محمد علي باشا والديمقراطية

مؤمن سلاّم مؤمن سلام

يُعتبر محمد علي بلا شك هو باني مصر الحديثة ومخرجها من ظلمات القرون الوسطى إلى نور العصر الحديث ومحيي الدولة القومية المصرية بعد غياب دام ألاف السنين، ولولاه لربما لحقت مصر بسوريا وليبيا والعراق واليمن في هذه الحروب الأهلية الطاحنة. لكنه محمد علي الذي أحيا الدولة القومية وجعل الولاء والانتماء لمصر وليس للقبيلة أو العشيرة أو الطائفة.

إلا أن بعض أعداء الديمقراطية في عصرنا الحديث يستخدمون نموذج نهضة محمد علي كدليل على عدم حاجاتنا للديمقراطية، فمحمد علي قد حقق نهضة مصر في أربعين سنة هي فترة حكمه بالرغم من غياب الديمقراطية.

الحقيقة هذا الكلام يحتوى على خطأ منهجي أساسي يتكرر في كثير من الحالات يتعلق بتقييم أحداث وشخصيات التاريخ بمعايير العصر الحديث. فتقييم التاريخ بمعايير العصر سيؤدي إلى نتائج خاطئة تجعل من كل أفعال التاريخ وشخصياته أفعال وشخصيات شريرة. ويُعتبر نموذج محمد علي والديمقراطية نموذج جيد للتدليل على خطأ هذا المنهج.

فمن حيث الديمقراطية، كانت ديمقراطية النصف الأول من القرن 19، وهى فترة حكم محمد علي، تختلف تماما عن ديمقراطية القرن 21. فوفقا لصامويل هنتجتون في كتابة “الموجة الثالثة” كانت الموجة الأولي للتحول الديمقراطي تقع في الفترة من 1828 إلى 1926 وكان معيار هذا التحول أن يصبح من حق أكثر من 50% من الذكور التصويت في الانتخابات ومن أهم الدول التي تحولت ديمقراطيا وفقا لهذا المعيار في هذه الفترة، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

أي أن هذه الدول الثلاثة لم يكن مسموح للمرأة بالتصويت في الانتخابات ولا للكثير من الذكور قد تصل نسبتهم إلى 49% منهم. وهذه دول بدأت رحلتها مع الليبرالية والديمقراطية في القرن 18 اى أن بعد قرن من ظهور الأفكار الليبرالية والثورة الأمريكية والثورة الفرنسية وقرون من الماجنا كارتا البريطانية بدأت هذه الدول في أخذ الشكل الديمقراطي الذي انتهى في الشكل الذي نراه الآن.

فإذا كان المعيار لديمقراطية هذا الزمان هو حجم المشاركة السياسية للذكور والذي تبلور في أوائل القرن العشرين، ألا يمكن القول أن سياسات محمد علي كانت تسير في هذا الاتجاه، وهو توسيع مشاركة المصريين السياسية والمشاركة في اتخاذ القرار؟ مجلس محمد علي

فقد شكلت البعثات العلمية إلى أوروبا وروسيا النواة الأولى للمصريين الذين تولوا مناصب رسمية في الدولة مثل رفاعة الطهطاوي وعلى مبارك وكانوا المعلمين للزعماء السياسيين المصريين بعد ذلك مثل محمد عبده وعرابي والنديم ثم جيل أحمد لطفي السيد وسعد زغلول ومكرم عبيد.

وإذا التزمنا التاريخ الذي ذكره هنتجتون للموجة الأولى للديمقراطية 1828-1926 سنجد أن مصر كالعادة في هذا الوقت لم تكن متأخرة كثيرا عن التحولات الديمقراطية التي شهدها العالم في ذلك الوقت وربما لو لم نكن تحت الاحتلال البريطاني ومقاومة الملك فؤاد ومن بعده فاروق لقيم الحداثة والتنوير متحالفين مع القوى المحافظة في الأزهر ثم تحالف القصر والإخوان وأخيرا انقلاب يوليو 1952 لربما كنا الآن على نفس المستوى الأوروبي سياسيا واقتصاديا وعلميا واجتماعيا.

عصر محمد علي لم يكن عصر ديمقراطية في العالم كله ولكن كان عصر التحول نحو الديمقراطية. وإذا قارنا ما أنجزته مصر حتى عام 1926 في تحولها الديمقراطي مقارنة بالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا سندرك حجم القفزة الهائلة التي قام بها محمد علي وأبنائه خاصة إذا قارنا حال مصر عام 1805 يوم أن تولى محمد علي الحكم وحال هذه الدول الثلاث في نفس العام.

نعم محمد علي لم يكن ديمقراطيا بالمعنى الحالي للديمقراطية لكنه بالتأكيد كان يأخذ مصر في طريق الديمقراطية عن طريق القضاء على المماليك وتحجيم دور الأزهر بالتوجه نحو التعليم المدني الذي عمل على أن يشمل البنات أيضا متمثلة في مدرسة المولدات والانفتاح على أوربا وتكوين الجيش الوطني لإحياء الدولة القومية المصرية وليشترك المصريين في حكم بلدهم بعد غياب ألاف السنين، لقد كانت كلها خطوات تصب في اتجاه التحول الديمقراطي الذي ترسخ بإقرار دستور 1923.

ولعل مقارنة بسيطة بين بيان 23 يوليو 1952 الذي قال أن من أهداف حركة الجيش “إقامة حياة ديمقراطية سليمة” فلم نرى بعد 63 عام من هذا البيان أي ديمقراطية لا سليمة ولا معيبة، بل لازلنا نسمع عن ضرورة تأهيل الشعب المصري للديمقراطية وللأسف مازال البعض يصدق أن من غيبوا الديمقراطية لمدة 63 عام عن مصر سيعملون على تأهيلنا للديمقراطية.

لقد كان محمد علي باشا أول من وضعنا على طريق التحول الديمقراطي الذي أثمر في 1923 وتم قتله في 1952.

Print Friendly
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , . Bookmark the permalink.