عفوا د. محمد عمارة

د.عماد نصر ذكرى    

قرأت ما كتبه الدكتور محمد عمارة فى عموده “هذا اسلامنا” المنشور فى جريدة القاهرة بتاريخ 27 أكتوبر 2009 ولى عليه بعض الملاحظات

بين الغزو والفتح

يقول الدكتور عمارة أن الإغريق والرومان والبيزنطيين احتلوا الشرق وقهروه حتى حررت الفتوحات الإسلامية أوطان الشرق، وأقول إذا كان الدكتور عمارة يؤمن أن غزو العرب لأوطان الشرق كان فتحاً وتحريراً فيجب عليه أن يقبل وجهة النظر الغربية التى ترى أن احتلال الشرق قديماً وحديثاً كان أيضاً تحريراً له من التخلف ونشراً للواء الحضارة والمدنية فى ربوعه

والملاحظ أنه حين يسرد الدكتور عمارة الدول التى استعمرت بلادنا لم يشر إلى الغزو العثمانى الذى قمع المصريين وأذلهم وأدخلهم عصوراً مظلمة امتدت لما يقرب من أربعة قرون. ولم يدرك المصريون الهوة السحيقة التى قبعوا فيها حتى استيقظوا يوماً ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام الجنود الفرنسيين الذى اعتبر حملتهم على مصر بمثابة فتحاً لها كما كان دخول العرب إلى الأندلس فتحاً لها . ورغم هذا أرفض تماماً نبرة الحسرة التى تفوح من أقلام الكثيرين حين يأتى ذكر الأندلس وسقوط غرناطة لأنه لا يجوز أن نعتبر – ولو لاوعياً – ان لنا حقوقاً تاريخية فى الأندلس لأننا كنا يومأً حكاماً لهذه البلاد وإلا كان هذا إعترافاً ضمنياً بحق إسرائيل فى فلسطين لأنها كانت لها دولة فى الماضى القديم تبسط سيطرتها على هذه الأراضى.

هل الغرب سبب تخلفنا ؟

يلقى الدكتور عمارة بالتهمة على الغرب فى تردى الأحوال التى أصابت غالبية الدول الإسلامية لانهم يصدرون إلينا سلع الإستهلاك الترفى كما أن القواعد العسكرية الغربية تغطى أغلب بلاد العالم الإسلامى.

القواعد العسكرية الرابضة فى العراق وأفغانستان وباكستان ودول الخليج….الخ لا تستطيع فى رأيى أن تمنع الشعوب المؤمنة بقيمة العمل وقيمة الوطن أن تنتج وتبتكر ولنا فى تجربة اليابان وألمانيا أسوة حسنة. فقد خرجت الدولتان محطمتين بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ولكنهما تمكنا من تحقيق معجزة اقتصادية فى أقل من عقدين من الزمان رغم وجود القواعد العسكرية الأجنبية . تمكنت الدولتان المهزومتان فى الحرب من غزو الولايات المتحدة الأمريكية اقتصادياً وأصبح لليابان (التى ليس لديها مصادر للطاقة ) ثقل دولى للدرجة التى تسمح لها بأن تطالب بأن يكون لها مقعد دائم بمجلس الأمن. هذه هى الشعوب التى أرادت بحق وحقيق الحياة فكان لابد أن يستجيب القدر وكان لابد لكل القيود أن تنكسر، فهم لم يتوانوا عن العمل والإنتاج حتى يتم إخراج المحتلين الأنجاس من أرضهم الطاهرة ولم يتهموا بعضهم البعض بالعمالة للمستعمر وفوق ذلك هم قادرون على ربط الأحزمة على البطون وقت الأزمات فلا يتهافتون على اقتناء السلع الكمالية التافهة التى يحرص القادرون من مواطنينا على امتلاكها لزوم المنظرة والفشخرة. لا أنسى حين سأل أحدهم مندهشاً الشيخ الشعراوى كيف يرضى الله بالهوان للمسلمين بينما العالم الغربى يعدو يوماً بعد يوم إلى الأمام، لم يجب الشيخ السائل بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم بل أجاب لدهشتى بأن الله سخر الغربيين لنا يعنى هم ينتجون ونحن نستهلك مما يكرس الهوان والتبعية إلى ماشاء الله.

هل يضطهد الغرب المسلمين؟

يقول الدكتور عمارة أن الغرب يحرض الأقليات الدينية على الإنفصال عن الدول الأم (المسلمة بالطبع) كما حدث ويحدث فى تيمور الشرقية وفى جنوب السودان و يتهم المسلمين بالتعصب بينما لا نجد فى الغرب جندياً مسلماً .و الحقيقة أن السياسة الخارجية للدول الغربية لاتهدف إلى نصرة الإخوة فى الدين ظالمين أو مظلومين فهى لا تعرف سوى لغة المصالح وقد دكت الآلة العسكرية الأمريكية عام 1999 دولة الصرب مساندة لحق اقليم كوسوفا ذى الغالبية المسلمة فى الإستقلال.

أما بالنسبة لإلتحاق المسلمين بالجيش فأطمئن الدكتور عمارة أنه غير مجرم أو محرم، وقد قرأنا عن جنود أمريكيين مسلمين أثناء حرب العراق حائرين بين الإنتماء للدين والوطن يتساءلون إن كان يجوز لهم – اسلامياً – أن يشاركوا فى حرب ضد دولة مسلمة.

إن الغرب – يا دكتور – وإن كان غير عادل فى سياسته الخارجية إلا أن الأوضاع الداخلية المتعلقة بالحرية والديموقراطية وحقوق المواطن لا يمكن مقارنتها بتلك القائمة فى بلادنا.

ففى الولايات المتحدة – على سبيل المثال – تمكن مواطن أمريكى أسود قادم من طبقة بسيطة وله جذور إسلامية أن يفوز بمنصب رئيس البلاد. والقوانين الغربية نصت على فصل الدين عن الدولة مما يمنع أى سلطة أن تمارس طغيانها الفكرى على ضمير أى مواطن، فالفرد هناك يستطيع أن يختار بإرادته الحرة معتقده ونحن فى مصرنا مازلنا نصنف الناس على أساس من معتقدهم الدينى عن طريق خانة الديانة فى البطاقة الشخصية ونرفض أن نمنح البهائى حقوقه الكاملة كمواطن لأن الدين الإسلامى لايعترف سوى باليهودية والمسيحية فى حين أن الغربى الذى يعتنق الدين الإسلامى (الذى لايعترف به المسيحيون كدين سماوى) يتمتع بحقوقه كاملة غير منقوصة. هناك مشاهير فى الغرب يشهرون إسلامهم ويلقون مع ذلك كل الحب والتقدير فالملاكم محمد على كلاى منح لقب ملاكم القرن العشرين (هل إذا اعتنق مثلاً لاعب الكرة السابق محمود الخطيب ديناً آخر غير الإسلام يمكن أن يظل ينعم بنفس الشعبية التى يتمتع بها).

حرية العقيدة فى الغرب حقيقة واقعة لكنها عندنا مجرد شعار نظل نردده حتى نصدقه وبالطبع لا أحد يصدقنا

إن التراجع الذى نلمسه فى جميع مناحى حياتنا ليس سببه تآمر الغرب علينا واضطهاده لنا ولكن لأننا خاصمنا الحرية وأهملنا العدالة ونسينا أن العمل عبادة وارتحنا لما وجدنا عليه آباءنا فقتلنا فينا الفكر النقدى و القدرة على التفكير و ادمنا فتنة التكفير . وتقدم الغرب لأنه قدس قيمة العمل وشجع الإبداع والإبتكار وآمن بنسبية الحقيقة وأن الإختلاف رحمة والتنوع ثراء واقتنع بحتمية الديموقراطية وفصل الدين عن الدولة وتداول السلطة وسيادة القانون على الجميع وطور أنظمته الرأسمالية وطعمها بالإشتراكية فإعتنى بالفقراء والمرضى وكبار السن وذوى الإحتياجات الخاصة.

فياليتنا نؤمن بهذه القيم ونعمل جاهدين لنشرها فى ربوع وطننا الحبيب حتى يتحقق له التقدم المنشود ونباهى به الأمم ونقول لهم بزهو “هذه مصرنا”.ء

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عماد نصر ذكرى. Bookmark the permalink.