ما بين – المليشيا والحشد – من الإختلاف في اللفظ وفي المعنى

 راغب الركابي راغب

هذا السؤال ضمن أسئلة وردت إلينا ونحن بدورنا نحاول الإجابة قدر المستطاع، وفي البداية أقول: إن اللغة العربية ولسانها تفاعلي ينشط في كثير من الأحيان ويتجاوب مع لغة العصر وما تمليه قواعد الصيرورة العامة، ولعل هذه الملحوظة نظر إليها الدكتور مصطفى جواد رحمه الله حين تبنى مفهوم – قابلية اللغة على التطور – وبنى على ذلك مقولته في الإجتهاد اللغوي، وهكذا فعل صديقنا المفكر المرحوم هادي العلوي حول بنية اللسان العربي وقابليته على التمدد والأخذ والعطاء، وهذا عندنا صحيح في ذاته طالما آمنا بمادية اللغة، ولأنها كذلك فهي تتقدم وتنمو بحسب نمو المعرفة وأدوات العلم، وهذا الشيء نلحظه هناك في الكتاب المجيد، وفي الإستخدام المتنوع لألفاظ وافدة من ألسن أخرى فيه، يعني هذا إن الكتاب يؤمن بصيرورة اللغة وليس بتوقيفها كما توهم الشافعي، وهذه جدلية أو قل إشكالية عمد على توضيحها أبن فارس في المقاييس وعلى نحو أختلف فيها مع المعجميين.

ومن هنا ومن بعد ذلك، فبعض الألفاظ الواردة إلى اللسان العربي من الغير ويستخدمها في مجالات عمله ويوظفها في متبنياته تكون ألفاظ ذات دلالة حين توضع في معناها الأول أو بحسب ما نعطيها نحن من معنا مقارب، وهكذا هي لفظة:

المليشيا: التي هي يقيناً ليست عربية النشأة والتكوين ولكن دلالتها أو مجال إستخدامها قريب إلى اللفظ العربي ومعناه، فاللفظة مشتقة من اللآتينية وتعني الخدمة العسكرية أو العملية العسكرية، لكن المعجم الفرنسي أعطاها معنى الجندي أو الرجل المحارب، وهكذا هي في الدستور الأمريكي جاءت بمعنى الجمع وتعني: القوة المنظمة تنظيماً جيداً والتي تكون ضرورية لأمن الدولة.

لكن اللفظة في بعض مجتمعاتنا توحي على إنها صفة ذم حين نسمعها، وذلك لأنها إرتبطت ليست حسنة أو قل أفعال تشبه أفعال حرب العصابات أو أعمال الإرهابيين، ومن هنا يكون معناها لدى هذا البعض ليس محبباً لشعوره بأنها قوى خارجة على القانون أو إنها تعمل خارج قوانين الدولة، مع إنها وبحسب وضعها اللآتيني ليست كذلك، لكن هذا الشعور تصنعه في العادة لغة الخطاب الإعلامي وكيف يضعها وأين، إذ ثمة ما نجد عندهم معاني تستخدم في غير محلها ولكنهم يضعونها بحسب المصلحة التي يريدونها، وهنا تبدو إشكالية الإستخدام بادية للعيان، إذ الإستخدام في العادة يكون نسبياً وهذا بحسب الدلالة كما يقول الجرجاني، ومن هنا تنبه المشرع العراقي إلى هذه النقطة حين تبنى لفظ – الحشد – بدل لفظ المليشيا 

 والحشد: هو لفظ عربي صحيح المصدر من – ح ش د – وتعني الجمع أو التجمع الدال على الكثرة، ولا يختلف هذا المعنى لدى معظم المعجميين العرب، وبهذا تكون دلالة الحشد معلومة حين يضاف لها – الشعب -، فتوضح لنا المعنى المراد منها في وقت الأزمات، وهكذا يكون الحشد الشعبي تجمع بشري من أجل هدف نبيل وسامي، ألا وهو طرد كل معتدي ومجرم من الأرض التي أغتصبها عنوة، وهذا التفريق في الإستخدام يجعل من الحشد أداة تعبير عن كل الشعب وليس لفرقة أو لجماعة أو لعصابة أو لطائفة، بل هو روح الشعب حين لا يستسلم لقدره ويتجمع من أجل رفض الظلم والعدوان، وبهذه الصفة وبهذا العنوان يكون حشدنا الشعبي في العراق منطبق في اللفظ والمعنى على ما يُراد منه.

والحشد أعلى صفة ومفهوماً حين ينظر إليه وإلى الغاية منه، وهو هنا داعم للشرعية وحامي للأمن ولحدود الدولة، وبحسب كل التصريحات فهو مع الجيش الوطني يمده بالرجال وبالعزيمة وبالإيمان بالهدف النبيل، ولأنه كذلك فهو يستوعب كل الخيرين من أبناء الأمة ومن يؤمن معه في تخليص البلاد والعباد من شر الإرهاب والإنفصال والطائفية، ولهذا لا مانع في وجود متطوعين فيه من غير العراقيين، إن آمنوا بأهدافه الساميه، ويقيني أن لو كان جيفارا حياً في زمننا لكان واحداً من أفراد الحشد الشعبي يقاتل معهم، ولهذا فلاضير إن وجدنا قاسم سليماني يقاتل دفاعاً عن أرضنا وعن إنساننا، ويهب لمن يريد العزيمة والإصرار.

Print Friendly
This entry was posted in Terms عالم المصطلحات, راغب الركابى and tagged , . Bookmark the permalink.