عاصفة الحزم

 محمود خاطر خريطة اليمن

خلفية عن الاحداث..

طالت اليمن رياح الربيع العربي والتي سرعان ما تحولت إلى عاصفة قلبت الأمور رأساً على عقب وشهدت الأحداث تطورات خطيرة مبعثها تلك المشاكل المعقدة التي تطويها البلد الفقير بداية من القضية الجنوبية وصولاً إلى البنية القبلية التي تمتاز بالتعقيد الشديد،لكن اليمن اتخذت مساراً منحرفاً بخصوص العملية السياسية عقب الثورة والتي انتهت باتفاق قضى بتقسيم فيدرالي قوامه 6 اقاليم وذالك في فبراير 2014.

والحقيقة أن هذا التقسيم كان استدعاء لاستعجابي ؛فقد تم هذا الإتفاق رغم رفض “انصار الله” و”الحراك الجنوبي ” مع أن القضية الجنوبية وكذالك الحوثية كانت أحد أهم اطراف النزاع اليمني إن لم تكن أهمها على الإطلاق. ويومها تسألت لماذا لم يتم التوافق من الأصل مع اطراف الأزمة قبل اقرار التقسيم..؟ إلا إنني يومها تيقنت بأن في الأمور أمور وبأن هناك شيئاً ما يحاك لليمن.

موقف السعودية..

 بالطبع السعودية هي اكثر دول العالم اهتماماً بالشأن اليمني باعتبار اليمن الحديقة الخلفية للمملكة،واعتقد أن السياسة الخارجية السعودية الأن تعيش افضل حالتها على الإطلاق والمتابع لحركة التاريخ الحديث سيجد تقدم ملحوظ في ذكاء السياسة الخارجية السعودية وحنكة كبيرة في إدارة شأن خطير كالشأن اليمني، فالسعودية كانت داعمة في وقت من الأوقات بشكل أو بأخر لمحسن الأحمر والأخوان باعتبارهم الخصم الاقوى في مواجهة الحوثيين وبالطبع تقطعت الأوصال بين السعودية والأخوان بسبب الشأن المصري بل واصبح اخوان اليمن عدوا للسعودية يجب التخلص منه وهنا اختارت “ضرب عصفورين بحجرين” فلم تبد معارضة شرسة لسيطرة الحوثيين على صنعاء ومهاجمة الإخوان المسلمين وقوات الأحمر وبذالك كبدت الإخوان خسائر جمة في اليمن وتبقى عدوها الثاني وهو الحوثي وجماعته والتي اعلنت عليه حرب شرسة بتحالف ضم عشر دول.

ومن يريد معرفة الأسباب التي دفعت المملكة لتشكيل هذا التحالف فعليه أن يعرف أولا منطلقات السياسة الخارجية السعودية والتي تتلخص في نقطتين وهما الحفاظ على النظام الحاكم بما في ذالك التصدي للنفوذ الإيراني الذي يهدد النظام بشكل رسمي وصريح وثانيا الحفاظ على الدور الأقليمي التي تلعبه المملكة وإدارة لعبة التحالفات بشكل سليم يضمن لها الأرتياح في مواجهة المد الإيراني،ولذا شكلت السعودية هذا التحالف لردع توجهات الحوثيين باتجاه اراضي المملكة خاصة مع وجود تهديد حوثي للحدود السعودية كل هذا تحت مظلة التاريخ الأسود بين الحوثيين والسعودية.

ولايوجد شك من أن تدخل السعودية في اليمن كان متوقعا ؛فسقوط اليمن بالكامل في قبضة الحوثيين أو إن شئنا الدقة إيران معناه أن المملكة لن تهنأ بيوم واحد فلن تمر ايام على اسقاط عدن في قبضة الحوثي والانتصار على هادي حتى تبدأ المناوشات الصريحة وربما المعارك على الحدود وعندها سيستفحل خطر الحوثيين لأن اسقاط عدن(عاصمة المقاومة) وطرد هادي منها يعني أن اليمن بأكمله بات في قبضة ايران وعندها لن نتعجب إذا وجدنا حرس ثوري يقاتل على الحدود مع المملكة على غرار تدخل ايران في العراق ووجود القائد السليماني بشكل معلن ولهذا كان تدخل السعودية يمكن تفهمه تماما.

ولا اعتقد أن تدخل السعودية كان بغرض تعطيل المفاوضات الغربية الإيرانية والسبب ببساطة أن امريكا والدول الغربية اكبر من أن تغير مواقفها من أجل أي دولة عربية فهم ينظرون للدول العربية باعتبارهم دمى تخدم مصالحهم لا العكس،وهو ما وجدناه بالفعل ولمسناه في تصريحات الإتحاد الأوروبي الذي فضل الحل السياسي وحتى موقف امريكا الداعم للتحالف لا يتخطى كونه ضوءا اخضر للدول المشاركة فقد كان بامكان البيت الأبيض المشاركة فعليا في الحرب على الحوثيين لكنه لم يفعل حفاظا على التفاهم النسبي مع إيران بخصوص التسوية النووية.

إيران..

أما إيران فليست كما يعتقد البعض أنها الأن جالسة وأمامها زجاجات الخمر لتتجرع كأس الهزيمة فاليمن بالسبة لإيران مجرد لعبة تحركها من على بعد الأف الكيلو مترات وحتى خسارة الحوثيين المعركة بشكل كامل لايتخطى كونه خسارة احد اوراق  اللعبة فقط لاغير بالنسبة لإيران،فالحوثي وجماعته بالنسبة لإيران كإخوان مصر بالنسبة لأمريكا ولن تذهب بعيداً في نصرتهم فهم مجرد ادوات تُستخدم وهذا ما يفسر الهدوء الذي تحدث به “احمد ظريف” وزير الخارجية الإيراني.

ليس هذا فحسب بل إن إيران ربما تكون استفادت من ارتفاع اسعار النفط والتي ستزداد لامحال في حال استمرار العملية العسكرية. اليمن حوثيين

واعتقد أن المحادثات النووية بين الغرب وإيران كان لها نصيب كبير في ضبط التصريحات الإيرانية فإيران تريد ألا تضيع قرب فرصة التوافق النهائي في المحادثات النووية وبالتالي لاتريد توريطاً في حرب مع السعودية فدخول إيران الحرب بشكل مباشر يعني حرب عالمية شاملة وليست حربا اقليمية كما يردد البعض ؛ فمعنى دخول إيران الحرب بشكل مباشر يعني مهاجمة السعودية وبالطبع ستكون الولايات المتحدة في حالة حرب مع إيران وربما ستضطر إلى استخدام قواعدها العسكرية في السعودية لأن مبرر وجودها سيكون حدث وهو الاعتداء بشكل مباشر على السعودية.

أما دول الغرب فهي دول رأس مالية بالأساس تقيم بوصلتها الخارجية على حسب مصالحها الاقتصادية والتي ستتضرر بلاشك في حالة دخول السعودية وإيران في حالة حرب نظراً لتوقف امدادات النفط وهو مايعني شل حركة الصناعة في تلك الدول أي انها ستضطر حتما دخول المعركة،ولن يتوقف الأمر إلى هذا الحد بل ستدخل مصر والمليشيات العراقية وحزب الله وستشتعل نيران الحرب بشراسة.

ولكن كل ماقلته سالفاً لن يحدث فإيران أعقل من أن تتدخل بشكل مباشر إلى جانب الحوثي فاليمن ليست كالعراق، بالأضافة إلى رغبة إيران الجامحة في تلطيف الأجواء مع الغرب لإتمام التفاوض بخصوص الشأن النووي وذالك بهدف رفع العقوبات عن الاقتصاد الإيراني المنهك أصلا جراء المساعدات العسكرية السخية التي تقدمها للأسد ولحزب الله وللحشد الشعبي العراقي بالإضافة لمشاريع البنية التحتية التي تقدمها للحكومة العراقية وكذالك امريكا تريد حسم الموضوع النووي لعدة اسباب ابرزها بحث اوباما عن أي نجاز يحسب له خاصة مع اخفاقه في عدة قضاياة خارجية ابرزها حسم قضية إخوان مصر لصالحه و فشله في حل القضية الفليسطينية وتوتر العلاقات معه ومع الإدارة الإسرائيلية لأول مرة في تاريخ العلاقات بينهم بالاضافة إلى رغبة امريكا في التفرغ لقضايا اخرى كمحاربة داعش وربما توجد صفقة بين إيران وامريكا لإطلاق يد إيران في العراق مقابل التوصل لحل في الشأن النووي..كل هذه اسباب تجعل امريكا وايران تريد حسم الملف النووي ولذا حرص الطرفان على عدم إفساد التوصل لحل الصراع النووي.

ولكن ليس هذا معناه أن إيران سترفع يدها استسلاما لكنها ستكتفي بدعم الحوثيين عن بعد.

مصر..

أما مصر فلن اتحدث عن موقفها لأنه كان متوقعا جدا  أما المثير في موقف مصر هو رأى المعارضين لموقفها فقد قال أحد المعارضين نصاً “ما الداعي لتدخل مصر مادام أن الحوثيين قد اعلنوا التزامهم بعدم المساس بباب المندب “…

وهنا يجب أن نقول لهؤلاء أن السياسة الخارجية في هذه الاوقات لايجب أبدا أن نبنيها على حسن النية ولا على الثقة في طرف يختلف امامه المشهد باستمرار وتتغير المعطيات امام عينه في كل لحظة،بالاضافة إلى اننا حتى لو افترضنا حسن النية في الحوثيين وصدقنا انهم لايريدون ضررا لمصر فما الذي يضمن لنا ألا يغلق الحوثيون المضيق بهدف التضييق على السعودية التي تعتمد على المضيق بشكل كبير في نقل البترول وبالتالي تتأثر قناة السويس  بهذا الأغلاق..؟ وحتى لو افترضنا أن الحوثيين لن يتعرضوا للمضيق لأن علاقاتنا مع إيران -وحلفائها كبشار- لا تأخذ شكلا عدائيا فما الذي يضمن لنا ألا يهددونا به مستقبلا من أجل فرض رأيهم على مصر..؟ ولماذا اصلا نسمح بأن نعطي لإيران ورقة لتساومنا بها في المستقبل مع أننا نستطيع منع تلك الورقة من الوقوع في ايديهم..؟!

وتجد أخر يرفض مشاركة مصر لحماية المضيق بحجة أن “الحوثيين أقل من غلق باب المندب “..ويمكن الرد على هذا القول الهزيل بجملة واحدة وهي : نعم الحوثي لايستطيع غلق باب المندب لكن إيران تستطيع !

صحيح أن إيران تستطيع عسكرياً لكنها لاتسطيع سياسياً فأغلاق باب المندب لايؤثر على مصر والسعودية وحدها بل سيؤثر على دول الغرب بشكل مباشر، لكن تدخل مصر على هذا النحو الجوي والبحري مهم وضروري حتى لايصبح باب المندب  على الأقل ورقة لعب في يد ايران ولأن قناة السويس ستتأثر بلا ادني شك من أي صراع -ولو صغير- يحدث في المضيق..

Print Friendly
This entry was posted in محمود خاطر and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.