العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً

داليا وصفى  داليا  

سُئل النبي يوماً من أحد الرجال عن العطية، أيعطي العطية لكل أبناءه بالتساوي أم للذكر مثل حظ الأنثيين كما الحال بالميراث؟ فأجابه الرسول: ‏”‏سو بينهم‏”‏ وعلل ذلك بقوله‏:‏ ‏(‏أيسرك أن يستووا في برك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ فسو بينهم‏) وفي حديث أخر عن ابن عباس عن رسول الله: ‏(‏سووا بين أولادكم في العطية ولو كنت مؤثرا لأحد لآثرت النساء على الرجال‏)‏ رواه سعيد في ‏” سننه ‏” وبررها النبي: “لأنها عطية في الحياة فاستوى فيها الذكر والأنثى‏,‏ كالنفقة والكسوة وحتى لا يحمل الأبناء الضغينة لبعضهم البعض أو لذويهم نتيجة التفضيل والتمييز بينهم”. هذا التساوي يكون في عين حياة المورث؛ ولكن ماذا عن بعد الممات؟

وبما أن عدم التساوي هنا بين الأبناء في حياة الآباء سيؤدي إلى الشحن والبغضاء بين الأخوة نتيجة زيادة نصيب أحدهم عن الاخر، فهل من المتوقع أن تختلف نتيجة عدم المساواة بين الأخوة أو ورثة المتوفي بعد الموت؟ وخصوصا في حالة أن يكون كلا النوعين من الأبناء أو الورثة “إناثا وذكوراً” يعمل ويكد في الحياة ويعول أسرة وأبناء كما هو الوضع الحالي بالمجتمعات الإسلامية حاليا، والتي أصبح فيها كل فرد مشغولاً بحياته وحاله وأسرته؟!!

فإذا كانت العلة من أخذ الذكر نصيب الانثيين في احكام المواريث هي ان المرأة ملزمة من ابيها أو زوجها أو أخيها؛ إذن فالعلة تنتفي وتتساوى الأنصبة في حالة أن تكون المرأة تعمل وتعول نفسها أو اسرتها وغير ملزمة من أي من ذويها.

 والحجة الأخرى التي يسوقها جميع من يعارض التساوي في الحق في الميراث بين الذكور والإناث هي أن هذا نص قطعي الثبوت والدلالة في القرآن ولا يجب مخالفته؛ وهنا يُرد على هذا الاعتراض بأن هناك نصوص قرآنية قد تم إيقافها على يد عمر بن الخطاب ﻷنها لم تعد صالحة للعصر أو الوضع الحالي للدولة

  1. ففي الحالة الأولى وهي حالة تقسيم سواد العراق، تنفيذها سيؤدي إلى احتكار البعض لنصيب الكل (عند غزو المسلمين للعراق أراد المقاتلين المسلمين الغنائم وتملك الأراضي كما هي العادة منذ أيام الرسول وبحكم الآية القرآنية: (واعْلَمُوا أنَّما غَنِمتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنّ للَّهِ خُمْسَهُ ولِلرَّسُول ولِذي القُرْبَى واليَتامَى والمَساكِيْنِ وابَّنِ السَّبِيْلِ) (الأنفال 41). وهكذا وضعت هذه الآية مبدأً عاماً وشاملاً هو قسمة الغنائم إلى خمسة أقسام:

الخمس الأول: يُصرف في سبيل الله على فئات معينة من الأشخاص، ويقسيم هذا الخُمس إلى خمسة أنصبة: النصيب الأول لبيت مال المسلمين كي يُصرف في سبيل الله، والنصيب الثاني للرسول وذوي القربى – آل بيته -، والثالث يُصرف على اليتامى، والرابع على المساكين، والخامس على أبناء السبيل.

 أما الأربعة أخماس الباقية فتُوزع بين من شهد المعركة من مُقاتلي المسلمين. إذ مّيز الله سبحانه وتعالى المجاهدين في سبيله من القاعدين، وإذا كان لهؤلاء المجاهدين أجر الجهاد فإن لهم أجراً آخر هو حقهم في توزيع أربعة أخماس الغنائم الحربية عليهم من دون القاعدين، والرأي السائد بين الجمهور هو أن توزع هذه النسبة بين من حضروا الوقيعة حصراً، استناداً إلى قول عمر رضي الله عنه: «إنما الغنيمة لمن شهد الوقيعة» ).

  1. الحالة الثانية: عندما منع عمر بن الخطاب المؤلفة قلوبهم من نصيبهم المنصوص عليه في القرآن بنص الآية: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.

وفي تلك الحالة وجد عمر بن الخطاب إنها ستؤدي إلى زيادة النفاق للحصول على المال وإهدار لمال الدولة.

ونلاحظ هنا أنه تم تعريف المؤلفة قلوبهم كنوعان: كافر ومسلم، فالكافر إما أن يرجى بعطيته منفعة كإسلامه أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك، والمسلم المطاع يرجى بعطيته المنفعة أيضاً، لحسن إسلامه أو إسلام نظيره، أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا لخوف أو لنكاية في العدو، أو كف ضرره عن المسلمين إذا لم ينكف إلا بذلك. ومع ذلك منعها عمر بن الخطاب لعدم تماشيها مع الوضع الحالي للدولة.

لنعد مرة أخرى إلى عهد النبي (ص) لنجد أن بعض المسلمين أنزعجوا من إسناد الله نصيباً من الميراث للنساء فهؤلاء (المسلمون الأوائل الذين يقدمهم لنا البعض اليوم في صورة مثالية يطيعون دون تلكأ وينفذون دون نقاش) لم يقبلوا أوامر الله تعالى بتوريث النساء إلا على مضض.. فهم كانوا لا يورثون إلا الرجل البالغ الخائض للحروب المكتسب الغنائم ولا يورثوا الصبي الصغير أو المرأة؛ وأنتظروا أن يأتي من الله حديث أخر بقولهم: فلننتظر أن يأتي حديث غيره ولا تحدثوا به الرسول عله ينساه أو يغيره (الطبري. جامع البيان ج3 ص617؛ج4 ص298).

نقطة أخرى يجب التنبه لها: هل تم ذكر نصيب الذكر في القرآن؟مصحف

الإجابة هي انه لم يذكر نصيب للأبن الذكر وإنما قيل فقط للذكر مثل حظ الانثيين؛ وما هو حظ الانثيين في القرآن؟ إذا كانتا الانثيين أخوات للميت فلهما الثلثين كما هو موجود بالنص؛ ولكن نصيب بنتي المتوفي لم يذكر فيه سوى:

 “يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ”

أي أن الله تعالى ترك نصيب أبنتي المتوفي والذكر مجهولاً لإعمال العقل والتوافق مع العصر.

جانب أخر مهم في الآيات الخاصة بالميراث، بل وبكل آيات القرآن الكريم: لم يتم ذكر كلمة “التعصيب” إطلاقاً في المصحف بأكمله بمعناها المعروف وهو: أقرب ذكر قرابة ونسباً للمتوفي؛ في بعض الحالات بعد توزيع الفرائض وتركة المتوفي يتبقى جزء من المال يؤول بإجماع الفقهاء إلى أقرب الذكور للمتوفي، وهي عادة جاهلية قديمة أتفق الفقهاء على إستمرارها للمحافظة على المصالح الذكورية في مجال الميراث.

وحكم الإرث بالتعصيب هو: (أن العاصب يأخذ جميع المال إذا انفرد، ويأخذ الباقي بعد أصحاب الفروض فإذا لم يبق من المال شيء سقط العاصب إلا الشقيق.) والعصبة ثلاثة أقسام هي:

عصبة بالنفس، وهم: الوارثون من الرجال ما عدا الزوج والأخ لأم.

عصبة بالغير أربعة يعصبون أخواتهم الإناث وهم الإبن وإبن الإبن والأخ الشقيق والأخ لأب.

عصبة مع الغير وترث به الأخوات لأبوين أو لأب مع البنت أو بنت الإبن.

وتلك التقسيمة بأكملها غير مذكورة بالنص القرآني ولم يذكر شيئاً عن باقي أي تركة لمن تؤول ولمن توزع!!

أي أن الفقها أجمعوا وأتفقوا على ما هو غير موجود بالنص!!

كما حدث في تفسير وتطبيق آية أخرى وحالة أخرى: المرأة المتوفاة عن زوج وأم وأب وبلا أبناء؛ فالزوج يرث النصف والأم ترث الثلث والأب يرث الباقي؛ وهنا سنجد أن الأب سيكون نصيبه السدس، أى نصف نصيب الأم، لنجد أن ما يتم تداوله هو أن يرث الزوج النصف والأم “ثلث الباقي” بعد أخذ الزوج نصيبه وهو ما لم ينص عليه القرآن..

كيف حول هؤلاء صريح القرآن الذي يقر بدفع ثلث الميراث كله إلى الأم (دون الإشارة إلى أصحاب الفرائض) إلى ثلث ما بقى من الميراث؟

وهذا ما قاله ابن عباس: “لا أجد في كتاب الله ثلث ما بقى” فيرد عليه زيد بن ثابت: “أنت رجل تقول برأيك وأنا رجل أقول برأيي”؛ ومن هنا تحول صريح النص القرآني إلى مجالاً للقول بالرأي والمزايدات بين الرجال لنجد أن ما تم الإجماع عليه من الفقهاء هو الحفاظ على المصالح الذكورية بمجال الميراث.

تلك كانت نقاط بسيطة عن التحوير الذي تم بالإجماع بين الفقهاء والنقل من جيل لجيل دون الرجوع للنص والتفكر فيه وإيجاد نقاط تلاقي جديدة بين النص وبين العصر الحديث في جزء فرعي مما يخص شأن من شئون المرأة؛ ربما إن عدنا للنص إجمالاً بعيداً تماماً عن كتب التراث العتيقة وقمنا بتفاسير جديدة لوجدنا ديناً إسلامياً جديداً أقرب للقلب والنفس ومساير للعصر الحالي بأخلاقياته وروحه الإنسانية المنطلقة.

This entry was posted in داليا وصفي and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.