عن الإسكندرية وأشياء أخرى

 محمد هلال     اسكندرية

ما الذي يمكن أن أقوله يوما ما عن الإسكندرية ، عن مدينة تحتل العقل والروح ويحتلها الجسد ، كأنها أسرتنا في معركة  متوسطية قديماً. حبستنا بين أسوارها ، اوقعتنا في حبائل غواياتها اللا متناهية ثم … ثم ماذا ، ثم هرمت وشاخت ولم يبق منها سوى جمال بائس ، ثمالة جمال امرأة خمسينية ، عطر وردة ذبلت وماتت أوراقها . لكنها تعدنا دائما بأمل خداع في أن تتجدد ، تستعيد عافيتها وسحرها . ما الذي يمكنني أن أقوله عن مدينة سلبتني ثلاثين عاما ولم اتشبعها حتى الأن .

احفظ الكثير عن شوارعها وتاريخها ، حكايات مساجدها ، معابدها . شطآنها ، بحيرتها ، باراتها ، حكايات الناس القديمة التي سكنوها ، عن الكثيرين الذي أتوا اليها وأسرتهم بسحرها الغامض ، كتبوا عنها ولها . أعرف الكثير عن أولادها البررة والفجرة والعشاق والقتلة ، والكثير الكثير عمن حكموها وأسسوها ، فُتنوا بها وفتنوا بها العالم . ورغم كل ذلك أجدني تائها  فيها كأنني غريب أتى إليها من الجنوب – ربما ، بهرته وكتب عن عشقه لها وعن عشقها لرائحة البحر وعن تلك الفاتنة في البلاد البعيدة التي يعشقها البحر ، ربما هي تلك المتشمسة أمام المكتبة بفخذيها العريين المرمريين . آه يا اسكندرية ، هل يمكننا التحرر منك يوما ؟!

 الكتابة عن الإسكندرية أمر محفوف بالمخاطر  ، لن أقع في ذلك الفخ الذي تنصبينه ببراعة لكل من فتنوا بك وعندهم الرغبة في الكتابة . لن أصف يوما – فقط – شوارعك ، مبانيكِ ،  لن أصف ذلك الترام الأصفر العجوز الذي يتجول في شوارعك – مثلي – دون غاية أو هدف . لن أصف يوما هذا الميناء الشرقي الذي تحتله النوارس في الخريف . لن أقع أبدا في هذا الفخ يا مدينة ، اعرف أنك تخفين عني آلاف الحكايا ، أعرف أنك تعبثين بسكانك وعشاقك وزائريك ، أعرف أن لك روحاً تخفينها عني .. لازلت أبحث عن وجهك الحقيقي يا مدينة ولن أرضي بوجه سواه . يوم ما سألجك يا حبيبتي ، سأصل الي قرارة روحك ، غايتي ، حينها سيعم الخصب وتنفجر آلاف الحكايا . حينها ، حين أقابلك ، حين أعرف من أنا حقا ،سأعلن بكل فخر ، سكندريتي ، انتمائي لك ، أحقيتك فيّ ، حتي لو قدمت دمائي حينها ، ككل عشاقك الذين سبقوني ، كشاعرك العجوز ، كالإله الذي اختارك وتخلى عن أنطونيو .اسكندرية

يقول هيمنجواي ، لا يمكنك الكتابة عن مدينة إلا بعد أن تغادرها ، حينها ستراها بوضوح ، ستنكشف لك في يسر . لكن هل ستتركيني أنت يا مدينة ، أم ستملأين حقائبي بآلاف الذكريات ، وملايين التفاصيل الصغيرة ، القبلة الأولي علي شاطئك ، اللمسة الأولي ، العينان الخضراوان اللتان أحببتهن وأحببنني ، والأخريين السوداوين اللتين أحببتهن ولم يحببنني . رائحة اليود ، صليل عجلات الترام ، شجرة الياسمين الوحيدة في الشارع البائس ، مطاعمك ،  باراتك ، مقاهيك ، سينماتك ، صحبة الأصدقاء القديمة ، رائحة الغاز المسيل للدموع ،  ذكرياتي مع مئات الآلاف الذين جبت معهم في شوارعك بحثا عن الحرية . تكشفي لي يا مدينتي ، أرجوك ، ربما حينها أجد ذاتي ، أعرف من أنا ، وأعرف لماذا أسير في شوارعك كل يوم ، أطالع وجوه المارة الغرباء ، أطالع أبنيتك الجميلة والقبيحة، أرسم خرائط شوارعك في قلبي ، أفكر في التي أحبها ، أفكر فيك يا معشوقتي الأولي ، يا سكندريتي التي لم أعرفك – حقا – بعد .

Print Friendly
This entry was posted in Alexandria's memory من ذاكرة الإسكندرية, محمد هلال and tagged , , , . Bookmark the permalink.