“تدريبات على القسوة” عن بنت الليل المثقفة

محمود الغيطاني محمود الغيطاني    

رغم أن هناك الكثير من الأقاويل التي تؤكد عدم قدرة المرأة على الإبداع، وعجزها عن الانطلاق إلى آفاق أرحب تستطيع من خلالها الحديث عن العالم بشكل واسع بعيدا عن مشاكلها الحياتية اليومية الصغيرة، ورغبتها الدائمة في التحرر من عبودية المجتمع الذكوري الذي يخنقها داخل إطاره الضيق، حتى أن معظم النساء تقريبا تكتب كتابات لا قيمة لها، أو لا تترك الكثير من الأثر داخل من يقرأ لها- حسب ما يذهب معظم من يتقولون هذه الأقوال-، ورغم أني أكاد أصدق إلى حد ما بعض هذه الأقاويل؛ نظرا لأن المرأة تحاول دائما الحديث والكتابة من خلال عالمها الضيق فقط، غير قادرة على الانطلاق إلى آفاق أكثر رحابة؛ وربما كان هذا هو السبب الذي جعل الكثيرين من الرجال يعبرون عن الأنثى بشكل أصدق من تعبيرها هي عن ذاتها، وهو الأمر الذي يمكن أن نرده بجدارة إلى المجتمع الذكوري الذي يتحكم في كل شيء، ومن ثم يترك بقوانينه وآلياته هو على الجميع الذين لابد أن يكونوا خاضعون لها، مما يؤدي إلى العديد من الأسقف المنخفضة التي تخنق قدرة المرأة على الإبداع، بل وعدم القدرة على التحرر الحقيقي أثناء فعل الكتابة، الذي هو في حقيقة أمره فعل تحرري عن جدارة.

 وربما لأن المتلقي دائما ما يُسقط كل ما يكتبه الكاتب على شخصية الروائي نفسه، وبالتالي يعتبر أن هذه الكتابة ليست إلا سيرة ذاتية يكتبها المؤلف؛ فلقد وقع جميع الكتاب لاسيما المرأة في هذا الشرك من التلقي؛ وبالتالي لم تستطع المرأة الكتابة بحرية تليق بأن تكون كتابتها هي الأهم على الرغم من قدرتها على التعبير الكبير، ولكن أسقف المجتمع البغيضة تمنعها دائما من حرية التعبير التي ستجعل كتابتها بالضرورة هي الكتابة الأهم؛ نظرا لقدرتها البارعة على التعبير.

ربما كانت الروائية عزة سلطان من الروائيات القلائل اللاتي استطعن أن يضربن بهذه القيود، والأسقف المنخفضة عرض الحائط بشجاعة تكاد أن تُحسد عليها؛ وبالتالي استطاعت الكتابة بجرأة جميلة، وقاسية عن عالم روائي لم نعهده من قبل، ولم نره بمثل هذه الجرأة المنقطعة التي جابهتنا بها سلطان في روايتها “تدريبات على القسوة“.

ربما وجدنا مثل هذه الجرأة الروائية من قبل في رواية “برهان العسل” للروائية السورية سلوى النعيمي، لكنها كانت مجرد رواية تدور حول العالم الإيروتيكي، ومن ثم لم تستطع التعمق داخل هذا العالم، إلا أن عزة سلطان في روايتها استطاعت أن تنطلق داخل هذا العالم بانسيابية لم نعهدها من كاتبة عربية من قبل، فاستطاعت تصوير حياة داعرة مثقفة، وما يدور في ذهن هذه الداعرة، وأساليبها غير المألوفة من خلال عالم الثقافة العميق لاصطياد زبائنها من الرجال، هي امرأة استطاعت أن تُغلب العقل على الفرج كما قالت الروائية داخل روايتها، ومن ثم كان العقل هو الأبقى والأهم داخل هذه المنظومة الجنسية، لتأتي رغباتها الجنسية في نهاية المنظومة.

تحدثت عزة سلطان في روايتها “تدريبات على القسوة” عن الداعرة التي ينظر إليها المجتمع دائما بازدراء باعتبارها في نهاية السلم الاجتماعي، وباعتبارها أنثى غير مرغوب فيها، إلا أنها من خلال روايتها ورؤيتها الخاصة استطاعت أن تسوق العديد من المبررات والأمور التي تجعلنا نتعاطف مع هذه الشخصية ومن ثم نحترمها مثلها مثل أي أنثى لها كيانها في المجتمع، وبالتالي فهي شخصية محببة إلى كل من يقترب منها، ولابد أن يتعاطف معها بشكل فيه الكثير من التقدير والاحترام.عاهرة

إنها المثقفة التي تكتب الشعر، والمقالات، وتدمن قراءة الكتب، ومن ثم كانت هذه الثقافة هي أداتها الرئيسية في اصطياد الجميع والإيقاع بهم، بل هي المرأة التي لا تسمح لأي كان من الرجال أن يضاجعها إلا إذا لمحت فيه قدرا من التحضر والثقافة اللذين يجعلانه قادرا على التعامل معها بآدمية وإنسانية، بل هي جعلت من نفسها داعرة لها سعر لا يمكن أن تحصل عليه من تمتهن مهنتها على الإطلاق؛ نظرا لأنها ترى نفسها في مكانة لا يليق بأي شخص أن يحصل عليها.

هل نستطيع القول أن عزة سلطان من خلال روايتها حاولت التنظير للداعرة في المجتمع المصري، ومن ثم نستطيع احترام هذه الشخصية، والنظر إليها بشكل من أشكال التقدير الذي يليق بها؟

من خلال إبحارنا في هذه الرواية نستطيع التأكيد على أن الداعرة في هذه الرواية لها مكانة خاصة جدا، ومن ثم يستطيع أي من يعرفها أن يحترمها بشكل خاص، لطريقة تفكيرها، واحترامها لذاتها، وعدم رغبتها في امتهان جسدها لأي من يقابلها، فهي ترى أنها تعمل عملا مثلها في ذلك مثل أي عامل، وأن هذه هي وظيفتها التي تؤديها بعشق وحب، واحترام، ومن ثم فقد كانت ناجحة فيها أيما نجاح.

نجحت عزة من خلال تقنيات السرد التي اتبعتها سوق العديد من العوالم والحكايات التي لا نعرفها عن عالم الدعارة، بل استطاعت أن تذكر العديد من الممارسات التي يمارسها من يتصيدون الداعرات، ومن ثم يتعاملون معهن باعتبارهن مجرد أشياء من الممكن أن تُباع وتُشترى، ومن هنا يحق لهم أن يمارسون معها العديد من الممارسات الشاذة التي من الممكن أن تترك الكثير من الآلام النفسية والجسدية عليهن، ولعل تقسيم الرواية إلى الكثير

من المقاطع المتوازية، واستفادتها بتقنية المونتاج المتوازي  Cross cuttingوهي تقنية سينمائية في المقام الأول، استطاعت الرواية أن تدخله إلى سياقها بشكل سلس- ربما بسبب الرؤية السينمائية التي تتمتع بها الروائية التي تعمل في مجال الكتابة في النقد السينمائي-، نقول أن هذا التقسيم إلى العديد من العوالم المتوازية قد أفاد الروائية كثيرا في أن تسوق لنا الكثير جدا من الحكايات المختلفة التي كان من الممكن لها أن تستمر في السرد الروائي إلى ما لا نهاية، وهو الأمر الذي كنت أظنه في هذه الرواية، بشكل لا يمكن أن يدفع القارئ إلى الملل؛ نظرا لأن أسلوب السرد وتقنيته تجعلك قادرا دائما على هضم جميع الحكايات غير المرتبطة ببعضها البعض، وإن كانت كلها تدور في نفس العالم الروائي.

لم تكن تدريبات القسوة التي حاولت الروائية تقديمها مجرد تدريبات على قسوة التعامل مع الأنثى الداعرة من خلال الرجل ذو النظرة الذكورية فقط، بل كانت القسوة تجاهها من قبل الجميع حتى زميلاتها الداعرات أيضا كن يمارسن عليها لونا من القسوة والغيرة والحقد؛ نظرا لكونها مثقفة، وتستطيع الإيقاع بالعديد من الرجال أصحاب المستويات المرتفعة، وهو مالا يمكن لغيرها من الداعرات فعله، كن يرونها دائما من طبقة أرستقراطية من خلال تعامل الجميع معها؛ الأمر الذي دفع العديد من النساء اللاتي مررن بحياتها أن يحملن داخلهن الكثير من الحقد، حتى أن زميلتها حاولت غير مرة إيذائها بمراودتها عن نفسها في تجربة مثلية، ومن ثم استخدام عضوا ذكوريا بدائيا من صنعها من أجل محاولة توسيع فرجها، وهو الأمر الذي تحاول فيه بطلة الرواية دائما ألا يكون، حيث كانت تحاول الحفاظ على فرجها ضيقا مستخدمة العديد من الأساليب؛ لتكون مرغوبة دائما من الرجال، وكي توهمهم أنها ليست داعرة محترفة، مارست هذه المهنة لمدة خمسة عشر عاما كاملة.

لا يمكن إنكار أن رواية “تدريبات على القسوة” من أجرأ الروايات التي كُتبت في الآونة الأخيرة في المنطقة العربية، من خلال روائية استطاعت بجسارة لم نلحظها من قبل ضرب جميع الأسقف المنخفضة التي يفرضها المجتمع الذكوري على الأنثى، ومن ثم استطاعت عزة سلطان مواجهة هذا المجتمع من خلال الفعل الروائي؛ لتقول للجميع أن الأنثى قادرة على تقديم فعل روائي جرئ وعميق، ومن السهل أن يبقى في الذهن وتاريخ الأدب، ومن هنا كانت قادرة على نفي فكرة أن أدب المرأة هو مجرد أدب يدور في دائرة ضيقة، لا يهتم سوى بالعالم الضيق لمشاكل المرأة اليومية والتي لا يهتم بها الآخرون.

This entry was posted in محمود الغيطاني and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.