الديمقراطية والأحزاب

نويل مبيض أحزاب مصر

الحرية أساس النظام الديمقراطي. إحدى مؤشرات الحرية هي أن يكون الفرد وبالتناوب حاكم ومحكوم، أرسطو 384-322 ق.م. 

 الحزب هو تجمع قسم من المواطنين حول مجموعة من الأفكار تتبلور في برنامج سياسي يشرح تصور الحزبيين في تسيير الدولة في حال وصولهم إلى الحكم عن طريق انتخابات عامة.

يؤدي الحزب في الأنظمة الديمقراطية وظائف هامة أولها إيجاد مكان ملائم ومشترك للحياة السياسية . ثانيا تعبئة المواطنين حول برنامج سياسي موحد للوصول إلى الحكم في حال حصوله على أغلبية برلمانية أو بالاشتراك مع أحزاب أخرى أو بالتأثير على قرارات السلطة الحاكمة. ثالثا  العمل الحزبي يقدم للبلاد قادة ذوي خبرة سياسية لاستلام الحكم.

لكي لا يُحتكر الحكم من حزب واحد فقط، تبين لعديد من الشعوب أن الطريق الأفضل للوصول إلى حكم ديمقراطي هو في التعددية الحزبية. تبدو التعددية الحزبية ضرورة أساسية لتطبيق الديمقراطية بشكل أسلم، لأنها تعطي الحق للمواطنين بالانتساب أو لتأييد الحزب الذي يرونه أصلح للحكم أو للمشاركة فيه. فالتعددية مبدء عام ملزم للجميع يتيح إمكانية تداول السلطة بين الأحزاب عن طريق انتخابات عامة ونزيهة. لذا لا يمكن قبول الأحزاب التي سوف تستغل التعددية الحزبية للوصول إلى الحكم والقضاء عليه تحت شعارات دينية أو بادعاء دور تاريخي قيادي للأخذ بكل مرافق الدولة والتسلط على ضمائر الناس وتحديد مصيرهم، مخالفة بذلك كل مواثيق الديمقراطية السليمة وحقوق الإنسان.

رأي الحزب الواحد يدور مع التقادم في حلقات مفرغة. يبتعد عن الإبداع والتجديد رغم حسن نية القيادات إن وجدت. لأن الحوار ضعيف في الحزب الواحد الذي يصعب عليه قبول النقد من خارج “جدرانه” وحتى من داخله. لأن أغلب الأفكار والقرارات تأتي من قمة الهرم الحزبي. مع ممارسة السلطة الحزبية الديكتاتورية بهذا الشكل تفسَد النفوس وتتكون “طبقة حاكمة” متمسكة بكراسيها ومناهضة للتغيير والتطور.

الأحزاب الديمقراطية تكون مفتوحة لكل المواطنين. أما الأحزاب الدينية أو الطائفية أو القبلية أو الفئوية فهي تولد إشكالية أساسية لأنها تقوم على الانغلاق والإقصاء وتعمل لصالح قسم من المواطنين. هذا التصرف يطعن بالمبدأ الأساسي للديمقراطية أي المساواة في المواطنة للجميع دون أي تمييز.  هذا ما نراه مع محاولة الإخوان المسلمين وأنصارهم  للسيطرة على الحكم في بعض الدول العربية لأسلمة الدولة، لدمج الدين بالسياسة وإقصاء الآخرين. بهذا سوف يتم وأد الديمقراطية وربيعها العربي “قصير العمر”.

أما عن تمويل الأحزاب الديمقراطية، فمن الضروري أولا أن تتم عن طريق التمويل الشعبي. يحدد القانون مبلغا معقولا لا يجوز تجاوزه، تبعا لمتوسط الدخل الفردي للمواطن. يتبرع به لحزبه، ثانيا من  تمويل الدولة بشكل واضح  ومحايد تبعا للقانون لإبعاد تسلط رأس المال أو المؤسسات الدينية وغيرها ممن لهم مصلحة خاصة لاستغلال الدولة.  يتم هذا تحت إشراف محايد للإدارة العامة  للانتخابات.

إن أهم مؤشرات الديمقراطية في الدولة والسلطة، ما يتم داخل الأحزاب من إدارة ديمقراطية من حيث حرية التفكير وحرية النقد والمشاركة الجماعية في اتخاذ أهم القرارات وانتخاب القادة باقتراع سري ورقابتهم أو إسقاطهم من القيادة الحزبية عند الضرورة. ومن مؤشرات الديمقراطية الحزبية كذلك، تعيين المرشح للانتخاب من قبل اللجنة الانتخابية في دائرة مرشحها، وليس من قبل رئيس الحزب، والذي قد يصبح رئيسا للدولة. العمل الحزبي هو الولاء لبرنامج الحزب وأفكاره بهدف خدمة الشعب وليس الولاء لبعض أفراد القادة في الحزب.

الصراع السياسي في ديمقراطيات الدول المتقدمة تتمحور غالبا حول أحزاب اليمين واليسار. أحزاب اليمين في ممارستها للسلطة ، تميل لإعطاء امتيازات أكبر للطبقة الاجتماعية الميسورة والمقربة من الحزب. أما أحزاب اليسار فهي تهدف  لتوسيع مجال العدالة الاجتماعية على أكبر عدد من الناس. تحرك اليمين فئوي طبقي . أما اليسار فهو يهدف لرفع الطبقة الفقيرة لكي تقترب من الطبقة الوسطى. توسع الطبقة الوسطى هو المقياس الأساسي لتقدم أي بلد كما نرى ذلك في الدول الاسكندينافية أو اليابان … هذه الطبقة هي المحرك الاقتصادي والثقافي والفني والعلمي والديمقراطي  في البلد وفي العالم. 

الشعب في الأنظمة الديمقراطية هو الذي يخلق الأحزاب. ومجلس النواب المنبثق عنه هو ممثل السيادة الوطنية.

من كتاب أسس وركائز وتطبيق الديمقراطية

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية and tagged , , . Bookmark the permalink.