سجون القاهرة فى العصرين الأيوبى والمملوكى – 2

عبد العزيز جمال الدين   عبد العزيز جمال     

أولا: إدارة السجون

الإشراف الإدارى

تنقسم السجون بحسب الإشراف الإدارى المباشر عليها إلى ثلاثة أقسام:

سجون تحت إشراف السلطان:

وهى سجون القلاع الرئيسة، وعلى رأسها قلعة القاهرة وقلاع إسكندريه، ويكون المسجون فيها بموجب “مرسوم شريف” من السلطان. ومراسيم الإفراج والاعتقال التى كانت بحق الأمراء كانت تصدر من السلطان، وفى بعض الأحيان كان السلطان يفوض نائبه بصلاحيات الإشراف على السجون بموجب مرسوم، كما حدث فى سنة 802 هـ= 1400 م. حين فوض السلطان فرج نائبه على الشام الأمير تنم بموجب مرسوم شريف “بإدارة أُمور البلاد الشامية وأن يطلق من شاء من الأمراء المحبوسين”. وأحكام الإعدام لا تنفذ إلا بمرسوم سلطانى، فنجد فى أحداث سنة 782 هـ= 1380 م. حادثة قتل الأمير بركة بسجن إسكندريه، الذى أمر بقتله نائبها ابن عرام بمقتضى مرسوم جاءه من القاهرة، ولكن السلطان برقوق حينما خشى ثورة إخوة بركة عليه أنكر أن يكون قد أصدر مرسوماً بقتله، وأمر باعتقال نائب إسكندريه ابن عرام ونودى عليه هذا جزاء من يقتل الأمراء بغير إذن، فيقال: إنه أخرج ورقة من جيبه وقال: هذا خط الأمراء بالإذن فى ذلك، فلم يلتفت إليه، ثم سمر، وضربه مماليك بركة بالسيوف وعلقوا رأسه على باب زويلة.

وفى سجون إسكندريه كان الإشراف المباشر فيها لنائب السلطنة، “فله أن ينظر فى أمر المفسدين من قُطَّاع الطُّرق وأهل الفتن كالزعران وغيرهم، والغلظة والتشديد عليهم، وإن رأى نائب السلطنة تقليد بعض المذاهب فى شدة تعزيرهم، والمبالغة فى عقوبتهم على جرائمهم، وطول مكثهم فى السجن، فله ذلك بشرط أن يكون الحامل له على ذلك المصلحة، لا التشفى وحظ النفس”. ولم يكن للأمراء ونقباء القلاع الحق فى اعتقال أحد أو الإفراج عنه إلا بإذن نائب السلطان.

وتكون تبعية سجون القلاع البعيدة عن العاصمة بيد نائب القلعة، وتنحصر مسؤوليته فقط فى التحفظ على المعتقلين وعدم السماح لهم بالهروب، ولا يستطيع إخراجهم من محبسهم إلا بمرسوم سلطانى، حتى أنه عندما يتسلم مسؤوليته يحلف يميناً من ضمنه: “ولا أعمل حيلةً فى إطلاق أحد ممن يبرز مرسوم مولانا السلطان بسجنه والاعتقال عليه بالقلعة المشار إليها“.

سجون تحت إدارة الوالى:

تشبه وظيفة الوالى فى الدولتين الأيوبية والمملوكية وظيفة المحافظ أو رئيس الشرطة اليوم، ويعهد إليه بالإشراف على المدينة وصيانتها، وحماية أهلها من عبث المفسدين واللصوص ومثيرى الفتن، وإطفاء الحرائق، وتعقب اللصوص والسكارى ومرتكبى الفواحش، وحماية أبواب المدينة . وكان تحت إمرته مجموعة من النقباء والخفراء والمقدمين.

وتتوزع ولايات الولاة فى مصر كالتالى:

ولايات القاهرة وهم ثلاثة، بالقاهرة، والفسطاط المعروفة بمصر عتيقه، والقرافة، ووالى القاهرة، فيحكم فى القاهرة وضواحيها، وهو أكبر الثلاثة وأعلاهم رتبة؛ ورتبته إمرة طبلخاناه، أما الولاة فى الأقاليم المصرية فكانوا فى ولايات يحملون رتبة أمراء الطبلخاناه وكان من مهام الولاة اعتقال من يريد السلطان اعتقالهم وإيداعهم السجن، أو التحفظ على من يرسله السلطان إلى الوالى لاعتقاله، ونذكر من ذلك ما حدث سنة 733 هـ= 1332 م. فقد أَمر السلطان بتسليم المنجمين إلى والى القاهرة فضربوا وحبسوا لإفسادهم حال النساء، ومات منهم أربعة تحت العقوبة، وسنة 793 هـ= 1391 م. قبض السلطان على مجموعة من الأمراء وهم أسندمر وإسماعيل التّركمانى وكزل القرمى وآقبغا البجاسى وسربغا وسّلمهم إلى والى القاهرة، كما كان الوالى يقوم بمهمة تعذيب السجناء حتى يعترفوا، فقد شكا رجل إلى السلطان أن القاضى شهاب الدين القرشى اعتدى على ماله، فأمر السلطان أن يضرب القاضى بالمقارع وسّلم إلى والى القاهرة ليخّلص منه المال، فضربه الوالى وأهانه وعصره مراراً ثم سجنه بخزانة شمائل وذلك سنة 793 هـ= 1391 م.، وكذلك أمر السلطان باعتقال آقبغا الماردينى نائب السلطان فى الوجه القبلى بمصر، وضربه على أكتافه وأمر والى القاهرة بتخليص حقوق الناس منه.

وكان الوالى يتحمل مسئولية هروب المساجين من محبسهم ففى سنة 669 هـ= 1270 م. فُقد صارم الدين مبارك بن الرضى بن المعالى حاكم طرابلس من محبسه ولم يعثر عليه، فأمر بيبرس باعتقال علم الدين المسرورى والى القاهرة ثم أفرج عنه بعد شفاعة .

سجون تحت إدارة القضاة:

وكان للقضاة سجون خاصة بهم، وكان غالب من يسجن فيها على قضايا شرعية أو ديون، ففى سنة 785 هـ= 1383 م كتبت أسماء الذين فى سجن القضاة بسبب الديون وأفرج عنهم السلطان بعدما دفع لغرمائهم أموالهم، وفى سيرة الملك الظاهر بيبرس أنه كان يخرج كل سنة أموالاً كثيرة ليستفك بها المفلسين من حبس القضاة. وفى سنة 725 هـ= 1325 م. حبس شهاب الدين أحمد بن مرى البعلبكى الحنبلى أحد أصحاب ابن تيمية مقيداً فى سجن القاضى المالكى تقى الدين الأخنائى بالقاهرة. وفى قضية الخواجة التبريزى الذى اعتقل سنة 832 هـ= 1429 م. بتهمة التجسس لصالح الفرنج نجد أن القاضى نقله من سجن السلطان إلى سجنه وادعى عليه بالكفر وبأمور شنيعة، وقامت عليه بينة بذلك، فحكم بإراقة دمه.

موظفي السجن:

برزت عدة مسميات للموظفين الذين يشرفون على حراسة السجن أو مهام أخرى متعلقة بالسجن مثل نقل المساجين أو تعذيبهم ومن هذه الوظائف:

السجان:

وكانت مهمته حراسة السجن والوقوف على أبوابه ومنع السجناء من الهرب، وكان يرأس السجانين شخص يسمى “معلم السجانين”، وعرف منهم يوسف أبو أحمد معلم  السجانين بالمقشرة الذى توفى سنة 891 هـ= 1486 م.

الفتَّاح:

كان من ضمن موظفى القلعة ويبدو من تسميته أنه أوكلت إليه مهمة فتح وإغلاق باب السجن، وعرف ممن تولَّى هذه المهنة الأمير “سيف الدين أراق الفتّاح” الذى كان يَتولَّى فتح وإغلاق بوابة سجن القلعة الذى يعتقل فِيهِ الْأُمراء فى حدود سنة 733 هـ= 1332 م .

الجاندارية:

الجاندارية كلمة تركية تعني حامل السلاح، وهى مركبة من لفظين أحدهما جان، ومعناه سلاح، والثاني دار، ومعناه ممسك . وكانت مهمتهم القبض على المتهمين، واستلام المساجين وإيداعهم السجن، وكذلك حراستهم أثناء تنقلهم سواء من سجن إلى آخر أو الخروج بهم لاستخدامهم عمالاً فى البناء أو العتل أو فى حالة اخراجهم للتسول والنشل فى المدينة لحساب إدارة السجن. وقد ذكر المقريزى أن من أعمال الأمير جاندار: “إذا أراد السلطان تقرير أحد من الأمراء على شىء أو قتله بذنب، كان ذلك على يد أمير جاندار، وهو أيضا المتسلم للزردخاناه، وكانت أرفع وظائف السجون قدراً”. ” ويذكر المقريزى عند ذكر اعتقال أميرين: “ومضى بهما أمير جندار إلى قاعة سجنهما”، وذكر عن الأمير آنص العثمانى والد السلطان برقوق”أنه كان إذا ركب ولقى فى طريقه أحداً من المحابيس المكدين يأخذه من جنداره ويطلقه فى الحال“.

المشاعلية:

وهم الذين يحملون مشعلاً يوقد بالنار بين يدى الأمراء ليلاً، وإذا أمر بشنق أحد أو تسميره أو التشهير به والنداء عليه تولوا هم ذلك، واعتبرت هذه الفئة فى مصر من الطبقة الوضيعة، فيشتغلون كذلك بالأعمال الحقيرة مثل كنس الطُّرقات والأفنية وإضاءة فوانيس الطرقات ليلا وتنفيذ الإعدام فى المحكوم عليهم، وفى نفس الوقت قاموا ببعض أعمال الشرطة ، وكذلك النداء فى الطُّرقات بالمراسيم التى يصدرها الحكام، والتشهير بالمحكوم عليهم فى طرقات المدن فعادة ما كانوا يقولون فيمن نُفِّذ فيه حكم: “هذا جزاء من خامر على السلطان”، أو “هذا جزاء من يقصد إقامة الفتنة بين المسلمين ويتجاسر على الملوك” إلى غير ذلك. وكان المشاعلية فى بعض الأحيان يقومون بالطواف برأس القتيل فى شوارع المدينة، ويجمعون الأموال من الناس الذين كانوا يقومون بإهانة القتيل للتشفى، فبعد قتل الأمير علم الدين سنجر الشّجاعى المنصور ى سنة 693 هـ= 1294 م. أخذ المشاعلية رأسه وجعلوه على رمح وجابوا به شوارع القاهرة، وحصلوا  مالا كثيراً، فقد كان الناس يأخذون الرأس من المشاعلية ويدخلونه بيتهم فتضربه النسوة بالمداسات لما فى نفوسهم منه، وقد طافت المشاعلية برأسه على بيوت القبط، فبلغت الّلطمة على وجهه بالمداس نصفاً، والبولة عليه درهماً.

الجلاد:

يروى السبكى الذى عاصر تلك الحقبة عن الجلاد أنه “يتنوع فى إيصال الآلام لمن يعاقبه بمجرد التهمة، وبعض من طبع الله على قلبه من الولاة، يأمر بالرجل أن يجرد فإذا شرع الجلاد فى ضربه قام الوالى للصلاة، وأطال، سمعت بذلك عن بعض ولاة القاهرة، فيستمر المضروب تحت العصى والمقارع ما دام الوالى –قبحه الله- أمره بهذا، وأى صلاة هذه“.

المسفِّر أو المتسفر:

ومهمته نقل السجين المراد نقله إلى سجن بعيد على سبيل المثال من القاهرة إلى إسكندريه أو من القاهرة إلى الشام أو العكس ويبقى السجين فى عهدته مقيداً حتى يسلمه للسجان، وعادة ما يرسم للمسفر أجرة عمله فقد رسم السلطان للأمير جانبك القرمانى أحد أمراء العشرات، أن يصرف له من مال أوقاف الملك العزيز يوسف ألف دينار، وذلك حين نقل الملك العزيز مسجوناً من سجن القلعة إلى سجن إسكندريه سنة 843 هـ= 1439 م. وحينما يقرر السلطان حبس أحد الأشخاص الموجودين بعيداً عن العاصمة يكلف أحد الأمراء بالسفر على البريد ليقوم بالقبض عليه بموجب مرسوم من السلطان، ففى سنة778 هـ= 1376 م. سافر الأمير قطلوبغا جركس على البريد إلى دمشق ليقبض على الأمير بيدمر ويحبسه بقلعة صفد.

الأوجاقى:

مهمته السير خلف الأمير المعتقل واضعاً خنجره فى خاصرة السجين وهو راكب على فرسه، وذلك حين انتقاله من سجن القاهرة إلى النيل ليركب فى الحراقة فى طريقه إلى سجن إسكندريه.

ضريبة السجن والمصادرات:تعذيب

كان يفرض على كل سجين يدخل السجن ضريبة معلومة تسمى مقرر السجون، وهى عبارة عما يؤخذ من كل من يسجن فللسجان على حكم المقرر ستة دراهم سوى كلف أخرى، وعليها عدة مقطعين ويرغب فيها الضمان ويتزايدون فى مبلغ ضمانها لكثرة ما يتحصل منها، فإنه كان لو تخاصم رجل مع امرأته أو ابنه رفعه الوالى إلى السجن فبمجرد ما يدخل السجن، ولو لم يقم به إلا لحظة واحدة أخذ منه المقرر، وكانت تجبى من سائر السجون. وعلاوة على مقرر السجون، فقد كان والى القاهرة يكلف السجان بخزانة شمائل بتحصيل مبلغ من المال من المساجين كل يوم، وبلغ ذلك المبلغ فى أيام الناصر فرج مبلغاًكبيراً.  وكان للسلطان الحق فى مصادرة أملاك المتهمين كباراً وصغاراً دون اللجوء إلى حكم قضائى، فإذا ما اتهم لديه إنسان ما من الأمراء أو المباشرين أو غيرهم، أمر فوراً بالقبض عليه والإحاطة بماله من مال وعقار ونحوهما، وضمه إلى الخزائن السلطانية الشريفة، ولهذه الحالة أمثلة كثيرة: فتذكر المصادر عبارة “احتاط على موجوده” أى صادر جميع أمواله، فمثلاً فى أحداث سنة 697 هـ= 1298 م “مسك الملك المنصور لاجين الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى وحبسه واحتاط على موجوده” وفى سنة 820 هـ= 1417 م.  “رسم السلطان للأمير آقبغا التّمرازى أمير آخور ثانى بالتوجه إلى الشام ليقبض على ألطنبغا العثمانى ويودعه بسجن قلعة دمشق، والحوطة على موجوده”. وفى سنة 896 هـ= 1491 م. غضب النائب على مملوك الخازندار، وأحاط على موجوده، وأخرجه فى الزنجير، ينادى عليه، هذا جزاء من يخون أستاذه، واعتقله. وكذلك كان كثير من المسجونين تصادر ممتلكاتهم وأموالهم، فنجد أنه فى سنة 668 هـ= 1270 م.، غضب السلطان على الأمير الشجاعى وعزله بسبب قيامه بمصادرة أموال المساجين، وأن فى سجنه كثيراً من المظلومين قد مرت عليهم سنون وهم فى السجن وقد باعوا كل ممتلكاتهم حتى يعطوه، فأمر السلطان بمصادرته وقرر عليه جملة كثيرة من الذهب.

ولما قُبِض على سعد الدين بن البقرى ناظر الخاص سنة 785 هـ= 1383 م. ، وحين اعتقاله كان فى بيته عرس لإحدى بناته، فصودرت جميع الحلى التى كانت تلبسها النساء فى العرس وجميع ما فى بيته. وكان السلطان إذا غضب على أحد الأمراء لذنب ارتكبه يعتقله، ويغرمه مبلغاً من المال يفرض عليه أن يؤديه وإلا استمر فى الاعتقال والتعذيب، ونذكر مثالاً على ذلك عبد الوهاب بن أبى شاكر، الذى تولَّى عدة مناصب، كان آخرها ناظر الخاص، ثم قبض عليه سنة 816 هـ= 1414 م. وصودر على أربعين ألف دينار باع فيها ممتلكاته، وبقى فى الترسيم بشباك الظاهرية الجديدة يستجدى من كل من يمر به من الأعيان حتى حصل المبلغ، وأفرج عنه وأعيد إلى وظيفته. وفى سنة 920 هـ= 1515 م. رسم السلطان بتسليم جانى بيك الأستادار إلى الزينى بركات والى القاهرة ليعاقبه حتى يستخلص منه الأموال التىي قررت عليه، وهى مبلغ 33 ألف دينار فعاقبه وعصره فى أكعابه وضرب ووضعت الكسارات فى ركبه. وفى نفس العام رسم السلطان بتوسيط عبد من عبيد شمس الدين عوض بسبب أنه يعرف ذخائر أستاذه ولم يقر بمكان فيه المال، وعاقبه الوالى وسجنه بالمقشرة مدة، ولم يقر بشىء من المال، فوسطه عند قنطرة الحاجب، فراح ظلماً.

وكان الولاة فى بعض الأحيان يبالغون فى فرض الضرائب على السجناء ونذكر مثالاً على ذلك، فى سنة 821 هـ= 1418 م. غرق ولد لبعض التجار فأراد دفنه، فمنعه أعوان الوالى حتى يستأذنه، فمضى فاستأذن الوالى ابن الطبلاوى فأمر بحبسه، ثم قيل له وهو فى الحبس: إنك لن تطلق حتى تعطى الوالى خمسة دنانير، فالتزم بها وخرج فباع ممتلكاته وما عند امرأته فبلغ أربعة دنانير واقترض ديناراً وأخذ ولده فدفنه وترك زوجته وهرب من القاهرة هرباً من الظلم.

ثانيًا: أحوال المساجين

لم يكن حال المساجين متشابهاً من ناحية الطعام والشراب والعناية الصحية وغيرها من متطلبات الحياة، فنجد فى أحيان يشدد على السجين حتى يصل إلى حالة الموت فى السجن، وفى حالات أخرى نجده تتوفر له ظروف حياة جيدة داخل السجن، ونضرب مثالاً على ذلك: فى سنة 843 هـ= 1439 م. اعتقل أحد تجار إسكندريه ويدعى عبد الباسط فى برج إسكندريه بعد أن قرر عليه السلطان ثلاثمائة ألف دينار، وحبس فى برج مظلم وضيق عليه، فأقام مدة، ثم أمر بإخراجه منه، وتسلمه نائب القلعة، فأنزله فى غرفة علية، وهى أعلى بناء فى القلعة، فأقام فيها أكثر من شهر إلى أن أُفرج عنه.

الطعام والشراب

كان السجناء الجنائيين فى سجون المدن يحصلون على احتياجاتهم من الطعام إما من أهليهم أو صدقات أهل الخير، ففي قصة حبس علي بن أبي حسن الحريرى (ت: سنة645 هـ= 1247 م) فأنه بعد أن صلى الصبح فى يومه الأول بالسجن أخذ يعظ السجناء ثم أمر كل من جاءه شىء من الطعام من أهله أن يحضره، ثم مد الطعام فى مائدة واحدة، وأكل كل من فى.( الحبس( وكان السجناء يُخرجون من السجن إلى الطُّرقات وهم مكبلين بالحديد بحراسة الأعوان حتى يشحذوا، وهم يصرخون من شدة الجوع، ما تصدق عليهم لا ينالهم منه إلا ما يدخل بطونهم، وجميع ما يجتمع لهم من صدقات الناس يأخذه السجان وأعوان الوالn. ويصف المؤرخ الغربى جيل الراعى الذي زار مصر سنة 853 هـ= 1450 م. حال المساجين وهم يتسولون فى الطُّرقات قائلاً: “ويرى المرء أحياناً فى الطريق ثلاثة أو أربعة رجال مقيدين بسلسلة حديدية وهم يستجدون الناس، وقد فرض عليهم السلطان أن يدفعوا إليهما قيمته مدينين أو ثلاث كل ليلة، فإن لم يدفعوها ضربوا، وبينما هم يستجدون الناس لا يتورعون عن سرقتهم إذا أتيحت لهم فرصة حتى ينجوا من العقاب الذي يتوعدهم بالليل”. وكانت الدولة توزع عليهم فى بعض الأحيان طعام مما يجمع من المصادرات، فعرف عن البدر العيني حينما كان محتسب القاهرة أنه يعزر من يخالف أمره بمصادرة بضاعته وإطعامها للفقراء والمحابيس.

أما المساجين الذين فى سجون القلاع وهم من الأمراء فقد كان القائمون على سجنهم هم من يقومون بتقديم الطعام لهم، وهو على الغالب الماء والخبز،  وأرسل نائب إسكندريه الأمير بكتوت الخزندارى للأمير أيدمر الخطيرى أثناء اعتقاله فى سجن إسكندريه سنة 709 هـ= 1310 م.إناء كبيراً جداً من الماء ورغيفاً يزن عدة أرطال ليتقوت به عدة أيام، وذلك خشية أن يقوم السلطان بمنع الطعام عنه حتى الموت. ولكن فى المقابل حصل بعض المعتقلين على امتيازات فى الطعام والشراب أثناء اعتقالهم كما حدث فى سنة 671 هـ= 1273 م. حينما اعتقل السلطان الظاهر بيبرس رجلاً يدعى الشيخ خضر، واتهم بممارسة الزنى واللواط وفساد الأخلاق، ووضعه فى سجن انفرادى لا يرى فيه أحداً، وكان يقدم له الأطعمة والأشربة الفاخرة والملابس والفواكه، وذلك أنه كان يخبر السلطان بأمور مستقبلية تحدث له، ولما ثبت عليه الدليل لاعتقاله وأراد السلطان عقابه قال له: “يا بيبرس أنا أعلم أن أجلى قد اقترب وكذلك أجلك، وأن بينى وبينك مدة قصيرة، فأينا مات منا قبل الآخر لحقه صاحبه بعد أيام” فتركه.

وكذلك حظى الأمير قطلقتمر بإمكانية شرب الخمر فى سجنه، وظهر ذلك من خلال حادثة وفاته، فقد قام ليبول وهو فى سجنه فسقط من طاق فى المكان فمات سكراناً، ودفن فى صبيحة ذلك اليوم من غير غسل ولا صلاة. ويظهر أن المساجين،كما يذطر المقريزى، كانت تشتهي أنواع الطعام الأخرى حتى أن مجموعة من المساجين فى خزانة الخاص بقلعة القاهرة قامت بزراعة البصل فى قصريتين وقاموا برعايتها وسقايتها بالماء وذلك سنة 791 هـ= 1389 م.

الملابس:

ويظهر أن السجين يبقى فى ملابسه التى اعتقل فيها داخل السجن، فنرى فى حادثة الإفراج عن الأمير شيخون من سجن إسكندريه يذكر: “وقلع عنه ثياب السجن وهى مّلوطة طرح محرر”، والملوطة رداء واسع الكمين طويلهما يلبس فوق لباس يسمى الفرجية، وكانت تصنع أحياناً من الحرير الخالص أو الكتان الرقيق، وكانت لباساً قومياً فى عصر المماليك.

المعاشرة الزوجية:خازوق

أما عن اتصال السجين بزوجته فعادة لا يستطيع السجين أن يتصل بأهله ولا يجامع زوجته أو جاريته فى السجن، فنجد أن آل مهنا عند خروجهم من سجن الأشرف خليل شكوا احتياجهم الى النساء. وكان من النادر أن تمكث الزوجة مع زوجها فى سجنه، ويكون الأمر حينها أن يحجز الأمير المسجون مع عائلته فى برج من الأبراج وعليه حراسة مشددة ويمنع من الخروج، ويدخلون إليه زوجته أو جاريته فيقضى حاجته معها ثم تخرج، ونذكر على سبيل المثال: لجأ السلطان صلاح الدين الأيوبي إلى وسيلة للقضاء على أمل الفاطميين بالعودة إلى الملك مرة أخرى فقام بحبس الأمراء الفاطميين بعد وفاة العاضد، وفرق بين الرجال والنساء حتى لا يحصل منهم نسل فينتهى ذكرهم، واحتال البعض فأدخلوا إلى داود بن العاضد فى الحبس جارية فى زى مملوك، فحبلت، ثم حملت الجارية إلى الصعيد فولدت ولداً اسمه سليمان.

وعند اعتقال الأمير كراى المنصورى بقلعة الكرك أرسل إليه السلطان من يخدمه، وجهز إليه جارية سنة 811 هـ= 1409 م.، وكذلك اعتُقل الخليفة المستكفى بالله العباسى مع عياله فى برج بقلعة القاهرة فى زمن السلطان الناصر محمد سنة 736 هـ= 1336 م.  واعتقل ابن عمه إبراهيم فى برج بجواره مع عياله أيضاً. وسمح للملك العزيز يوسف أن ترافقه ثلاث جوارى لخدمته فى سجن إسكندريه سنة 843 هـ= 1439 م. ، وكذلك كانت زوجة الأمير تنم المحمودى تؤانسه فى سجنه، حتى ولد لهم فى السجن ابنهما فرج سنة 865 هـ= 1461 م.، وفى سنة 904 هـ= 1498 م. اعتقل الملك الظاهر قانصوه الأشرفى وأُرسل إلى إسكندريه ووضع فى البرج، واستمر محبوساً 17 سنة، وولد له هناك أولاد مما يعنى أنه كان يسمح لزوجته بالدخول إليه.

الرعاية الصحية:

كان حال السجن فى غالب الأحيان سيئ من الناحية الصحية، فكان من يسجن في خزانة شمايل يقاسى شدائد عظيمة من البق والبراغيث، وكان حبس المعونة شنيع المنظر، يشم من يمر بجواره رائحة كريهة، ويسمع صراخ المسجونين وشكواهم الجوع والعرى والقمل. وكثيراً ما كان السجناء يصابون بالأمراض التي يسببها طول المكوث فى السجن، فقد أصيب بكتوت القرمانى بحدبة فى ظهره انحنى ظهره منها خلال مدة اعتقاله من سنة 726 هـ= 1325 م. حتى 734 هـ= 1333 م. وأحياناً كان يشدد على السجين، ويهمل إهمالاً متعمداً انتقاماً منه، فى ثقَّل بالحديد فى رجليه وبالخشب فى يديه كما حدث مع ابن المشطوب أثناء اعتقاله فى قلعة حران، فانتشر القمل فى رأسه ولحيته، وبقى على هذا الحال سنين حتى توفى فى الاعتقال سنة  619 هـ= 1222 م.

الأمير سيف الدين تنكز فأمر الأمير سيف الدين بشتاك بتوسيطه فوسطه فى سوق الخيل بالقاهرة سنة 741 هـ= 1341 م. ووسط الشريف العنابى سنة 796 هـ= 1394 م. بتهمة التآمر للخروج على السلطان. والأمير سيف الدين بلاط بن عبد الله الناصرى والأمير بلاط الظاهرى من مماليك السلطان الناصر فرج، وقبض عليهما فى واقعة اللجون سنة 815 هـ= 1412 م. بين السلطان الناصر فرج ومجموعة من الأمراء يقودهم الأمير شيخ المحمودى الذى أصبح سلطاناً بعد ذلك، وقتلهما الأمير شيخ. وفى سنة 841 هـ= 1437 م. أمر الملك الأشرف بتوسيط طبيبيه اللذين كانا يعالجانه من مرضه الذى مات فيه لشكه أنهما مقصران فى علاجه وهما: العفيف الأسلمى وخضرالحكيم.وفى سنة 922 هـ= 1516 م. أمر السلطان الغورى  بتوسيط خمسة أنفار من المنسر الذى شاع أمره فى القاهرة، وقد قبض عليهم شيخ العرب ابن أبى الشوارب، فرسم السلطان بتوسيطهم فى ذلك اليوم، وكان فيهم شخص يسمى أبو عزراييل وهو كبيرهم، فوسطهم جميعاً.

الخنق:

يظهر أن هذه الطريقة فى القتل أخذها الأيوبيون والمماليك عن الممالك الشرقية فى سمرقند وبلاد فارس، فقد ذكر ابن بطوطة أنهم كانوا لا يقتلون أبناء الملوك إلا خنقاً بأوتار القسى. وقد كانت -كما يبدو من الأحداث التالية- تستخدم لقتل الخصوم السياسيين فى الحبس، وبشكل سرى لكى يظهر أن وفاتهم كانت طبيعية أو أنهم قتلوا أنفسهم. وممن قتل بهذه الطريقة فى سنة 645هـ= 1247 م. أمر الملك الصالح بخنق أخيه الملك العادل الذى كان يملك مصر قبله فخنق فى سجنه وفى قصة خنقه أن الملك الصالح أمر بإرسال أخيه العادل مع نسائه إلى الشوبك، فبعث إليه الخادم محسن إلى الحبس، وقال: يقول: لك السلطان، لا بد من رواحك إلى الشوبك، فقال: إن أردتم قتلى فهنا أولى ولا أروح أبداً، فلامه وعذله، فرماه العادل بدواة، فخرج وعرف الصالح، فقال: دبر أمره، فأخذ ثلاثة مماليك، ودخلوا عليه ليلة 12 شوال فخنقوه بوتر، وقيل بشاش، وعلقوه به، وأظهروا أنه شنق نفسه، وأخرجوا جنازته مثل الغرباء وتوفى وعمره 31 سنة، منها 10 أعوام فى سجن أخيه الصالح، وكان ملكه بضعة عشر شهراً ولم يعش الصالح بعد أخيه العادل إلا شهراً. وفى سنة 662 هـ= 1263 م. أمر الملك الظاهر بخنق الملك المغيث عمر صاحب الكرك فخنق بقلعة القاهرة محبوساً بعدما رفض الخروج إلى قلعة الكرك ليعتقل بها. وأمر السلطان الأشرف خليل بقتل الأمراء سنقر الأشقر وركن الدين طقصو بعد أن اعترفا أنّهم كانوا يريدون قتله فقتلا خنقاً، وأفرج عن لاجين لأنه لم يكن مطلع على مخططهم، وضع الوتر فى حلقه لخنقه، فضمنه خشداشه الأمير بدر الدين بيدرا المنصورى نائب السلطان، وعلم الدين سنجر الشجاعي وغيرهما. وقتل الأمير يلبغا السالمى خنقاً فى حبسه، بعد مشاحنة بينه وبين جمال الدين الأستادار فعاقبه ونفاه إِلَى إسكندريه، ولم يزل بالسجن إِلَى أنَ دفع الاستادار أموالاً جزيلة للملك الناصر ليقتله، فَأذن فى قَتله فقُتل فى محبسه خنقاً وهو صائم فى رمضان بعد صلاة عصر يوم الجمعة سنة 811 هـ= 1409 م. وهذه الرواية تُظهر غياب القيم الأخلاقية عند من أمر ونفَّذ ذلك القتل البشع. وقتل عدد من الأمراء خنقاً فى سجنهم منهم: الأمير تغرى بردى سنة 828 هـ= 1425 م.، والأمير تمراز المؤيدى بسجن إسكندريه سنة 840 هـ= 1436 م. وقُتل قاضى حلب مجد الدين الْحموِىالحنبلى خنقاً على باب محبسه فى قلعة حلب، فى سنة 858 هـ= 1192 م.، لقيامه بالحكم على شاب يعرف بابن قَاضِى عنتاب بالموت خنقاً بِغَير مسوغ وعومل القاضى بنفس المعاملة فقُتل بنفس الطريقة التى أمر بها.

قطع الرأس والذبح:

قام السلطان صلاح الدين الأيوبى بضرب عنق الأمير الصليبى أرناط صاحب الكرك بعد أسره فى معركة حطين سنة 583 هـ= 1187 م.، كما قام بضرب أعناق عدد من الأسرى فى عدة معارك بعد أن ثبت أنهم من الرماة، وبعد رفضهم الدخول فى الإسلام. وفى سنة 813 هـ= 1411 م. قتل الملك الناصر محمد 180 نفساً من المماليك المحبوسين فى القلعة وكان أكثر قتله ذبحاً، ويحدث ابن الصيرف أن أحد مماليك السلطان يسمى أزبك الإبراهيمى كان ممسوكاً مع جماعة فرسم السلطان الملك الناصر بذبحه مع رفاقه، فذبح رفقته إلى أن وصلوا إليه فسأله السلطان عن اسمه فقال: “غنم، ادبح”، فضحك منه السلطان وأمر بإطلاقه. وفى سنة 832 هـ= 1429 م. قطعت رأس الخواجة التبريزى تحت شباك الصالحية بين القصرين بالقاهرة. وفى بعض الأحيان يقوم المشاعلى الذى يتولى قطع رأس المحكوم عليه بتنفيذ الحكم بطريقة بشعة، وحدث ذلك فى مقتل الأمير قرقماس فى إسكندريه، فقد أخرج من سجنه بقيده، وحضر المشاعلى والوالى، فقُدم وأجلس على ركبتيه، وأخرج المشاعلى سيفاً من غير قراب، كان ملفوفاً بحاشية من حواشى الخوخ، وضرب به رقبة قرقماس، فقطعت من رقبته مقدار نصف قيراط لا غير، وعند وقوع الضربة صاح قرقماس صيحة واحدة مات فيها من عظم الوهم، ثم ضربه المشاعلى أخرى ثم ثالثة، وفى الثالثة حزها حزاً حتى تخلصت.

الخازوق:

الخازوق: عمود مدبب الرأس كانوا يجلسون عليه المذنب فى الأزمان الغابرة فيدخل من دبره ويخرج من أعلى كتفه، ليموت موتاً بطيئاً أليماً بنزيف الدم، وتمزق عورته وأمعاؤه، عرف هذا النوع من الإعدام فى أواخر العصر المملوكى، وتتحدث المصادر عن سيرة الأمير أيدمر الشمسى القشاش الذى كان والى الغربية والشرقية معاً، أنه كان يعذب أهل الفساد بأنواع عنيفة من العذاب منها أنه كان يغرس خازوقاً ويجعله محدداً قائماً، ثم يسقط الرجل عليه من أعلى فيسقط على الخازوق فيدخل فيه ويخرج من بدنه.

وفى سنة 902 هـ= 1497 م. أُلقي القبض على رجلين وجارية فى دمشق بتهمة ارتكاب جريمة قتل، وأمر نائب السلطنة بالشام بتخوزقهم على أوتاد، فمات الرجلان، واستمرت

الجارية حية وهى مخوزقة، تحادث الناس ويحادثونها إلى وقت العصر، فأمر النائب بتخزيقها ثانياً فماتت. وفى سنة 905 هـ 1500 م. حكم النائب فى دمشق على رجل أزعر من الصالحية بأن يخوزق وعلى بنت خطأ جارية بيضاء، اسمها جان سوار بأن تخوزق. وفى سنة 920 هـ= 1515 م. رسم السلطان بقتل طحان اتهم باللواط والقتل بوضعه على الخازوق ففعل به ذلك.

الشنق والشنكلة:

أمر السلطان صلاح الدين الأيوبى بشنق عمارة اليمنى وكان شاعراً يعادى الأيوبيين ويناصر الفاطميين، وقد أُتِى بِهِ إِلَى المشنقة فشنق بدرب يعرف بخرابة السود فى 12 رمضان سنة 569 هـ= 1174 م. بالقاهرة. وفى سنة 663 هـ= 1264 م. شُنق حصن الدين بن ثعلب فى إسكندريه بعد فراره من السجن، وشُنق الشريف السرسنائى تحت قلعة القاهرة بعد اتهامه بمساعدة ابن ثعلب على الهرب. فى سنة 775 هـ= 1374 م. شنقت امرأة عرفت بالخناقة وزوجها يدعى جمعه الخناق، وكانا يسكنان فى تربة من ترب القاهرة فيدوران بالقاهرة وظواهرها ويخطفون أولاد الناس، ويخنقوهم لأخذ ما عليهم من ثياب، ففقد النَّاس عدة أولاد واشْتَد حزنهم عليهم، وانتشر الذعر، حتى قبض عليهما، وشنقا خارج باب النصر. وشنق الأمير سيف الدين تنم المؤيدى سنة 842 هـ= 1438 م. ، وفى سنة 885 هـ= 1480 م. رسم السلطان بشنق القاضى تاج الدين بن المقسى، وكان قبلها قد سمر وطِيف به البلد وحكم السلطان بتوسيطه ثم عفى عنه، ولكنه عاد ورسم بشنقه، فأخذ إلى منطقة غيط الحاجب وشُنق على جميزة هناك، وشُنق معه فى نفس اليوم قاسم بن بقر أمير عربان جذام، وفى عام 565 هـ= 1169 م. أصدر صلاح الدين أمره إلى عرب جذام بالشرقية بالانتقال إلى البحيرة وذلك لعدم رضائه عن اشتغالهم بالتجارة مع الفرنج،  ومع ذلك فإن جماعة منهم ظلت تسكن بالشرقية.  وفى سنة 909 هـ= 1503 م. رسم السلطان بشنق علي بن أبى الجود، فشنق على باب زويلة، واستمر معلقاً ثلاثة أيام لم يدفن حتى نتن، ثم نزلوا به ودفن، ولم يحزن أحد من الناس عليه لما سبق منه فى حق الناس من الأفعال الشنيعة، وكان السلطان صادر أمواله وعاقبه وعصره ودق القصب فى أصابعه وأحرقها بالنار. وفى سنة 920 ه/ 1515 م اعتدى خياط يقال له نجا بن تمساح على صبى صغير فأتلفه وذبحه ورماه فى بئر، فقبض على الجانى فاعترف، فرسم السلطان بشنقه فى المكان الذى قتل فيه الصبى، وقيل رسم السلطان بقطع مذاكيره وتعليقها فى عنقه وهو مشنوق. وفى سنة 926 هـ= 1520 م. شنق نائب الشام رجلاً كان محبوساً فى حبس باب البريد، بسبب قتله رفيقه فى السجن.

أما الشنكلة فهى أن يعلق المحكوم بكلاليب معقوفة من تحت إبطيه وينزف حتى يموت، وهى من العقوبات التى كانت سائدة فى الشام.. ففى سنة 903 هـ= 1497 م. قبض جان بلاط، دوادار السلطان بدمشق، على أحد المجرمين يسمى إبراهيم بن عطا، أحد زعر الصالحية المفسدين، فأمر بأن يشنكل ليقر بما نهب، ثم أمر بإنزاله وتقريعه وشنقه، ففعل معه ذلك، فشنق مكانه والنائب راكب على فرسه. وهاجم اللصوص مدينة دمشق سنة 804 هـ= 1401 م. وقتلوا ونهبوا فى البلد، فقُبض على كثير منهم وشنقوا بكلاليب معلقة فى أفواههم. وفى سنة 760 هـ= 1359 م. وقع تمرد فى قرية حوران من قبل قبيلتى بنى لبسه وبنى ناشى، وأرادوا قتال الوالى، ولكن الوالى انتصر عليهم، وأسر منهم نحو ستين رجلاً، وأمر بقطع رؤوس القتلى وتعليقها فى أعناق هؤلاء الأسرى، حتى إنه قطع رأس شاب منهم وعلق رأسه على أبيه، حتى قدم بهم بصرى فشنكل طائفة من أولئك المأسورين ووسط الآخرين وحبس بعضهم فى القلعة، وعلق الرؤوس على أخشاب نصبها حول قلعة بصرى.

التسمير:  مسمرة . تسمير . تعذيب

نوع من الصلب على صليب من الخشب أو على أداة تسمى “لعبة التسمير” أو العروسه، وتدق أطراف المحكوم عليه بالمسامير إلى الخشب، فيبقى المسمر ساعات أو أياماً حتى يموت وهذا يسمى “تسمير الهلاك”، وقد يفك منه التسمير ويعفى عنه ويسمى “تسمير التعزير والتأديب”، أما تسمير الهلاك فهو كما حدث فى سنة 693 هـ= 1294 م. فقد توفى من التسمير سبعة من الأمراء بعدما اتهموا بقتل بيدرا نائب السلطان، فقد أخرجوا من السجن وقطعت أيديهم بساطور، وعلقت على صدورهم، ثم سمروا وطِيف بهم القاهرة، وحدث أن زوجة أحد المسمرين لما رأته ألقت بنفسها من فوق بيتها عليه، فشفع فيهم بعض الأمراء ففُك عنهم التسمير، فلما علم بذلك مماليك المقتول ألحوا على السلطان ليعيدهم إلى التسمير حتى رضى، فأعادوهم إلى التسمير مرة أخرى وكان ذلك أشد من المرة الأولى، وبقوا على ذلك حتى ماتوا بعد يومين. ومن ذلك ما حدث فى سنة 646 هـ= 1248 م.، فى عهد الملك الصالح أيوب، فقد قَتلَ مملوك تركى صبى سيده بعد أن دفعه عنه لَما أراد بِهِ مِن الفاحشة، فَصلِب الغلام مسمرا، فتأ سف الناس لَهلكونه صغيراً ومظلوماً.  وفى سنة 742 هـ= 1341 م. نُفذ حكم التسمير فى عبد الْمؤمن بن عبد الْوهاب السَلامى والِى قوص، بعد أن أُخرج من السجن وسمر على باب المارستان المنصورى من الْقَاهِرة بمسامير جافية شنعة وطِيف بهِ لِمدة ستة أيام وهو يحادث النَّاس ثم شُنق على قنطرة السد فى مصرعتيقه عند الكيمان وتُرك حتَّى ورم وأكلته الْكلاب. وربما طِيف بالمسمر عدة بلدان ليكون عبرة فقد أمر الملك الناصر محمد بتسمير أحد المحتالين يدعى نجم بن أَحمد الحطينى الذى صنع ملحمة وخدع بها أحد مماليك الناصر وأوهمه أنه سيصبح ملكاً، فسمر وأُرسل على جمل إلى دمشق ثم طِيف به الشام حتى وصلوا به إلى الفرات فألقوه فيه.  وفى سنة 787 هـ= 1385 م. سمر ثمانية عشر لصاً من رجال المنسر على جمال وثلاثة سمرت أَيديهم فى الْخشب وألبسوا فى أَرجلهم قباقيب خشب ثم سمرت أَرجلهم فِيها، وأكرهوا حتى مشوا وهم مسمرون كذلك، وشهروا جمِيعا بالقاهرة ثم وسطوا إِلَّا واحد منهم أبقى عليه ليدل على بقِيتهم. وفى سنة 891 هـ= 1486 م. سمر شخص من أعيان المفسدين يقال له حمور، ومعه جماعة آخرين، فنزلوا بهم من القلعة وهم مسمرين على لعبة من الخشب، غريبة الهيئة تجر بالعجل، ولها حركات تدور بها، فرجت القاهرة من ذلك اليوم، وكان يوماً مشهوداً، وتوجهوا بهم إلى جزيرة الفيل فوسطوهم هناك.

أما تسمير التعزير والتأديب، فنذكر له مثالاً، وهو ما حدث سنة 748 هـ= 1347 م. حينما قبض نائب دمشق على مجموعة من اللصوص نهبت أموال التجار، فقطع أيدي 24 رجلاً منهم، وسمر 16 رجلاً تسمير تعزير وتأديب. وفى سنة 805 ه/ 1403 م سمر خمسة أمراء وكبيرهم سودون الجلب، بتهمة إقامة الفتنة، ثم شفع فيهم الأمراء عند السلطان، فأطلقهم من التسمير، ثم جعلوا فى قيد وسلاسل، وحبسوا فى خزانة شمائل، ما عدا سودون الجلب فإنه سفر إلى إسكندريه، ثم نُفِي إلى بلاد الفرنج.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عبد العزيز جمال الدين and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.