في كل قلبٍ.. وطنٌ وأوطان

هايدي جمال شكري هايدي جمال شكري

إن قضيةَ الوطنِ هي قضيةٌ شائكةٌ، قد يُسْفِر الاقتراب منها إما عن حنينٍ وشوقٍ، أو عن شعورٍ بالاغتراب، أو استحضار لذكرياتٍ ومشاهدٍ من حياة الإنسان للمنفي أو للغربة، كما قد يُسْفِر عن شعور بالانتماء وزلزلة بخلجات النفس، أو عن تساؤلاتٍ حائرةٍ تبحثُ عن الحقيقة فما هو الوطن؟

أهو المكان الذي نولد لنحيا ونعيش بكنفه؟ الأم الحقيقية التي ولدتنا وأرضعتنا. أهو شيء غريزي يجري في عروقنا؟ يسير بمسار الدم في الشريان وفي الوريد، يَحملنا الحنين إليه أينما ذهبنا وتأسرنا أيديولوجياته حيثما نشأنا ونتقبل عاداته ونتمسك بها مهما تعلمنا؟ أهو “جين” من الجينات الوراثية يجعلنا نحمل صفات عرقية؟ مختلفة وفريدة؟

 أم إنه الأرض التي حملنا ثقافة شعبها وتراثها بمحض إرادتنا، أسَرَنا مذهبها فاعتنقناه دون النظر لأصولنا وعرقنا وجذرنا. أهو قضية و مسألة اختيار أهو الصبغة التي ولدنا بها؟ أم صبغة أخري من اختيارنا؟ إجباري أم اختياري. فللوطن مفاهيم شتي ومعانٍ كثيرة تعكس التوجهات الفكرية والمعتقدات السياسية وتختلف مابين القدم والحداثة ومابين التدين والعلمانية.

وهكذا تَعَدَّدَت استخدامات كلمة (وطن) وتفاوتت مفاهيمه مابين المفهوم اللغوي والجغرافي والديني والفكري الإنساني، فهناك من يجزم علي أنه محل الميلاد، وهناك من يراه “محل الإقامة والاسقرار”

حيث يعرفه “ابن منظور” (1232- 1311) م قائلاً:

” الوطن: المنزل تقيم به وهو موطن الإنسان ومحله “… وأوطان الغنم والبقر مرابضها وأماكنها التي تأوي إليها…، يُقال: أوطن فلان فلاناً أرض كذا وكذا أي اتخذها محلاً ومسكناً يقيم فيها”

ويقول “الطهطاوي” (1801-1837) م:

” الوطن هو عُش الإنسان الذي دُرِجَ فيه ومنه خرج، ومجمع أسرته، ومقطع سرته، وهو البلد الذي نشأته تربته، وغذاؤه وهواؤه “

بينما يُعَرَّفَه” بطرس البستاني ” (1819- 1883 ) م قائلاً:

” منزل إقامة الإنسان ومقره وُلِدَ به أم لم يولد، وفي الحديث حبُ الوطن من الإيمان، وجمعه أوطان، والوطن الأصلي في الشرع هو مولد الرجل ومَنْشَأه والبلد الذي هو فيه، ويُسمي بالأهلي، ووطن الفطرة والقرار”.

وهناك من يخلط بين “الوطن” و”الأمة” فينتقل الانتماء والحنين إلي رقعة أكبر من رقعة محل الميلاد والنشأة، أو من دولة/الاستقرار والسكن، ويصبح الولاء لمنظومة دولية كبيرة تشمل عدة دول تتحدث بلهجاتٍ متشابهة ولغة موحدة “غالباً” ولها معتقدات ثابتة وتاريخ وماضي مشترك كما يري أغلب العلماء مثل جوزيف ستالين(1878-1903).

وهناك من يري الوطن بالمفهوم الديني، فيجده ذلك المذهب والمعتنق وتلك العقيدة المقدسة ويكون الانتماء هنا إلي منظومة أو مؤسسة دينية لها الولاء التام والطاعة والخضوع وهنا تجتمع الجنسيات والخلفيات الثقافية المختلفة والبلدان والأمم.

أما عن الوطن بالمعني الإنساني.. فهو ليس بقعة جغرافية إقليمية، وليس دولة أو أمة.. كما أن الوطن أيضاً ليس مذهب أو عقيدة، و ليس إرثاً أو غريزة. ولا يمكن للمرء اعتناقه أو التعامل معه تحت شعار الواجب والمعتاد والطبيعي. فقد فاق كل هذه المفاهيم والمصطلحات..

 فالوطن هو ذلك القالب الفكري الذي يختاره المرء ليسكن به وفيه وإليه، الوطن هو تلك الفكرة القابعة في أعماق كل إنسان يحن ويشتاق إليها،

 الوطن لدي البعض هو أرض الميلاد..

 ولدي البعض الآخر هو الأم!

ولدي الكثيرين هو الحبيبة أو المعشوق!

 فالوطن هو فكرة فلسفية لا يمكننا إيجازها في قالب نصي ولا في مفهوم مختصر، وليس بوسعنا تقييده وحصره في حروف محددة فمفهوم الوطن هو مفهوم فلسفي نسبي يتراوح مابين الإحتياجات والظروف والعوامل البيئية..

فبعض الأوطان غربة وبعض الغربة وطن،

وبعض الأقرباء غرباء وبعض الغرباء أشقاء وأحباء.

حفظك الله يا وطني الحبيب..

Print Friendly
This entry was posted in Terms عالم المصطلحات, هايدي جمال شكري and tagged . Bookmark the permalink.