السيسى فكر جديدة للنهوض القومي

محمد خليفة محمد خليفة

السيسي يعيد مشروع الفكر العربى القومي بمنظور جديد من خلال دعوته إقامة قوة موحدة هدفها الأساسي الدفاع عن مصالح الدول العربية أن منظورالسيسى للفكر القومى يقدم للعالم العربى منظور قومى دون تجاوز للدولة الوطنية كما كان ذلك في أدبيات الفكر القومي في مرحلة صعودها، بالخمسينات والستينات من القرن الماضي ، منظور يراعى تفعِّيل طاقات الوطن العربي، لتتجاوز حدود التجزئة وكل العوائق البنيوية المتأصلة فيها وفي حدود التجزئة نفسها وعلى ان لا تكون أحلاف عسكرية تتمسك بأيديولوجيا مغلقة كما درج الحال في الماضي، بل بمسطرة مصلحة الأمة، وبمجموعة من الثوابت السياسية المنبثقة من مصلحة الأمة العربية لتتجاوز معالجة قضاياها بمنأى عن التدخلات الخارجية.

 كانت “عاصفة الحزم” التي يشارك فيها تحالف عربي بقيادة السعودية لقصف مواقع في اليمن بهدف وقف زحف الحوثيين وقوات موالية لهم من الجيش اليمني ، لحظة الاصطدام بما يفرض، تخطي الحدود الوطنية، وتحقيق التكامل العربي العسكري كأداة لمواجهة التحديات التي تهدد الأمن القومي العربي .

 لمواجهة هذاالتهديد الذى قد يتواجد على حدود الدول العربية وفقا للتغيرات الاقليمية والعالمية . اوضحت “عاصفة الحزم” انها حاملة لمصداقية في جوانب كثيرة ، لا سيما تلك المتعلقة بنفى عجز الأنظمة العربية عن تحقيق ما كان متوقعاً منها سياسياً وعسكريا كحفظ وصون كرامة الأمة واستقلالها، عند مواجهة ما يهدد أمنها القومى من خلال التنسيق بين مجموعة من الدول الحليفة ، لكن القارئ الحصيف يدرك أن معالجة تلك القضايا بشقيها الأدائي والسيادي كانت ولا تزال تصطدم بصخرة التدخل الأجنبي والذى تجاوزته هذه العملية العسكرية . واتضح أن أي تغيير حقيقي للخروج من حالة تهديدات الامن القومى التاريخي الذي تعيشه الدول العربية ، بحاجة إلى حامل اجتماعي وإلى أهداف واستراتيجيات تؤدى الى إيجاد وخلق مناخات اقتصادية واجتماعية وسياسية وبشرية بالتلاحم مع غيرها من الأقطار العربية، في تكامل اقتصادي وسياسي ، بما يشير الى أن منطقة الشرق الاوسط تقف على ابواب مرحلة جديدة، ابرز معلمها صياغة تحالفات جديدة . الا أن الدولة الوطنية العربية، بوضعها الحالي مثقلة بالكثير من المشاكل ولا يستثنى عن ذلك بلد من دون آخر، فكل البلدان العربية تعاني حالياً من مشكلة أو أكثر. ووحدة هذه البلدان في أوضاعها هذه هو أشبه بجمع أصفار لا ينتج عنها شيء يستحق الذكر. والمعالجة العربية الصحيحة تأتي في تنمية موارد وطاقات الدولة الوطنية. وقد كان المؤتمر الاقصادى بشرم الشيخ بداية لرؤية اقتصادية قد تعمم على باقى الدول العربية التى فى حاجة الى تنمية اقتصادية .

 ربما تكون دعوة السيسى لإقامة قوة موحدة هدفها الأساسي الدفاع عن مصالح الدول العربية نواة لوحدة عربية ذات بعد قومى ، عملية دمج غير منفعل بين الدول العربية ، يمكن أن تأخذ أشكالاً لا تلغي الكيانات الوطنية، باعتبار وجودها حقيقة موضوعية لا يمكن تجاوزها ، وتعتمد اللامركزية في السلطة ، وربما تكون على نمط الاتحاد الأوروبي.

 وشكل تلك  القوة الموحدة هو رهن بطبيعة اللحظة التاريخية التى قد  تنشأ مستقبلا الاتحاد العربى القومى . وهذه الدعوة لإقامة قوة موحدة اصبح ضرورة مع تطورات العقد الأخير، منذ احتلال العراق عام2003، وخاصة بعد “الربيع العربي”، حيث أصبحت الدولة الوطنية أوطانا، وتفتت بعض هذه الكيانات إلى ثلاث أو أربع دول، ومشاريع التفتيت لا تزال مفتوحة على أبوابها. تهدد الدولة القومية فى حدودها التاريخية والجغرافية والسياسية وتصبح قابلة للتغير السريع، بسرعة الرمال المتحركة ، هذه التبدلات السريعة لحدود وجغرافية الوطن تشكل تهديد اساسى للأمن القومى العربى فى ظل التمددالايرانى.. نظام ملالي الفرس بتوجهاته القومية الفارسية على حساب الأمن القومي العربي، وتركيا العثمانية التي تحاول إعادة تاريخ الاستعمار التركي البغيض، فجميع هذه الأطراف تحمل كل واحدة فيها مشروعها القومي على حساب الأمة، وهي أطراف عدوانية للعرب وفي المقدمة منهم مصر، لشعورهم بحجم مصر ودورها القومي في قيادة الأمة باتجاه تحقيق أهدافها الوحدوية التحررية.  

الهيمنة الفارسية، والنظام الفارسي ليس قوياً إلا بسبب ضعفنا، وعودة حلم سلطان الاستبداد العثماني فى المنطقة العربية ليست كذالك إلا بسبب تفككنا. لا مناص للخروج من مأزق التهديد الراهن، إلا من خلال هوية ثقافية قومية جامعة، للبلدان العربية، وتملك ثباتاً نسبياً، قادرا على الصمود، مع التحولات السياسية الهائلة التي تجري في منطقتنا ومن حولنا. وهنا تأتي العروبة، كهوية ثقافية، وكمشروع إنقاذ.وهذا ماتمثله دعوة السيسى للامة العربية وهذه الدعوة وأساسها النظري، أن المجموعات البشرية، التي تعيش على البقعة الجغرافية الممتدة من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، جمعها إرث حضاري وتاريخي وثقافي واحد، بل نضال ومصير مشتركان . وهي بما يربطها من وحدة لغوية وجغرافية واقتصادية، فإن قدرها الانضواء في شكل من أشكال الوحدة. ولذلك فإن على العرب، إذا أرادوا أن يحققوا تواصلهم الحضاري، أن يستلهموا من ذلك الإرث محفزات في انطلاقتهم الجديدة، لتحقيق التنمية والتقدم، وبناء الوحدة وليس بالمقدور تحقيق المشروع النهضوي العربي، إلا من خلال نقلة تاريخية، تلامس عقل الإنسان العربي وروحه، توضح الرؤية وتقوي العزيمة.

إن عملية “عاصفة الحزم” العسكرية والدعوة لأقامة قوة موحدة ما هي إلا التحول الذي يحدث في العقل والروح، لتؤدي العروبة دورها، مهيأة الطريق لتحولات رئيسية في البنيان الاجتماعي والسياسي للأمة. وعلينا ان نستلهم هذه الرؤية الفكرية لعملية الحزم وما تبعها من تمديد فى أهداف واستراتيجيات تؤدى الى إيجاد وخلق مناخات اقتصادية واجتماعية وسياسية وبشرية بالتلاحم بين الأقطار العربية، في تكامل اقتصادي وسياسي وعسكرى ، وهو ما قد يطرح في أحد سيناريوهاته ارتفاع حدة الصراع على مسرح عمليات الشرق الأوسط، أو بالأحرى على “رقعة الشطرنج” التي تتحرك قواها الإقليمية والدولية تحركات مستجدة وطارئة تستهدف تعزيز مصالحها أو حماية المتحقق منها. ويمثل صعود الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى السلطة فوزاً كبير للامة العربية حيث اتضح أنه يتميز بعلاقاته الوثيقة مع العديد من التيارات والاتجاهات السياسية ، ليطرح من نفسه شخصية وسطية معتدلة . ثمة تحديات داخلية كبرى تواجه القادة العرب، ينعكس أثرها على تحركاتهم الخارجية على “رقعة شطرنج” الشرق الأوسط، غير أن التحديات الأمنية والاقتصادية باتت تدفع إلى التفكير في المصالح المشتركة، من خلال تلك القوة العربية المشتركة التى سوف يكون لها دور لدعم التعاون السياسي والاقتصادي وتوطيد الصلات الاستخباراتية والأمنية بين الدول لعربية .. لذا وفقا لكل هذه المتغيرات نحن على موعد مع عصر عربي مجيد، فامتنا قادرة أن تعيد سيرتها الأولى وأن يكون لها مكان تحت الشمس بفعل سواعد أبنائها وبإخلاص الخيرين فيها، ألم يقل رسولنا العظيم، رسول الإنسانية جمعاء ” الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة “، فكونوا مع أمتكم أيها العرب، فقد كان الله معها يوم اصطفاها لرسالة السماء، واختار من بينها أفضل البشر، وبلغها أسمى آياته .. 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد خليفة and tagged , , , , . Bookmark the permalink.