(سجون القاهرة فى العصرين الأيوبى والمملوكى (3

عبد العزيز جمال الدين  عبد العزيز جمال

التغريق:

في العهد الأيوبى أمر الملك الصالح نجم الدين أيوب بقتل جماعة من الأشرفية وغيرهم، وغرق بعضهم فى البحر وذلك فى حدود سنة 644 هـ= 1246 م.

وفى العهد المملوكى أمر الملك الظاهر بيبرس فى سنة 668 هـ= 1270 م بقتل عدد من الأسرى الفرنج الذين فى سجون القاهرة، رداً على قيام الفرنج بضرب رقاب الأسرى المسلمين، فأخذ من أعيان من عنده من أسراهم نحو 100 أسير فغرقهم فى النيل ليلاً. وفى سنة 735 هـ= 1335 م. عوقب الأمير شمس الدين حمزة بسبب شكاية رفعت إلى النائب بأنه ظلم الناس أثناء عمارته لحمام، فضربه بين يديه، وضربه بالبندق فى وجهه وسائر جسده، ثم حبسه بالقلعة، ثم نقله إلى بحيرة طبرية فغرقه فيها. وفى سنة 769 هـ= 1367 م. أغرق السلطان فى النيل جماعة من المماليك الذين تآمروا على قتله. وفى سنة 791 هـ= 1389 م. قام منطاش بتغريق عدد من المماليك الظاهرية، وكان هؤلاء المماليك قد خرجوا عن الطاعة بمدينة قوص بصعيد مصر. وفى سنة 793 هـ=1391 م. أمر السلطان الظاهر برقوق بإحضار السجناء من سجن خزانة شمائل إلى الريدانية، فأفرد منهم 37 رجلاً، فأمر بثلاثة منهم فغرقوا فى النيل، وهم محمد بن الحسام أرغون أسكى، وأحمد بن النقوعى، ومقبل الصفوى، وسمر منهم سبعة ثم وسطوا، ثم قتل من بقى منهم فى السجن.

وفى سنة 871 هـ= 1467 م. أمر السلطان خشقدم بإغراق يرش خازندار الأمير جاني بك نائب جدة، وكان شاباً صغيراً، فأسف الناس لإغراقه. وفى سنة 902 هـ= 1497 م. حكم على جارية بالموت غرقاً بنهر بردى بعد اتهامها بجريمة قتل، وكان النائب يريد قتلها على الخازوق، ولكن بعدما اتضح أنها حبلى أمر النائب بتغريقها، فعريت بالوادى الأخضر قبلى الوراقة العزية، وثقلت بحجارة وألقيت فى الماء العميق ببردى، من فوق جسر طوغان. وفى سنة 907 هـ= 1502 م. أمر السلطان باعتقال عدد من المماليك وتغريقهم فى النيل.

التجويع:

حيث يمنع السجين من الطعام والشراب حتى يموت، ففي العهد الأيوبى اتهم  السهرورودى الفيلسوف شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك بالزندقة والاستهزاء بالدين  فشنع عليه فقهاء حلب وعملوا محضراً بكفره، وزادوا عليه أشياء كثيرة، فأمر السلطان صلاح الدين ولده الملك الظاهر بقتله، فاختار هو لنفسه أن يترك فى بيت حتى يموت جوعاً، ففعل به ذلك سنة 586 هـ= 1190 م. بقلعة حلب. كذلك اعتقل السلطان الصالح أيوب أحد خدامه ويدعى الناصح فمات فى السجن من القلة والقمل، وذلك بسبب أنه كان عاملاً للملك الجواد على دمشق فصادر أهلها وأخذ منهم نحواً من ستمائة ألف دينار، فلما استولى الصالح أيوب على دمشق سجنه.

وفى العهد المملوكى كانت هذه الطريقة من الطُّرق التى لجأ إليها السلطان الناصر محمد بن قلاون فى القضاء على مناوئيه، وممن توفى فى السجن بهذه الطريقة الأمير سيف الدين سلار المغلى سنة  710هـ= 1311 م. فى قلعة القاهرة، وقيل أنه أكل حذاءه من الجوع. وممن مات جوعاً بالسجن الأمير سيف الدين برلغى الأشرفى سنة 710 هـ= 1311 م. أيضاً بعد أن قبض عليه السلطان الناصر محمد بن قلاون وسجنه فى قلعة القاهرة بتهمة التآمر عليه، ومنع عنه الطعام والماء حتى يبست أعضاؤه وجف لسانه، وكذلك الأمير بكتوت الفتاح سنة 811 هـ= 1409 م. ، وكان قد اعتُقل هو والأمير أيدمر الخطيرى فى سجن إسكندريه، وبعد وفاة بكتوت الفتاح، رسم السلطان بنقل أيدمر إلى مكانه ليموت نفس الميتة، ولكن نائب إسكندريه بكتوت الخزندارى كان صديقاً لأيدمر، فلما ورد عليه المرسوم بنقله بعث له بالخفاء إناءكبيراً جداً فيه ماء، ومعه رغيف كبير يزن أرطالاً كثيرة ليتقوت به، فعندما دخل الخطيرى إلى المكان الذى مات فيه الفتاح استعان بالخبز والماء ثلاثة عشر يوماً حتى صدر مرسوماً بالإفراج عنه وقد ظن الجميع بأنه مات.

وقد تنوعت طرق التعذيب فى ذلك العصر على النحو التالى:

الضرب بالمقارع والعصى:

والمِقْرعة: هى السوط، وهى خشبة فى رأسها سير يضرب بها البغال والحمير. وكان سير المقرعة يسمى “شيب” فى ذلك العصر، فيقال “ضرب مائتى شيب”. والتعذيب بالضرب يتم بتعرية ظهر السجين ويضرب بالمقارع على ظهره، أو يضرب بالعصا على أكتافه ومؤخرته وقدميه.

ونجد فى العصر المملوكى تعديات كثيرة على كرامة الإنسان، وأنواع من التعذيب الشديد، ومن أشد الناس تعذيباً بالمقارع الوزير موسى بن التاج فقد اعتُقل بسعاية من أحد الأمراء النشو سنة 731 هـ= 1330 م. وصودرت ممتلكاته وضرب بالمقارع أكثر من مائتى شيب وسعط بالماء والملح وبالخل والجير حتى ظنوا أنه مات، فأصبح سوياً، ثم عقِّد له شيب المقرعة وضرب بها، فكانت إذا نزلت على جنبه تثقبه، وفى أحد المرات قطعت من ظهره قطعة لحم كمثل الرغيف، حتى ظنوا إنه مات، فوجدوه حياً، واستمروا على ذلك أشهراً، ثم عذبوا زوجته وكانت حاملاً فولدت فعاش ولدها حتى كبر، وما زالا فى العقوبة حتى هلك النشو. وربما توفى السجين المضروب من شدة الألم والخوف، كما حدث مع إحدى مغنيات مصر وتدعى خديجة الرحابية، التى قبض عليها والى القاهرة يشبك بن حيدر، وكانت من أعيان مغنيات مصر، جميلة حسنة الغناء، ولها حظوة عند أرباب الدولة والرؤساء، فافتتن بها كثير من الناس، فلما قبض عليها يشبك كانت فى بعض الأفراح، فلما مثلت بين يديه قال لها: “أنت التى أفسدت عقول الناس”، ثم أمر بضربها بين يديه نحواً من خمسين عصا، وقرر عليها مبلغاً له صوره، وكتب عليها قسامة أنها لا تغنى ولا تحضر مقام، فلما خلصت من ذلك قامت مريضة مدة من الرجفة التى وقعت لها، ثم ماتت عقيب ذلك، وكان عمرها 30 سنة.  تعذيب

وأشد أنوع الضرب كان يسمى “المقترح”، وهو “أن يضرب الناس وقوفاً على ألواح أكتافهم، فإذا مال أحدهم إلى قُدام ضربوا على صدورهم”، وأول من استحدث هذا هو كريم الدين الصغير ناظر الدولة المصرية سنة 726 هـ= 1325 م. فقد ضرب سعد الدين بن البقرى ناظر الخاص سنة 785 هـ=1383 م. بالمقارع فى حضرة السلطان، ثم أعيد الضرب عليه فضرب تحت رجليه ثلاثمائة عصى وعلى ظهره مقترح مثلها وعلى إسته مثلها، وصار من شدة الضرب يمرغ وجهه فى الحصباء إلى أن أثر ذلك فى وجهه أثراً لم يزل إلى أن مات، وكذلك يلبغا السالمى ضرب مقترح سنة 802 هـ= 1400 م.، وضرب رجل أعجمى ضرباً مقترحاً مائة عصى وجرس، بسبب أنه قال للسلطان برقوق أن النيل سوف يتوقف ماؤه، فأمر بحبسه وضربه سنة 783 هـ=1381 م.

التقييد:

ويستعمل للتقييد عدة أدوات منها: الجنزير، وهي سلسلة من المعدن تستعمل كالشريط وهو بالفارسية زنجير، وكانت توضع فى رقبة السجين حلقة (باشة) من الحديد متصلة بجنزير وهو مقيد اليدين. وكانت توضع أيدى وأرجل السجناء فى قيد عريض من الخشب، حيث توضع الأرجل فى المقطرة أو الفلق، وهي خشبة بها خروق على قدر سعة الساق، يحبس فيها السجناء، ويوجد مثلها لليدين فعندما قبض على مجموعة من المماليك بتهمة التآمر لإثارة الفتنة وعددهم حوالى 300 مملوك بالغوا فى إهانتهم بأن وضعوا الزناجير فى أعناقهم، وعملت يدى كل اثنين منهم فى خشبة وسجنوا بخزانة شمائل.

وعندما كان أولى الأمر يريدون التضييق على السجين كان يقيد بالحديد الثقيل فى قدميه وتوضع يديه فى الخشب كما حدث مع ابن المشطوب فى سجن حران سنة 619 هـ= 1222 م حيث بقى على هذا الحال حتى توفى بعد أشهر قليلة.

التكحيل:

عقوبة تنفذ بقضيب حديد محمى بالنار، ويكحلون عين المذنب حتى تسيل الحدقات فيفقد عينه. ونورد عدة أمثلة ومنها: فى سنة 852 هـ= 1448 م. أمر السلطان بتكحيل الأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى النقيب ويقال له “زيرامو”، والأمير بهادر التقوى الزراق بعدما هربا من سجن إسكندريه وقبض عليهما، فكحلا بالحديد المحمى مرتين حتى فقدا البصر ومن الأمراء الذين كحلوا فى السجن الأمير صاروجا سنة 743 هـ= 1343 م. والشريف سرداح بن مقبل الذى توفى سنة 833 هـ= 1430 م. وفى سنة 895 هـ= 1490 م. رسم السلطان قانصوه الغورى  بقلع عينى شخص يقال له على بن محمد المرجوشى، وقطع لسانه أيضاً، وسبب ذلك أنه أوحى إلى السلطان بأنه يعرف علم صنعة الكيمياء، فانصاع له السلطان حتى أتلف عليه جملة مال، ولم يستفد من ذلك شيئاً. ومن الملاحظ أن أصل هذه العقوبة يهدف من الناحية السياسية إلى حرمان الخلفاء والسلاطين من العودة للحكم، لأن الإبصار أحد شروط الولاية.

العصر:

وهو أن يوضع الشخص فى آلة تسمى المعصرة وهى آلة تتكون من خشبتين مربوطتين ببعضهما يوضع بينهما وجه المعاقب أو رأسه أو رجلاه أو عقباه ثم تشد الخشبتان شداً وثيقاً، ويضغط عليه حتى تكاد تزهق روحه، ويؤدى ذلك فى كثير من الأحيان إلى كسر العظم المعصور بين الخشبتين، ويطلب إليه أن يعترف بما عنده من أموال. وكانت هذه الوسيلة تستخدم لإجبار السجين على الاعتراف بجريمته، أو مكان أمواله المخبأة لمصادرتها، وتُعصر أعضاؤه، مثل أصداغه وكعبيه ورجلاه بالمعاصير. والكسارات، وينال من الألم الشديد حتى يشرف على الموت، أو تكسر أعضاؤه. فقد توفى فى قلعة دمشق سنة 607 هـ= 1210 م. شخص يدعى ابن الدخينة بعد أن عصر وعذِّب هو وزوجته وأبنائه لإجباره على الاعتراف عن مكان أموال استولى عليها، وكان قد سرق مبلغ ستة عشر ألف دينار مصرية ومصاغ ذهبية من مخزن أيتام فى قيسارية بدمشق فى سنة 601 هـ= 1205 م. واعتُقل على أثرها خلق كثير، ثم اكتشف السارق وهو ابن الدخينة.  واعتُقل جمال الدين الأستادار سنة 812 هـ= 1410 م. حيث أحضر بين يدى السلطان محمولاً لعجزه عن المشى من شدة العقوبة، فقد عوقب بالعصر فى رجليه فدل على أموال قد خبأها وجدت مدفونة فى التراب عبارة عن ذهب زنته خمسة وعشرون ألف مثقال، وأموال أخرى وجدت فى تسع قفاف مملوءة ذهباً، كما عذبوا ابنه بحضرته فدل على مائتى ألف دينار وغيرها، وبقى يزيد عليه فى التعذيب والعصر حتى دل على أموال كثيرة، ثم أعاده إلى سجنه وأمر بمعالجته حتى يبرأ.

التشهير:

وطريقته أنهم كانوا يطوفون بالمشَّهر به راكباً على حمار بالمقلوب فى أرجاء البلد وينادى عليهم: “هذا جزاء من يفعل كذا وكذا”. ففى العهد الأيوبى قدم حلب أحد الشعراء يدعى ابن العود، وكان شيعياً، وتردد إلى الشريف عز الدين مرتضى نقيب الأشراف فاسترسل معه يوماً ونال من أصحاب رسول الله فعاقبه النقيب، وأمر بجره من بين يديه وأُركب على حمار مقلوباً وصفِع فى الأسواق ونزل به إلى مزبلة واغترف غائطاً ولطخ به ابن العود. وفى حدود سنة 592 ه/ 1196 م قبض الملك الظاهر غازى على وزيره العلم بن ماهان بتهمة التمرد، وقطع يده ولسانه وأذنيه وقلع عينه، واستولى على أمواله، ثم أركبه على حمار مقلوب، وعلى رأسه خف امرأة، ويده معلقة فى عنقه، وطِيف به على تلك الحال فى أنحاء اللاذقية، ثم أخذوه إلى السجن.

وفى عصر دولة المماليك اعتُقل أحد الفقهاء يدعى ابن زهرة المغربى سنة712 هـ=1312 م. بعد شهادة عليه من بعض القضاة أنه يستهين بالمصحف ويحتقر أهل العلم، فأحضر إلى دار العدل بدمشق وعزر تعزيراً بليغاً وطِيف به فى البلد وهو مكشوف الرأس ووجهه مقلوب وظهره مضروب، ينادى عليه: “هذا جزاء من يتكلم فى العلم بغير معرفة”، ثم حبس. وكان العوام يتعرضون للمشَّهر بهم ويهينونهم، فكان ابن السلعوس أثناء اعتقاله سنة 690 هـ= 1291 م. يخرجون به كل يوم إلى القلعة على حمار فيقف لَه أراذل النَّاس فى الطَّرِيق ومعهم المداسات الْمقطعة ويسمعونه كل مكروه فَينزل بِهِ من الخزى والنكال ما لَا يعبر عنه. وفى سنة 762 هـ= 1361 م. شُهر الشيخ أَسد ابن الشيخ الكردى على جمل وطِيف به فى حواضر البلد ونُودِى عليه: هذا جزاء من يخامر على السلطان ويفْسِد نواب السلطان، ثم أُنزل عنِ الجمل وحمِلَ على حمار وطِيف به فى البلد ونُودِى عليه بذلك.

وفى سنة 795 هـ=1393 م. قُبِض على تاج الدين ابن أبي شاكر الوزير وسلم لوالى القاهرة، فضربه بالمقارع وأخرجه على حمار وفى عنقه الحديد فترامى على الناس وطرح نفسه على الأبواب يستعطى ما يستعين به فى مصادرته ثم أفرج عنه. وفى سنة 802 هـ= 1400 م. أمر الأمير يلبغا السالمى بالقبض على الأمير عمر الدمياطى، وضربه ضرباً مقترحاً وطِيفَ به على حمار مقلوب وسجن بالخزانة أياماً ثم أطلق. وفى سنة 816 هـ=1414 م. ضرب الوزير تاج الدين بن الهيصم ضرباً شديداً، وقيل إنه علِّق على جمل مقلوب الرأس لأسفل، والرجلين إلى فوق، وساقوا الجمل. وقد يطاف بالسجين عدة بلدان وهو مشَّهر على حمار، كما حدث مع أبي الخير النحاس سنة 856 هـ=1452 م. فقد أخرج من سجن برج قلعة القاهرة منفيا إلى البلاد الشامية، ورسم بحبسه بقلعة ال صبيبة، فأنزل بحالة يرثى لها، حيث أركب على حمار، وفى رقبته باشة وجنزير، وموكل به جماعة من الجبلية، شقوا به شوارع القاهرة إلى أن أخرج من باب النصر، والمشاعلى ينادى عليه: “هذا جزاء من يكذب على الملوك، ويأكل مال الأوقاف”. وحبس السلطان تقى الدين عبد الرحمن بن حجى قاضى قضاة الشافعية بطرابلس بحبس المقشرة فحبس بها، بعد أن نودى عليه، وهو على حمار بشوارع القاهرة: “هذا جزاء من يزور المحاضر”.

قطع الأعضاء:

فى حدود سنة 592 هـ=1196 م. قطع الملك الظاهر غازى بن السلطان صلاح الدين الأيوبى يد ولسان وأُذنى العلم بن ماهان وقلع عينه، وأركبه على حمار مقلوب، وعلى رأسه خف امرأة، ويده معلقة فى عنقه، وطِيف به فى أنحاء اللاذقية. وفى منتصف شهر رمضان سنة 791 هـ= 1389 م. نودى فى القاهرة أنه من حمل من الزعر سيفاً أو سكّيناً أو شالق بحجر وسط، فقطع أيدى ستة منهم فى يوم واحد. وفى سنة 746 هـ=1345 م. استعرض النائب المساجين فى حلب فقطع أيدى وأرجل عدد من المساجين مِمن حبس على السرقة، وصلب ثلاثة من المسمرين مِمن استوجب القتل. وفى سنة 750 هـ=1349 م. حين وقع الغلاء بدمشق اختطف الحرافيش الخبز من الجوع، فقبض النائب على عدد منهم، فقطع أيدى وأرجل 18 شخصاً، وسمر 17 شخصاً وهو واقف فى سوق الخيل.

السلخ:

برز هذا النوع من التعذيب حتى الموت فى العهد المملوكى ولم يجد الباحث أي ذكر له فى العهد الأيوبي، على الرغم من أنه عرف قبل ذلك، ففى العهد الفاطمى قام المعز لدين الله الفاطمى باستدعاء ابن النابلسى فقيه الشَّام فحمل إليه فى قفص خشب فَأمر بسلخه، فسلخ حياً وحشى جلده تبناً.

ومن الحوادث التى حدثت فى العهد المملوكى: فى سنة 783 هـ=1381 م. أمر السلطان برقوق والى القاهرة ابن الكورانى بسلخ أحد رؤساء اللصوص يدعى ابن قرنميط واثنين من أتباعه، فسلخوا وحشوا تبناً وعلقوا على باب زويلة. وفى سنة 819 هـ=1417 م. قتل محمد بن سيف بن محمد بن عمر بن بشارة، بالقاهرة وحشى جلده تبناً وحمل إلى صفد. وفى سنة 866 هـ= 1462 م. اعتُقل شخص يدعى حمزة بن غيث بن نصير الدين، وقَام الدوادار الكبير جانبك الجداوى بقَتله بعد أن حكم بذلك القاضى المالكى الحسام بن حريز، بموافقة بقية القضاة فى مجلِس عقد لَذلِك فى بيت الدوادار، وأودع سجن المقشرة، ثم سلخ وحشى تبناً وطِيف بهِ عِلى جمل بشوارع القاهرة، ثم حمل على تلك الهيئة إِلَى بلاد الريف وطِيف به الْقرى والبلاد، وكانت تهمته الفسق وأَخذ الأموال والمجاهرة بالمحرمات، وضرب الْفضة الزغل. وفى سنة 894 هـ=1489 م. رسم السلطان بسلخ شخص يدعى أحمد بن الديوان من أهل حلب، فسلخ فى سجن المقشرة، وسلخ معه والده محمد، وأشهروهما فى القاهرة على جمال، وكان أحمد بن الديوان من أعيان الناس الرؤساء بحلب، وكان من خواص السلطان، فنقل عنه أنه أرسل رسالة للسلطان العثمانى فى شىء من أخبار المملكة. وفى سنة 909 هـ=1503 م. وقُبِض على شخص يدعى سليمان بن حافظ بتهمة قتل الأمير دولتباى، وسمر ثم سلخ وحشى تبناً وطِيف به. وفى سنة 917 هـ=1511 م. قبض نائب الغيبة بالشرقية على شخص من العربان من شرار المفسدين يقال له أحمد بن شكر، فسلخ جلده وحشاه تبناً وأرسله إلى السلطان.

ومن أبشع طرق التعذيب ما فُعل بتاج الدين أحمد بن الصاحب أمين الملك عبد الله بن غنام ناظر الخاص وناظر الجيش سنة 755 هـ=1354 م.، حيث حلقت رأسه، ثم شُقت جلدة رأسه بالموسى وحشى جراحاته من الخنافس، ثم ألبس رأسه طاسه من نحاس قد أوقد عليه بالنار حتى اشتدت سخونتها فعندما أحست الخنافس بالحرارة سعت لتخرج فلم تجد سبيلاً فجعلت تنقب فى جراحات رأسه حتى هلك بعد ما رأى أصناف العذاب. وحين يمر القارئ على هذه القصة يقشعر بدنه من فظاعة وبشاعة الموقف، فلقد بلغت السادية بمن قام بهذا العمل الشنيع أنه يتفنن فى إيذاء الناس بطرق فى غاية الإجرام.

الحرق:

حيا ومقتولا أو مذبوحا. وكانت هذه الطريقة البشعة تتم مع المصريين الأقباط أو اليهود بعد أن يعرض عليهم الإسلام، فيتم قتل المتهم بكل هذه الطرق مجتمعة.

أنواع أخرى من التعذيب: الخازوق

كان بعض السلاطين والولاة يبتدعون أساليب غريبة من التعذيب لم تكن معهودة، فعلى سبيل المثال عندما زاد فساد عرب الشرقية طلب الناصر محمد إحضار والى بر دمشق وكان مشهوراً بالظلم وسفك الدماء، وولاه على الشرقية، فأول ما بدأ به قام بتوسيط عدد من المفسدين، والمشاعلية بأن ينعلوا الرجال فى أقدامهم بالمسامير مثل الفرس ويقول للمشاعلى:

“لبسه النعل على صفة الزربول”، وكان يعلِّق الرجل فى خطاف من حديد فى حنكه، إلى أن يموت. وفى سنة 749 هـ=1348 م. قُبِض على الشيخ على الكسيح نديم المظفر حاجى وضرب بالمقارع والكسارات ضرباً عظيماً وقلعت أضراسه وأسنانه شيئاً بعد شىء فى عدة أيام ونوع لَه العذاب أنواعاً حتى هلك. وفى سنة 768 هـ=1366 م. توفى الوزير الصاحب فخر الدين ماجد بن قروينة المصرى القبطى تحت العقوبة، بعد أن أحرقت أصابعه.

وأمر الناصر فرج بعقاب الكاتب والشاعر أحمد بن يوسف الزعيفرينى، بقطع لسانه وعقدتين من أصابعه، وقد رفق به المشاعلى عند قطع لسانه فلم يمنعه من الكلام، وكان سبب عقابه أنه كتب ملحمة لجمال الدين الأستادار وأوهمه أنها قديمة وأنه يملك مصر. واعتقلت مجموعة من المحتالين فى دمشق سنة 729 هـ=1328 م. بعد أن خدعوا نصرانياً وأخذوا ماله، فأمر متولى دمشق بحبسهم وضربهم، وشقت مناخيرهم وشهروا على الحمير فى شوارع دمشق.

وفى سنة 910 هـ=1504 م. عوقب بدر الدين بن مزهر، وعصر فى أكعابه وركبه، ودق القصب فى أصابعه، وأحرقت بالنار، حتى وقعت عقد

أصابعه، ثم نوعوا له العذاب، فأخذوا كماشة حديد، وأحموها بالنار، واختطفوا بها أبزازه وأطعموها له، ثم أخذوا له حبل قنب ولووه على أصداغه حتى نفرت عيناه من وجهه وسالت على خديه، وقاسى ما لا خير فيه، ثم توفى تحت العقوبة، وسبب ذلك كما ذكر ابن إياس أنه “كان يتولى نظارة الخاص ويتقرب إلى خواطر الملوك بإيذاء الناس”، وكان الموكل بتعذيبه الحاج بركات بن موسى، ومعين الدين بن شمس وكيل بيت المال، وإبراهيم دوادار الوالى، والريس كمال الدين المزين.

الهروب:

فى سنة 611 هـ=1215 م. هرب الملك المنصور وإخوته أولاد الملك العزيز عثمان من سجن عم أبيهم الملك العادل فى القاهرة، وتوجهوا إلى حلب. وفى رمضان سنة 810 هـ=1408 م. هرب بكتمر جّلق من سجن قلعة دمشق وتوجه إلى صفد، ثم نزل غزة، ثم رضى عنه السلطان الناصر محمد بعد شفاعة الأمير شيخ.

وفى سنة 812 هـ=1410 م. هرب الأمير أينال الرجبى من قلعة دمشق ومعه جماعة مِمن كان مسجوناً بها، وتوجه إلى صفد فى طريقه للقاهرة. وفى سنة 826 هـ=1422 م. هرب الأمير جان بك الصوفى من سجنه بإحدى أبراج إسكندريه، وقد أصاب السلطان الأشرف برسباى بسبب هروبه، وأوذى أناس كثير أثناء البحث عنه، ولم يظهر له أثر إلا فى سنة 838 هـ=1435 م. عندما ظهر فى بلاد الروم. وخلال شهر رمضان سنة 879 هـ=1475 م. هرب عدة سجناء من عدة سجون فى مصر، فقد هرب سجين من عربان بنى حرام يقال له عمرو بن معروف من حبس الديلم، وفر من سجن القلعة شخص يقال له محمد بن زامل، وفر من سجن المقشرة شخص يقال له ابن صالح.

وكانت تحدث حوادث هروب جماعى خاصة أثناء الفتن والاضطرابات ففى فتنة منطاش سنة 791 هـ=1389 م. قطع المسجونون بخزانة شمائل وسجن الديلم وسجن الرحبة قيودهم، وكسروا أبواب الحبس وخرجوا على جملة واحدة، فلم يردهم أحد لانشغال كل واحد بنفسه. وفى سنة 913 هـ=1506 م. هرب من سجن القلعة وقت الظهر نحو سبعين سجيناً ما بين مشايخ عربان وفلاحين وغير ذلك فاضطربت القاهرة بسبب ذلك. وكثيراً ما كان يقبض على الفارين بعد البحث عنهم، ففى سنة 719 هـ=1319 م. فر الشريف رميثة، فبعث السلطان فى طلبه الأمير قطلوبغا المغربى والأمير أقبغا أص الجاشنكير على الهجن السلطانية، فقبض عليه بمنزلة حقل، وجاءوا به إلى القاهرة فسجن فى الجب بالقلعة.

وفى سنة 913 هـ=1506 م. رسم السلطان بشنق أحمد بن مهنا شيخ بنى وائل، فسمروه هو وأقاربه وطافوا بهم القاهرة ثم شنقوا أحمد بن مهنا على باب النصر، وكان ذنبه أنه هرب من السجن، وقتل السجان. وفى سنة 915 هـ=1509 م. تسحب جمال الدين الزغلى من سجن المقشرة وهرب، وكان التزم بدار ضرب النقود، وقرر عليه للسلطان فى كل شهر “مال له صورة”، فأتلف سائر الأموال من الذهب والفضة، وظهر بها الزغل، حتى ضج من ذلك سائر الناس والأمراء، فقبض عليه السلطان وضربه ضرباً مبرحاً، وسجنه بالمقشرة، فأقام بها أياماً وهرب، وكان من نتيجة هربه أن السلطان مقت قانصوه الوالي، وأراد معاقبته، ثم ق رر عليه خمسة عشر ألف دينار، وهرب معلمو سجن المقشرة واختفوا، وضرب بسبب ذلك دوادار الوالي ويسمى يحيى بن نوكار، وأوذى جماعة من الناس.

واختلفت طرق السجناء للهروب من السجن:

ومن هذه الطُّرق إشعال النار فى حجارة السجن حتى تتكلس ويسهل هدمها، ففى سنة 670 هـ=1272 م. هرب عمرو بن مخلول وأخوه حامد من آل فضل من برج قلعة عجلون، فقد حفرا حفرة قريبة من السور وأوقدا النار فيها حتى تكلس حجر السور، فنقباه وخرجا منه، وكانا قد أعدا لهما خيلاً فهربا عليها وقصدا التتر، ثم ندما فكتبا إلى الملك الظاهر بيبرس يستعطفانه، فحلف أنه لا يرضى عنهما حتى يعودا بأنفسهما إلى قلعة عجلون ويجعلا القيود فى أرجلهما، ففعلا ذلك، فعفى عنهما. ومن طرق الهروب أيضاً قطع حديد السجن بمبرد الحديد ثم النزول على الحبال من أعلى القلعة، ومنها ما حدث فى سنة 761 هـ=1360 م. حين نزل جماعة من أمراء الأعراب من أعلى سجن قلعة دمشق فى حبال وعمائم إلى الخندق أسفلها، وخرجوا من عند جسر الزلابية، فهرب اثنان، وأُمسك الثالث الذى تبقى فى السجن، وكأنه كان يمسك لهم الحبال حتى تدلوا فيها، واشتد نكير نائب السلطنة على نائب القلعة بسبب ذلك، وضرب ابنيه -أحدهما كان نقيب القلعة- وحبسهما، وطالبه بدفع ما قبضه من الأموال فى مدة ستة سنوات خلال مباشرته لوظيفته.

ومنها ما حدث سنة 852 هـ=1448 م. فقد هرب جماعة من العربان وأميرهم سالم بن بدران من سجن قلعة حلب، ونزلوا من سورها وكانوا قد أمروا امرأة من نسائهم فجاءتهم بمبرد فبردوا قيودهم وكسروا باب السجن، وكانت قد أتتهم بصوف فغزلوه فى السجن، وصنعوا منه حبال لينزلوا بها من القلعة. وفى سنة 892 هـ=1488 م. هرب بداق الغادرى أخو الأمير سوار من قلعة دمشق بعد أن نزل بحبل من القلعة إلى الخندق وكان ذلك بمواطأة الحارس من ناحية باب الحديد.

وفى سنة 909 هـ=1503 م. هربت مجموعة من الأمراء من حبس قلعة دمشق بحبال دليت، ولكن ما لبثوا قليلاً حتى ألقى القبض عليهم. وفى سنة 917 هـ=1511 م. هرب مجموعة من معاملى اللحم ومنهم المعلم على الصغير وأخيه أحمد، والمعلم خضر وأخيه محمد، من سجن العرقانة بالقلعة، بعد أن نقبوا حائط السجن، ونزلوا فى حبال إلى أسفل القلعة، فأما المعلم على الصغير فلما تدلى فى الحبل انقطع به فنزل على ضلعه فانكسر فأغمى عليه، فقبضوا عليه، وفى صبيحة اليوم التالى قبضوا على الباقين، فلما عرضوا على السلطان وبخهم بالكلام، واشتد غضبه عليهم ورسم بتسليمهم إلى الوالى.

ومن طرق الهروب الأخرى: قتل السجان، ففى سنة 738 هـ1338 م. اتفق عدد من أرباب الجرائم بخزانة شمائل وقتلوا السجان وخرجوا بعد المغرب من باب زويلة شاهرين السكاكين، فلحق الوالى بهم، ولكنه لم يظفر منهم سوى برجل أقطع فشنقه. وفى سنة 850 هـ=1446 م. اتفق المحابيس فى سجن المقشرة وقتلوا السجان وهربوا. وفى سنة 910 هـ=1504 م. هرب من سجن العرقانة بالقلعة شخص من الأتراك يقال له أرزمك، وكان له مدة طويلة فى السجن، وقام بخنق السجان حتى مات، وأخذ ثيابه ولبسها، ونزل من باب السبع حدرات، واضطربت القلعة فى تلك الليلة، ثم بعد ثلاثة أيام أرسل يطلب الأمان من السلطان، وقد شفع فيه الأتابكى قرقماس فعفا عنه السلطان من القتل ورسم بنفيه.

ومن الطُّرق أيضاً الخروج من سراديب تحت الأرض، وبهذه الطريقة هرب الأمراء التابعين للظاهر برقوق الذين اعتقلهم منطاش فى خزانة الخاص بقلعة القاهرة وكانوا حوالى500 معتقل، فقد عبث أحدهم ببلاطة كانت تحته فقلعها فأحس بهواء، فأزال ما تحتها واستعان ببعض رفاقه، فوجدوا سرداب الحمام، فمشوا فيه إلى أن انتهوا إلى باب من أبواب الاصطبل، ووجدوه مفتوحاً، فأخذ كل منهم قيده فى يده واتخذه سلاحاً، وبقوا يقاتلون الحرس واستعانوا ببعض المماليك حتى تمكنوا من الاستيلاء على الحكم وخلع منطاش وإعادة برقوق للسلطنة.

إخراج المساجين من قبل الثوار أو اللصوص:

وكثيراً ما كان يلجأ قُطَّاع الطُّرق إلى مهاجمة البلدان وكسر أبواب السجون وإخراج من بها من المساجين، وكذلك قيام بعض من يطمع فى السلطة بإخراج المساجين لاستخدامهم فى بث الفوضى ومساعدة طلاب السلطة فى ثورتهم، ونذكر على سبيل المثال سنة 587 هـ=1191 م. أنه ظهر بمصر رجل منجم يقال له ابن السنباطى، وأقنع رؤوس السودان وقوم من بقايا العبيديين الفاطميين يقال لهم المصامدة، وقال لهم أنهم سوف يملكون الديار المصرية فى الليلة الفلانية بعد المغرب، فاستعدوا بقوارير النفط، واجتمعوا بحارة بر المدينة، وهى الهلالية، وشربوا المزر إلى بعد العشاء، ثم دخلوا جميعهم من باب زويلة، وأتوا على خزانة البنود ليخرجوا من كان بها من المسجونين، وكانوا يصيحون بشعار “يا آل على”، وأتوا إلى السيوفيين وكسروا الدكاكين، وأخذوا السيوف والعدد، ثم ركب الأمير بدر الدين بن موسك بعسكره، فمسك الجميع، والمنجم، وقُتلوا عن آخرهم.

وفى سنة 802 هـ=1400 م. وأثناء الفتنة التي حدثت بين أيتمش ويشبك، كسرت الزعر حبس الديلم وحبس الرحبة، وأخرجوا من كان بهما من أرباب الجرائم، وصارت القاهرة فى ذلك اليوم غوغاء، من غلب على شىء صار له. وفى سنة 885 هـ=1480 م. هاجم مجموعة من العشير من قبيلة بنى زيد على القدس وقصدوا قتل نائبها فهرب منهم، ثم توجهوا إلى السجن فكسروه وأخرجوا من به من المساجين. وفى سنة 899 هـ=1494 م. هاجم جماعة حبس البريد بدمشق، فكسروه وأخرجوا منه جماعة من المحابيس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مادة الملحق الرابع من تحقيقى لكتاب السلوك للمقريزى المعد للنشر . 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, عبد العزيز جمال الدين and tagged , , , . Bookmark the permalink.