مصر بين السعودية وإيران

عبد الجواد سيد عبد الجواد  عبد الجواد

برغم النجاح الكبير الذى حققته الدبلوماسية المصرية فى تغيير مسار الأحداث فى الأيام الأخيرة، بدءً من زيارة السيسى وأردوغان إلى السعودية، مروراً بمؤتمر شرم الشيخ الاقتصادى، وحتى مؤتمر القمة الأخير، والتى إنتهت بتغلب الطرح المصرى بتكوين قوات عربية مشتركة، بهدف إبعاد تركيا وحلفائها الإخوان عن المشهد السياسى فى الشرق الأوسط، وردع إيران فى نفس الوقت، يبدو رد فعل لشارع المصرى على هذا النجاح محبطاً للغاية، تغلب عليه الأهواء والتفسيرات الشخصية والحزبية الضيقة، وخلط ما هو شخصى أو ثقافى، بما هو سياسة ومصالح، لدرجة جعلت قطاع كبير من الشارع المصرى لايخفى حتى تأييده الواضح للحلف الإيرانى الحوثى السورى، مقابل الحلف العربى المصرى السعودى، لمجرد كراهيته الشخصية أو الفكرية أوحتى السياسية للمملكة العربية السعوية، مستخفاً بالتهديد الإيرانى لأمن البحر الأحمر،متجاهلاً أن المصالح ومقتضيات الأمن هى التى تحدد التوجهات السياسية لأى دولة راشدة، وليس مشاعر الحب والكراهية!!!

ولكى نسهل من تناول هذا الموضوع الشائك، شديد التعقيد، بالنسبة لمجتمع يعانى من التشرزم السياسى وفقدان البوصلة السياسة،فسوف نتناوله هنا من ثلاث محاور سياسية رئيسية وهى، المصالح، الأمن، موقف الدول الكبرى من الصراعات الإقليمية، ولنبدأ بالمصالح المشتركة!!!

إننا وبدون حتى الإضطرار للرجوع إلى الأرقام، يمكننا أن نؤكد أن حجم المصالح الاقتصادية بين مصر وإيران، سواء على مستوى الإستثمارات، أو على مستوى التبادل التجارى، هو ملاليم الدولارات وليس ملايين الدولارات، أما على مستوى المعونات الإقتصادية فهو أيضا ملاليم، وعلى مستوى أسواق العمل، فإن النتيجة هى أيضا ملاليم، ملاييم فى ملاليم، لاتقارن بالمليارات التى تربط مصر بالسعودية ودول الخليج!!!

فإذا ماإنتقلنا إلى البعد الأمنى، وهو الأكثر خطورة فى الواقع، فإن إيران وحليفها السورى أو الحوثى أو سمه ماشئت، هم من يهددون الأمن القومى المصرى فى الواقع، وليس السعودية ودول الخليج، فإيران الخمينى هى التى أطلقت على أحد أكبر شوارعها الرئيسية إسم قاتل أنور السادات، وذلك فى تحدى سافر لإرادة الشعب المصرى فى السلام مع إسرائيل ومع العالم، إن إيران وحليفها السورى بوجه خاص، هى التى شنت الحرب الدبلوماسية على مصر، وعرقلت كل جهودها المضنية من أجل توسيع دائرة السلام فى الشرق الأوسط، وهى التى ساعدت حماس فى إنقلابها فى غزة، وإحتضنتها فى دمشق لسنوات طويلة فى عملية كيد سياسية غير مسبوقة لعرقلة الجهود المصرية لإصلاح ما أفسده إنقلاب حماس فى غزة، وتحقيق المصالحة بين فصائل الشعب الفسطينى، وهى التى دعمتها بالمال والمشورة والسلاح، وهى التى أرسلت أساطيلها أخيراً إلى سواحل عدن تمهيداً للسيطرة على البحر الأحمر بواسطة حلفائها الحوثيين فى اليمن وضرب الأمن القومى المصرى فى مقتل، وأخيراً وهذا هو المهم، هى التى أخلت بموازين القوى فى الشرق الأوسط من خلال طموحاتها الإستعمارية وتوسعاتها العسكرية المستمرة فى سوريا والعراق ولبنان واليمن، مما جعل الحرب فى النهايةخياراً لا مفر منه لإستعادة ذلك التوازن المفقود!!!

فإذا ماإنتقلنا إلى موقف الدول الكبرى، التى تملك القوة والثروة فى هذا العالم، من الصراعات الإقليمية، سواء  فى الشرق الأوسط، أو فى أى مكان آخر من العالم،فلن يكون من الصعب أن ندرك أن هذه القوى تقدر دائما الطرف الأكثر قوة وتأثيرا فى إقليمهً، وتسلمه مفاتيح الإقليم فى النهاية، وأن هذا التسليم السياسى غالباً مايكون له مردود إقتصادى أيضاً، وهذا ما يضعه صانع القرار المصرى نصب عينيه  وهو يمضى فى سعيه الحثيث من أجل إستعادة الدور الريادى لمصر فى سياسات الشرق الأوسط!!!

هذا هو مختصر الصورة الذى يتحرك على ضوئها صانع القرار السياسى المصرى بمهارة، يشهد له بها العدو قبل الصديق، ومع ذلك يبقى هناك بعض الحقائق التى يمكن أن نوضحها فى شكل خواطر غيرمرتبة حتى تكتمل الصورة،إن تغليب المصالح لايعنى التخلى عن المبادئ، وأن تحالفنا مع السعودية لايعنى أننا سنتخلى عن سعينا الدائم لجعل بلدنا ديموقراطية مدنية حديثة، وأننا سنتبع المنهج السلفى السعودى، فلم تتخلى إنجلترا وفرنسا عن مسيحيتهما ولاتخلت الدولة العثمانية عن إسلامها عندما تحالفوا فى مواجهة الخطر الروسى فى حرب القرم الشهيرة سنة 1854م،وبمثال أكثر وضوحاً، فلم يتخلى الإتحاد السوفيتى السابق عن إشتراكيته ولاتخلت إنجلترا وفرنسا عن رأسماليتهما عندما تحالفوا جميعا فى مواجهة الخطر الألمانى فى الحرب العالمية الثانية، إن السعودية وبرغم منهجها السلفى وآثاره السلبية على المنطقة، مازلت أصولية برجماتية تعرف لغة المصالح المشتركة بين الناس وهو الرباط القوى الذى مازال يربطها بالعالم، أما الأصولية الإيرانية فهى أصولية عمياء لاتعرف سوى تجييش الميليشيات وبناء الصواريخ ومعاداة الجميع، إن خلط بعض المثقفين بين قطع الروابط مع الماضى وبين بشار ونجادالإنتقام منه هو خلط ساذج، فالشعوب لاتنتقم من الماضى بل تنتصر عليه بتجاوزه ونسيانه وتقديم ما هو أفضل منه، وإلا ما نست اليابان قنابل هيروشيما ونجازاكى وأصبحت أكبر شريك تجارى للولايات المتحدة الأمريكية، وما نست إسرائيل الهولوكست ورحبت بالشعب الألمانى كمستثمر وضيف وسائح فى بلادها، إن التصوربأن مصر والسعودية تحاربان من أجل إسقاط الشيعة وتمكين الإخوان هو تصور ساذج، لإن التحالف العربى قام على أساس شرط أساسى هو إستبعاد الإخوان من المشهد السياسى، أماالتصور بأن إسقاط الشيعة سوف يترتب عليه صعود الإخوان تلقائيا على وزن أغنية (إما مبارك وإما الإخوان)، فهو تصور أكثر سذاجة لإن الرئيس اليمنى عبد ربه منصور هادى الذى إنقلب عليه الحوثيون، هو سياسى من خلفية عسكرية وليس له أى علاقة بحزب الإصلاح اليمنى الإخوانى، وكان من أشد المؤيدين لإقصاء الشعب المصرى للإخوان عن الحكم فى 30 يونيو، ونفس الحال فى سوريا والذى ينظر البعض إلى الصراع فيها بنفس المنظور الساذج (إما بشار أو الإخوان) حيث أسفرت الإنتخابات الأخيرة لائتلاف المعارضة السورية عن فوز الدكتور خالد الخوجة على المرشح الإخوانى نصر الحريرى،وذلك فى إشارة واضحة إلى أن ليس كل معارضى بشار إخوان، وفى نفس السياق فأن التصور بأن السعودية هى من خلقت تنظيمات القاعدة وداعش وأنها وحدها المسئول عن الإرهاب السنى فى الشرق الأوسط، وبالتالى فلا حق لها فى أن تشتكى من الإرهاب الشيعى، هو تصور يناقض العقل، فكل تنظيمات القاعدة تعمل لحسابها الخاص، والجميع مسئول عن وجودها بشكل أو بآخر، وإذا كانت السعودية هى التى خلقتها وحدها فلماذا لا تستخدمها الآن فى مواجهة الحرس الثورى الإيرانى، بدلاً من التفكير فى اللجوء إلى الإخوان بما يحمله ذلك من مخاطر تدهور العلاقات مع مصر وإخراجها من موازين الصراع، أوبدلاً من التفكير فى إنشاء قوات عربية مشتركة سوف تكلفها مليارات الدولارات؟ أن السعودية أصولية ثقافية فى الأساس وذراعها العسكرى المحتمل الوحيد هو ذراع إخوانى،وهو ذراع مكسور منذ التسعينيات بسبب تأييد الإخوان لصدام حسين فى غزوه للكويت،وطالما أنها قد تخلت عن فكرة إسترجاع ذلك الذراع المكسور، بما يمثله ذلك من تهديد خطير لوجود الدولة المصرية، فهى مازلت بلد صديق، على الأقل بلغة السياسة وليس بلغة الثقافة!!!

وإستكمالاً لتداعى الخواطر الغير مرتبة تلك، يمكن أن نقول أيضا، أن القول بأن باب المندب تحميه الإتفاقات الدولية هو قول ساذج، لإنه لاقيمة لأى إتفاقية دولية بدون قوة تحميها ولنا فى تاريخنا الحديث أكبرمثال، بل ربما أكبر مأساة، وهى مأساة التل الكبير، التى مكنت الإنجليز من إحتلال مصر، عندما رفض عرابى الإستجابة لنصيحة أركان حربه بضرورة سد قناة السويس وتحصين الجبهة الشرقية، إعتماداً على تأكيدات ديليسبس بأن الإتفاقيات الدولية تحمى القناة، ليفاجأ خلال أيام بإقتحام الأسطول الإنجليزى المتجمع فى البحر المتوسط للقناة من بورسعيد، ونزوله فى الإسماعيلية وإبادة وحدات الجيش المصرى  فى التل الكبير والزحف على القاهرة وإحتلالها خلال ساعات،,وأن القول بأن مصر بلد دائما مايشترى بالمال هو قول ساذج، لإن مصر حاربت مع عراق صدام حسين ضد إيران ولم يكن المال ضمن الأهداف، بل كان هناك تحرش خمينى بتصدير الثورة يجب ردعه، وكان هناك توازن قوى يجب الحفاظ عليه، إن القول بأن مصرسوف تعود لأوهام العروبة هو قول مبالغ فيه أيضا، لإنه لايعنى أن القوات المشتركةالتى ستحارب إيران تحمل إسم القوات العربية المشتركة هى أن مصر سوف تعود إلى أوهام الستينات مرة أخرى، وفى نفس السياق فإن القول بأن مصر سوف تغرق فى مستنقع اليمن مرة أخرى هو قول مبالغ فيه أيضاً، لإن مصر عبد الناصر قد ألقت بنصف جيشها فى اليمن من أجل لاشئ، أما مصر اليوم فهى تساهم بجزء من قدراتها العسكرية فقط من أجل تحقيق أشياء كثيرة، إن القول أيضا بأن مصر سوف تغرق فى مستنقع الطائفية المذهبية هو قول ينافى الحقيقة، لإن الجزء الذى سيسقط فى هذه الطائفية، هو جزء ساقط أصلاً فى الطائفية، ولن يضيرنا شئ إذا أضاف إلى أمراضة المستعصية مرضاً جديدأ، أما باقى الجسد السليم فسيظل سليماً ولن يهتم سوى بمصلحة بلاده، وفى نفس السياق، وهذا هو المهم فى النهاية، هو أن الجندى المصرى الذى سيخوض ذلك القتال المرتقب، لا يعرف لا سنة ولا شيعة ولا حتى عروبة، وهو بالتأكيد لايعرف سوى أنه ينفذ تعليمات القائد الأعلى للجيش المصرى، دفاعاً عن مصالح وأمن الدولة المصرية!!!

وتظل هناك ملاحظة أخيرة يجب أن نختم بهاهذا المقال، وهى أنه وفى صراع الأصوليات فى الشرق الأوسط، سوف يبقى دائما هناك إحتمال، بأن تعود السعودية ورفيقاتها الخليجيات إلى خيار الإخوان فى أى لحظة، وإذا ما تطلبت ظروفها ذلك، وهنا بالطبع سوف يكون لمصر أيضا خياراتها البديلة، ولكن، وبالتأكيد، فإن آخر تلك الخيارات سوف يكون هو التحالف الفعلى المضاد مع إيران الخمينى، لإن إيران الخمينى سوف تظل دائماً فى نظر صانع القرار المصرى الحكيم،أصولية عمياء، وأن التحالف معها لن يعنى فى النهاية سوى هدم المعبد على رؤوس الجميع!!!

عبدالجواد سيد عبدالجواد

جاكرتا 31/3/2015م

[email protected]

لمزيد من القراءة – الثورة الإيرانية و36عاماً من العدوان – مقال منشور على موقع مصر المدنية بتاريخ 20/2/2015م.

Print Friendly
This entry was posted in عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.