى البرامج التليفزيونية. كما أنّ شعبنا يضع أداة الاستفهام فى آخر الجملة: اسمك إيه؟ كنت فين؟ مقابل: ما اسمك؟ أين كنت؟ بالعربى. وشعبنا لا يُخرج لسانه فى الحروف: الذال، الثاء، الظاء، فنقول ديب وليس ذئب بالعربى، ونقول تعلب وليس ثعلب بالعربى، والسبب يرجع إلى وجود علاقة بين ما هو موجود من مظاهر لغوية فى العصر الحديث، وبين اللغة المصرية القديمة، خاصة مرحلتها الثالثة (مرحلة اللغة القبطية) 

ونقل الراحل الجليل بيومى قنديل ما كتبه علماء علم اللغويات عن الفرق بين اللغة (التركيبية) واللغة (التحليلية) وأنّ الأولى تعتمد على (الإعراب) والثانية لا تعترف به. ولهذا كانت اللغة التحليلية أسهل على أى لسان (بما فى ذلك الأجانب) وخاصة أنها لا تعرف ظاهرة (إعرب ما تحته خط) كما يحدث فى مدارسنا مع اللغة العربية (التركيبية) شديدة التعقيد (319) ولأنّ اللغة المصرية تحليلية وتتميّز بالبساطة، لذلك انتشرتْ على لسان العرب، ومنذ عدة سنوات شاهدتُ فى قناة الجزيرة برنامج (الاتجاه المُعاكس) وكان الضيوف بينهم العراقى والمغربى واليمنى، ولما أدرك المذيع أنهم لا يستطيعون التفاهم (كل بلغته) قال لهم ((إيه رأيكم نحكى بالمصرى) ففرحوا وهلــّـلوا ((نحكى بالمصرى)) 

أما عن تعريف اللغة القومية فهو ببساطة (لغة الأم) وهو ما أكــّده علماء علم اللغويات، أمثال العالم الفرنسى (بينيدكت بواسون) والعالم الأمريكى الشهير (نعوم تشومسكى) و(مورين مورفى) وآخرين، ومن رأيهم أنّ الطفل يتكلــّم لغة أمه وأبيه وأفراد الأسرة والجيران إلخ قبل دخوله المدرسة. وفى المدرسة يتعلــّم لغة (أجنبية) وبناءً على هذا التعريف (العلمى) انتهى بيومى قنديل إلى أنّ الطفل المصرى عندما يذهب إلى المدرسة ويتعلــّم اللغة العربية، فهو يتعلــّم (لغة أجنبية) كما يتعلــّم اللغة الإنجليزية أو أى لغة أجنبية (من 326- 335) 

والدليل على أنّ اللغة العربية لغة أجنبية بالنسبة لشعبنا المصرى، أنّ مدرسى اللغة العربية عندما يعجزون عن شرح الشعر العربى للتلاميذ باللغة العربية، يلجأون إلى لغتنا القومية (المصرية) وقد أكــّـد ذك د. أحمد درويش (وهو من المُـدافعين عن اللغة العربية) حيث كتب ((حكى لى مرة تلميذ صغير أنّ مدرس اللغة العربية وهو يشرح لهم بيت عمرو بن كلثوم فى معلقته وهو يخاطب عمرو بن هند (( تـُهدّدنا وتوعدنا رويدًا: متى كنا لأمك مقتوينا)) وقد حاول أنْ يُبسّـط لهم معنى الشطر الأخير (بالعامية) قائلا أنّ معناه: ما كناش خدامين عند أمك)) (جريدة الأهرام- 25 طوبة- يناير98) وهذا المثال الذى ذكره د. درويش، أكــّـده عميد الثقافة المصرية (طاها حسين) الذى انتقد قواعد اللغة العربية فكتب ((إنّ اللغة العربية عسيرة، لأنّ نحوها ما زال عسيرًا، ولأنّ كتابتها ما زالت عسيرة)) وأدلى بشهاة حق عندما كتب ((إنّ كثيرًا من الناس ليقولون أنّ اللغة العربية التى يتعلمها الصبى فى المدرسة لغة أجنبية)) ولأنه كان شديد الحرص على تطوير اللغة العربية (أى أنه لم يكن ضدها بل أحد المُـدافعين عنها) لذلك كتب ((إنّ اللغة العربية إنْ لم تنل علومها بالإصلاح صائرة – سواء أردنا أو لم نرد – إلى أنْ تـُصبح لغة دينية ليس غير)) أما عن النحو فهو يتمنى لو أعفى المتعلمين منه. وأضاف ((إما أنْ نـُيسّر علوم اللغة العربية لتحيا وإما أنْ نحتفظ بها كما هى لتموت)) وكتب أيضًا ((إنّ اللغة العربية إنْ لم تكن أجنبية فهى قريبة من الأجنبية، لا يتكلمها الناس فى البيوت ولا يتكلمونها فى الأزهر نفسه)) (مستقبل الثقافة فى مصر- دار الكاتب اللبنانى- بيروت- المجلد التاسع- عام 1973- ص31، 248، 298، 299، 302، 311) 

وبينما رأى د. جمال حمدان (ومعه العروبيون) أنّ اللغة والدين شكلا الشخصية المصرية، فإنّ (طاها حسين) كان له رأى مُـغاير تمامًا حيث كتب ((ومن المحقق أنّ تطور الحياة الإنسانية قضى منذ عهد بعيد بأنّ وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان للوحدة السياسية ولا قوامًا لتكوين الدولة)) (جريدة السياسة 31/12/1923) وكان عنوان المقال (رأى فى مسألة القوميات) ولأنّ الجيل السابق على كارثة أبيب/ يوليو1952 لم ينخدع بشعارات (العروبة) كما فعل د. حمدان، لذلك كتب أحمد لطفى السيد ((الإسلام ليس لمسلم بوطن، فوحدة الاعتقاد الدينى ليست كافية لإقامة وحدة التضامن الوطنى)) (الجريدة 10/3/1907) 

وإذا كانت اللغة العربية هى ((اللغة القومية)) لشعبنا المصرى كما يدّعى العروبيون وعلى رأسهم العروبى الكبير د. حمدان، فلماذا يخطىء كبار المتعلمين – ليس فى نطقها فقط – وإنما فى كتابتها أيضًا، كما أنّ من يقع فى هذه الأخطاء المتعلمون العرب بما فيهم الشعراء، وقد لاحظ هذه الظاهرة الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى، فى مؤتمر من مؤتمرات الشعر العربى، فتكلم عن الشعراء العرب الذين يكتبون قصيدة النثر وكتب ((… ونحن نقرأ للذين يكتبون هذا النوع من الكتابة فنجد أخطاء لا يقع فيها تلاميذ المدارس.. وأدهشنا أنْ يقع عدد من المدعوين العرب فى أخطاء مُخجلة)) (أهرام 2/5/2001) وكان الشاعر الكبير (فاروق شوشة) شجاعًا (لأنه من المدافعين عن اللغة العربية) عندما نشر فى مقالة له رسالة د. أحمد مسلم الذى كتب ((إنّ اللغة العربية تدرس فى المدارس (المصرية) باللغة العامية وكذلك فى الجامعات وفى أقسام اللغة العربية المُتخصصة بل إنّ دروس النحو يُدرّسها بعض الأساتذة الجامعيين بالعامية)) (أهرام 8/8/2004) كما أنّ العروبيين يتحكم فيهم مرض وبائى يتمثــّـل فى تغيير أسماء الأشياء، فيقولون ويكتبون (جعة) ويخجلون من اسمها الحقيقى (بيرة) و(الآيس كريم) عندهم (بوظه) و(الجراج) عندهم (مرآب) إلخ بينما الأميون لا يرتكبون هذه الجريمة ولا يخجلون من تسمية الأشياء بأسمائها التى سمعوها منذ طفولتهم من أمهاتهم وآبائهم. وأعتقد أنّ ما يحدث هو نوع من تعميق (الاغتراب) والدليل على ذلك ما لمسته بنفسى عندما أشاهد فيلمًا أجنبيًا مع أقاربى من المتعلمين (أطباء ومهندسين ومحاسبين إلخ) ويسألوننى عن معنى كلمة (مرآب) أو غيرها من الكلمات وفق الترجمة العربية على الشاشة.  مصر

كما أنّ العروبيين (بسبب داء المرض) يتعمّدون تغيير الأسماء الأجنبية فيقولون ويكتبون (تلفاز) ويخجلون من النطق الصحيح والكتابة الصحيحة (تليفزيون) ومع مرعاة أنهم استخدموا حرف ال T وحرف ال L وهما حرفان تبدأ بهما كلمات (تليفون، تليكس، تلغراف، تليفريك إلخ) وذكر أ. محمود تيمور (الذى كان عضوًا بمجمع اللغة العربية) قائمة طويلة بأسماء الأشياء التى اقترحها أعضاء المجمع مثل تليفزيون ليكون الاسم (مرناة) و(دوسيه الملفات) ليكون (إضمامة) و(الفيزا) أى التأشيرة فى جواز السفر لتكون (الوسمة) والأمثلة عديدة تملأ صفحات كتابه (مشكلات اللغة العربية- المطبعة النموذجية- عام 1956- ص141) ورغم تأييده لما يُسمى (تعريب) الكلمات الأجنبية، فإنه سخر من الذين اقترحوا تغيير اسم (التليفون) ليكون (الإرزيز) فكان تعليقه ((وخير لنا أنْ لا نـُضيّع الجهد والوقت والتجربة فيما لا غناء فيه ولا جدوى منه، ولنبرأ بأنفسنا عما يجر علينا التهكم والسخرية)) (ص14) واعترف بأنّ ((العامية فى أقطار الشرق أكثر طلاقة لأنها تـُرجمان الحياة الدارجة)) ولكنه مثل كل العروبيين الذين لم يدرسوا علم اللغويات، انتقد ما سماه (العامية) فأضاف ((ولكن تلك العامية لا ضابط لها ولا نظام، فإنها لهمجية غير مهذبة)) (ص9، 10) وأنّ ((العامية أفلستْ فى محاولة امتلاكها ناصية التعبير الكتابى، بما فى ذلك الكتابة للمسرح أو الشعر)) (93، 94) فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا انتشر شعر بيرم وصلاح جاهين إلخ، ومسرح نعمان عاشور ويوسف إدريس إلخ؟

ورغم ذلك ذكر أنّ الروائى والمسرحى فى حاجة إلى كلمات العامة فى الوصف والتصوير وفى الحوار، ولكنه اعتبرها ((عامية عربية فصيحة)) أو هى ((العامية الفصحى)) (183) ثم وقع فى التناقض عندما اعترف بأنّ (العامية) لغة الأحاسيس والمشاعر فكتب ((فثمة فى العامية ناحية أجل شأنـًا وأعمق أثرًا وأبعد مدى، تلك هى ناحية الألفاظ التى تدور بين الناس، بها يفهم بعضهم عن بعض، وبها يُعبّرون عما فى الحياة من المعانى والأشياء، ويُترجمون عما يقوم بأنفسهم من الأحاسيس والمشاعر. وتلك ذخيرة من الألفاظ لا يتمثــّـل فيها مجرد الخصائص الصوتية أو اللسانية التى تتميّز بها اللهجات، ولا مجرد القواعد النحوية والصرفية التى تختص بها اللغات، وإنما تكمن فى هذه الذخيرة اللفظية فوق ذلك كله حيوية الأمة فى الإفصاح عن حاجات العيش ومقتضيات الحياة، وتستبين فيها ما لها من دقة فى التسمية والوصف والتصوير، ويتجلى فيها ذوقها فى الإبانة والإبلاغ والتأثير)) (202، 203) وكان شجاعًا عندما اعترف ((لقد تآمرنا على هذه الكلمات العامية كل التآمر، فكفرنا بها أشد الكفر، وتعفــّـفنا عنها ما وسعنا أنْ نتعفــّف، وعددنا اصطناعها فى لغة الكتابة تبذلا فى التعبير، فأسأنا إلى أنفسنا بذلك إساءة بالغة، إذْ حجرنا على أقلامنا أنْ تجرى بكلمات عامية سهلة والعنت فى اصطياد ما يقابلها من كلمات عربية، خاسرين ما فى الكلمات العامية من دقة فى الدلالة ومن ألفة بين الناس)) (205، 206) وأكثر من ذلك اعترف بأنّ ((الكلمات العامية زبدة خبرة بيانية بعيدة المدى، عميقة الأثر، وثمرة تجربة اجتماعية لابستها الأمة فى أحقاب ممدودة.. وأنّ الكلمات العامية لا نكاد نجد فى (الفصحى) ما يُقابلها على الإطلاق، وعلى الرغم من ذلك نتعالى بأقلامنا على الكلمات العامية، ونستبدل بها من (الفصحى) ما نـُحاول به أنْ نسد الحاجة، وإنْ كان البديل (العربى) لا يشفى ولا يكفى)) وعن دقة معانى الكلمات المصرية ذكر أنّ ((العامة يُقرّقون بين الكلمات الثلاث: باش، ساح وذاب، فيقولون: باش الصابون وباش الخبز اليابس، أى تخلله الماء فذهب عنه اليُبس. وساح الزبد وساح الرصاص، أى تحلــّـل بالحرارة والتسخين حتى صار مائعًا. وذاب السكر وذاب الملح، أى تزايل عنه كيانه واختلطتْ بالسائل ذراته. وليس بمفهوم ولا مُـتقبل أنْ نستعمل إحدى هذه الكلمات الثلاث مكان الأخرييْن: فلو قلتَ باش السكر لم تؤد معنى الذوبان، ولو قلتّ: ساح الصابون أو ذاب الزبد لجلبتَ على نفسك السخرية، ولكنتَ ركيك التعبير غير مُبين)) (من 221- 224) 

وإذا كان كتاب محمود تيمور صدر عام 56، وذكر فيه الكثير من الأمثلة لتغيير الكلمات الأجنبية فى محاولة بائسة ويائسة ل (تعريبها) فإنّ العروبى الكبير (رجاء النقاش) كان شجاعًا عندما نشر فى إحدى مقالاته رسالة أ. أحمد رفعت بسيونى الذى ذكر أنّ كلمة مظلات (جمع مظلة) كانت تعريبًا لكلمة (باراشوت) وذكر أنّ بعض أعضاء مجمع اللغة العربية اقترح ترجمة كلمة (باراشوت) بالقفف الهابطة والقفف جمع قفة (أهرام 8/8/2004) والمفارقة أنّ رجاء النقاش دافع عن اللغة العربية وكان المقال بعنوان (عشاقها كثيرون) 

وعندما أصدر شريف الشوباشى كتابه (لتحيا اللغة العربية، يسقط سيبويه) هاجمه العروبيون رغم أنّ الكتاب دفاع عن اللغة العربية، كما يتضح من العنوان أو مثلما يقول شعبنا فى أهازيجه البديعة ((الجواب بيبان من عنوانه)) ونظرًا لشدة الهجوم عليه كتب عدة مقالات فى الصحف قال فيها أنّ من هاجموه لم يقرأوا كتابه، لأنهم اعتمدوا على الصيغ الإنشائية ولم يناقشوا الأمثلة التى ذكرها عن صعوبة قواعد اللغة العربية. ولكن استوقفنى حديثه الذى قال فيه ((إننى مثل أى شخص أعانى من (شيزوفرينيا لغوية) فأنا أفكر باللغة الدارجة. وأى شخص يدّعى أنه يُفكر بالفصحى (يقصد بالعربى لأنّ الفصيح هو الإنسان وليست اللغة) يكون كاذبًا ومُـنافقــًا. فنحن دائمًا نـُـفكــّر بأقرب لغة لدينا وهى اللهجة الدارجة. وبعد هذا أبذل مجهودًا لكى أفكــّر باللغة العربية. هناك خطر حقيقى على اللغة العربية. وأنا أقول أنه بعد مائة عام ستـُصبح اللغة العربية لغة للدراسة فقط وهذا هو الخطر الذى حاولتُ أنْ أنبّه إليه)) (جريدة القاهرة 7/9/2004) وإذا كان طاها حسين أحد المُـدافعين عن اللغة العربية، فإنّ المفارقة- كما ذكر أ. الشوباشى أنّ طاها حسين كان يُخطىء فى اللغة العربية. أما الراحل الجليل (جلال عامر) فكتب بأسلوبه الساخر المُميّز ((لغتنا العربية يُسر لا عُسر.. ولا تـُواكب العصر)) (جريدة القاهرة 7/11/2006) 

وبينما الثقافة المصرية السائدة ترى أننا عرب ونتكلم اللغة العربية، فإنّ المفكر الكبير إسماعيل أدهم كتب أنه يتعيّن على المصريين أنْ يقوموا بثورة فكرية تتصل بمشاعرهم، تتمزق خلالها أوصال العقلية العربية، وتتخلص مصر من الكابوس العربى)) (قضايا ومناقشات – تحرير وتقديم د. أحمد إبراهيم الهوارى- دار المعارف المصرية- عام 86- ج3- ص34) وأكثر من ذلك عندما كتب ((اعملوا يا أبناء مصر على التحرر من الكابوس العربى واعملوا للرجوع لطبيعتكم الفرعونية. ولقــّحوا ثقافتكم التقليدية بأسباب الذهنية الغربية. إنّ العرب يا أبناء مصر لم يجدوا فى ماضيكم خيرًا، فانفضوا غبار الجمود.. واتركوا اللغة العربية فلكم فى العامية لغة، نظموها وضعوا لها قواعدها. تحرّروا من ربقة اللغة العربية واستعبادها لكم. وإنى شخصيًا لم أعرف العامية إلا منذ أعوام قلائل. ومنذ حططتُ رحالى فى مصر لدراسة حياتها الاجتماعية والأدبية وقفتُ على ثروة جديدة هى اللغة المصرية. والقول بأنها عامية اللغة العربية خطأ. فهذه هى لغتكم وهى أولى بعنايتكم من إحياء لغة بدو لا يربطكم بهم صلة ولا رابط)) (ص65، 66) 

وإذا كان معيار (العروبة) اللغة العربية وأنّ ثقافتنا المصرية ترجع إلى ((اللغة العربية)) كما زعم د. حمدان، فهل يُمكن اعتبار شعوب أفريقيا الذين يتكلــّمون اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية (كلغة أولى) ينتمون إلى الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين؟ والسؤال بصيغة أخرى هل يُمكن اعتبار الشعب الصومالى (شعب فرنسى أو إيطالى) ؟ سؤال يتجاهله العروبيون وعلى رأسهم كبيرهم د. حمدان. وأتوقع – كما حدث كثيرًا – أنْ ينتقدنى أحد العروبيين قائلا: لماذا تكتب باللغة العربية، ولا تكتب بالمصرى؟ والرد أننى كتبتُ الكثير من القصص بالمصرى، وافقتْ بعض المجلات على نشرها، ورفضتْ مجلات أخرى (مصرية) النشر، كما أخبرنى أ. عادل سميح (مدير تحرير) مجلة الثقافة الجديدة التى تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة. ومع مراعاة أنّ الهيئة المذكورة (مصرية) والمجلة (مصرية) أو كما هو مُـفترض. كما أننى كتبتُ رواية كلها بالمصرى، وأستطيع كتابة أى دراسة بالمصرى، فمن يمتلك شجاعة النشر، فى منظومة تنضح ب (العروبة) ولذلك فأنا أكتب بالعربى مثل أى إنسان أجاد لغة أجنبية. 

Print Friendly
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , , . Bookmark the permalink.