الكاتبة السعودية أكدت أن كتابة المرأة لسيرتها مخاطرة: هيلانة الشيخ: الأديب ليس قديسا أو واعظا

حوار: محمود الغيطاني  محمود الغيطاني  

الشاعرة والروائية السعودية هيلانة الشيخ من الأصوات النسائية السعودية التي بدأت تضع قدميها في مجال الأدب السعودي بثبات في الآونة الأخيرة، صدر لها ديوانها الأول “الهيلانة” الذي تم توزيعه في المملكة العربية السعودية، والكويت، كما صدر لها في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام كتابها السردي “شخصيات من ورق”، لها رأي في سياسة المملكة، ومفهوم الحريات، والأدب، ومن هنا كان حوارنا معها.

–        كتابك “شخصيات من ورق” لاحظت فيه أنه لون من ألوان السرد، أي أنه في مرحلة وسيطة بين الرواية والقصة القصيرة، والشعر، وإن كان يقترب كثيرا من شخصيتك أنت كمؤلفة، بحيث يمكن اعتباره لونا من ألوان السيرة الذاتية، هل عمدت بالفعل إلى كتابة سيرتك الذاتية؟

كنت أرغب في كتابة السيرة الذاتية، ولكن بطريقة مختلفة، أي أن أكتبها بشكل أدبي يستحق القراءة، وليس مجرد فضفضة للذات، ولعلك تلاحظ أني حاولت التنويع بين السرد في هذه السيرة، وبين الكتابة الشعرية، أي أني لم أكن اهتم في المقام الأول بالتصنيف، بقدر ما كنت أهتم بالكتابة فقط، ولكن بشكل أدبي، وهنا لم يكن يعنيني ما هي اللغة الأدبية التي أكتب بها، ولكن الموضوع كان عندي هو الأهم.

–        تحدثت عن حياتك الشخصية في القسم الأول من الكتاب، فذكرت الزوج، والأبناء، والأخوة، والأب، والأم، لكني ألاحظ أنك قد مررت مرورا سريعا على بعض هذه الشخصيات، في حين أنها كانت تحتاج إلى الكثير من التأمل، لم كانت هذه القفزات؟

أنا بالفعل أفضل الأسلوب الموجز، والذي أراه أفضل من الثرثرة التي قد تؤدي إلى ترهلات في العمل الأدبي، كما أرى أن هذا الإيجاز هو لون من ألوان التشويق، كما أن هناك بعض الأمور التي كان من الصعب الكتابة عنها بالتفصيل، بمعنى أني أحاول هنا إشراك القارئ معي؛ كي أعطيه قدرا من التخيل الذي يساعده على مليء الفجوات التي تركتها، كما ابتعدت عن بعض الذكريات التي كنت أرى أنها قاسية.

 

–        باعتبارك ابنة المجتمع السعودي المحافظ، حاولت كتابة سيرتك الذاتية، هل من السهل عليك كأنثى في مثل هذا المجتمع فعل ذلك؟

ليس فقط في مجتمعي السعودي، ولكن في المجتمع العربي كله من الصعب على أي سيدة كتابة سيرتها الذاتية، إلا إذا كانت فنانة مشهورة، أو راقصة، أو مطربة، ورغم ذلك لا يخلو الأمر من صعوبة، فهي أمر استثنائي في منطقة الخليج بأكملها، حتى لو كانت السيدة شخصية عامة مثلي لها قرائها وجمهورها، لكنه كان لونا من الجرأة مني ولا أستطيع إنكار ذلك.

 

–        ألاحظ في منطقة الخليج بالكامل تنامي حركة كتابة نسوية في الآونة الأخيرة، لاسيما المملكة السعودية.

هذا حقيقي، ففي الفترة الأخيرة حينما فُتح المجال أمام النساء ككاتبات، كانت هناك طفرة، لاسيما أننا في السعودية متمكنين من اللغة العربية، كذلك سترى هذه المواهب السعودية في مجال الفن التشكيلي، فهناك العديد من النساء الموهوبات في هذا المجال، وأنا أرى أن خيال الأنثى السعودية هو أخصب من خيال أي امرأة عربية أخرى؛ وذلك لأنها تعيش دائما في الخيال بسبب الحصار المفروض عليها في الواقع الذي لا يعطيها الفرصة الحقيقية للحياة، ومن ثم كان التعويض لهذا الحرمان من حياة الواقع منصبا على الخيال الإبداعي، فتجد الروائيات السعوديات فيهن طفرة أكثر من أي دولة خليجية أخرى.

 

–         هناك بعض التحفظات أو الخطوط الحمراء على بعض الكتابات سواء كانت سياسية، أو دينية، أو جنسية في المجتمع السعودي، كيف يستطيع الكاتب السعودي تخطي هذه المحظورات؟

طبيعة الكاتب السعودي سواء كان رجلا، أو امرأة عنده بالفعل مثل هذه التحفظات، صحيح أن هناك بالفعل ضوابطا موجودة من قبل السلطات من أجل عدم الكتابة في بعض المجالات، وهو الأمر الذي يتوقف عليه الترخيص من أجل إصدار الكتب، ولكن هذه بالفعل طبيعتنا من دون وجود شروط إلا في حالات استثنائية تجد فيها بعض الكاتبات يتجاوزن الحدود؛ الأمر الذي يضطرهن إلى النشر خارج المملكة، لمنعهن من النشر داخلها.

 

–        وكيف يتعامل معهن المجتمع السعودي في مثل هذه الحالة؟

لا يتعرض لهم أي كان، أهم شيء هو أن الكتاب المطبوع في الخارج يحصل على الموافقة بالبيع داخل السوق السعودية؟

 

–        وماذا لو كتب أحدهم عن الحياة الاجتماعية السرية للمجتمع السعودي، هل يستطيع الحياة وسط هذا المجتمع بسهولة؟

بالتأكيد، إذا ما كتب في حدود الأدب، ولكن إذا كتب بشكل يضر المجتمع فبالتأكيد هناك عقاب، لأنه هناك حدود لابد من عدم تجاوزها.

 

–        ألا ترين أن كل هذه المحظورات هي بمثابة تخفيش من سقف الحريات بالنسبة للكاتب؟

هذا يتناسب تماما مع ثقافة المجتمع السعودي، وعاداته، وتقاليده، وأنا أرى أن هذا هو الأفضل، فهذه الشروط لم توضع جزافا؛ بل وُضعت بناء على دراسة المجتمع نفسه وما يتناسب معه.

 

–        الروائي المصري الراحل محمد عبد السلام العمري عاش فترة طويلة في السعودية؛ وهذا ما أدى إلى أن عالمه الروائي بكامله تقريبا كان يدور حول المجتمعات الصحراوية، لاسيما السعودية، وكان قد كتب قصة طويلة اسمها “بعد صلاة الجمعة”، التي يُصور فيها مشاهدته لتنفيذ أحد الحدود، حتى أنه قد أغشى عليه من مشاهدة هذا المشهد، وتعرض في قصته للمجتمع السعودي بالانتقاد القاسي؛ وهو الأمر الذي أدى إلى غضب السلطات السعودية، هل ترفض السلطات السياسية في السعودية انتقادها حتى لو كان من خلال الأدب؟

هذا حق السلطات السعودية؛ لأن التطرق للأمور الدينية محظور تماما، فأنت ليس بفقيه، ولا مستشار ديني، ولا لديك الدرجة الكافية من العلم في الدين كي تقول هذا يجوز، أو لا يجوز، السعودية تُطبق حدود الله؛ لأنها حدود الله التي يجب تطبيقها، أما موضوع موافقة الناس على هذا أم لا فهو ليس مهما؛ لأنها تشريعات موجودة في ديننا، ونحن كمجتمع سعودي لا نرى أن هذه بشاعة؛ لأن وصف الحدود بالبشاعة يكاد يكون بمثابة إهانة التشريعات الإسلامية؛ لأن الله الذي قال ذلك، ولا يصح لي الاعتراض على كلام الله، وبما أنك فضلت الحياة في السعودية، فمن الضروري الالتزام بقوانينها، وقواعدها، وهنا ليس لك حق الاعتراض، وأنت حينما تذهب إلى بيت أحدهم ويكون قد كتب على الباب “ممنوع التدخين”، فهل من حقك مناقشة أهل هذا البيت في سبب منع التدخين؟ لابد من الالتزام، فهذه مملكة لها كيان، وحدود، وطقوس، ولابد من احترام كل ذلك.

 

–        ما رأيك في جلد المدون السعودي رائف بدوي بسبب قول رأيه على الإنترنت؟

حتى لو كان الحكم قاسيا؛ فهو من باب التعزير، وأكيد أنهم حكموا عليه هذا الحكم لأسباب معينة غير كتابته أيضا، فالإعلام السعودي ليس من الإعلام المضطر إلى شرح كل التفاصيل، فربما يكون بدوي قد استهدف شخصا معينا، أو سلط الضوء على شيء لا يصح، فالأحكام لا تصدر من أول مرة، وربما استخدم عبارات، او كتب من قبل ما لا يليق كتابته، فالحكومة السعودية لا تلاحق الأفراد لمجرد ملاحقتهم.

 

هيلانة الشيخ الكاتبة السعودية

هيلانة الشيخ الكاتبة السعودية

–        هنا في مصر سقف الحرية مرفوع تماما، بمعنى أننا من الممكن لنا انتقاد رئيس الدولة ومراجعته في قراراته، كذلك نستطيع انتقاد الفكر الديني، هل ترين أن حرية الرأي بمثل هذا الأمر بمثابة الفوضى؟

هي بالفعل لا تعدو عن أنها فوضى حقيقية، وربما من الممكن أن يستوعب الشعب المصري هذه الفوضى في هذه المرحلة بسبب ثورته، لكننا كمملكة لا يمكن لها استيعاب هذه العشوائيات، لابد من وجود ضوابط للجميع، فليس معنى وجود خلاف بيني وبين آخر أن أشتمه، أو أسبه، فهل يعجبك ما تراه في برنامج توفيق عكاشة، من أسلوب، وألفاظ في لقاءاته؟ الحرية إذا ما زادت بمثل هذا الشكل لابد أن تتحول إلى مهزلة، فليس من حق كل واحد أن يقول رأيه بمثل هذا الشكل؛ وليس من حق أي كان الانتقاد.

 

–        ألا ترين أن وضع مجموعة من الضوابط، والمحظورات هو بمثابة انتقاد من قدر حريتك؛ لأن هناك من يرى أنه أكثر رشدا منك؟

لا، فمن يضع لي الضوابط لا أستطيع القول عنه ذلك، وليس هناك من يشغل منصبا إلا إذا كان يستحق مثل هذا المنصب، فهو بالتأكيد على كفاءة من العلم، ودرجة من الخبرة كي يكون في مثل هذا المنصب، ومن يوضع في المنصب الخطأ لا يمكن له أن يستمر.

 

–        يُمنع دخول أعمال روائية كثيرة في السعودية باعتبار أن هذه الأعمال تتحدث عن الجنس، أو الدين، ومن ثم لا يصح أن يقرأها أبناء المجتمع السعودي، هل ترين أن رواية من الممكن لها إفساد مجتمع؟

الرواية من المستحيل لها أن تُفسد المجتمع، فهناك أمور أخرى في الفضائيات، وشبكات التواصل من الممكن لها أن تقوم بهذا الإفساد، ولكن الإنترنت ووسائل الاتصال من الأمور التي من الصعب التحكم فيها، رغم أننا لدينا الكثير من المواقع المحظورة، ولكن أنت كأب في بيتك من الممكن أن تمنع ولدك من قراءة بعض الأعمال في مرحلة معينة، كذلك الشعب السعودي لم يتأهل بعد لقراءة كل شيء، فنحن شعب لديه نظام، وعادات، وتقاليد، وقدسيات أكثر من باقي الشعوب العربية، لدينا تحفظات أكثر من الآخرين، لكنها في النهاية لصالحنا.

 

–        إذن فأنت ترين أن المجتمع السعودي غير مؤهل للحرية بعد.

بالفعل، هو ليس مؤهلا بعد.

 

–        ومتى من الممكن أن يكون مؤهلا لذلك؟

لا يوجد ما يمكن أن نطلق عليه الحرية، فالحرية الحقيقية هو أن تصل إلى درجة عالية من الثقافة، وإذا وصلت إلى هذه الدرجة من الثقافة والفكر، فأنت لن تُطالب بالحرية.

 

–        حينما رأى الروائي عبد الرحمن منيف أن سقف الحريات في المملكة شديد الانخفاض، رحل منها إلى غير رجعة، وعاش طيلة عمره متنقلا خارجها.

من لا تناسبه ثقافة السعودية، فليرحل حيث تناسبه ثقافته، فليس من العيب أن يرحل الإنسان إلى ما يناسبه، فالولد حينما يرغب أن يتحرر وأن يترك عائلته لعدم موافقته على ثقافتها، وطقوسها؛ يترك البيت ويستقل بسكنه، وهذا ليس مرفوضا، وبالتأكيد هناك طفرات في المجتمع.

 

–        هل ترين أن هذه الطفرات جيدة بالنسبة للمجتمع السعودي، أم أنك ترفضينها؟

أنا مثلا كسيدة لا تناسبها ظروفها للحياة داخل البلد من الممكن الخروج لاستكمال أعمالي إذا كان لدي من الظروف ما يسمح بذلك، فمن حق الإنسان الخروج من مساحة معينة، إلى مساحة أخرى أكثر اتساعا، ولكن ليس معنى هذا أن النطاق الذي أعيش فيه خاطئا.

 

–        هناك روائيات مثل الجزائرية فضيلة الفاروق، وأحلام مستغانمي، والسورية سلوى النعيمي، استطعن كسر حاجز الخوف في الكتابة، حتى أنهن بتن من أجرأ الروايات في المنطقة العربية، هل هذا اللون من الكتابات التي تحاول رفع سقف الحرية من الممكن لها التواجد في السعودية؟

نحن نكتب ما هو أجرأ من ذلك، ولكن بطريقتنا التي تخصنا، وهناك الكثير من البنات اللاتي يكتبن بطريقة شديدة الجرأة ولهن الكثير من الأعمال الناجحة، والتي يتم تسويقها، ولكننا لا نصل إلى نفس الدرجة من الشهرة نتيجة التسويق، كما أن الحقبة الزمنية الحالية لا تساعد أي امرأة في الشهرة، حتى لو كانت المرأة المصرية، أو الجزائرية، أو اللبنانية، فمع كل هذا الزحام من الكتابات من الصعب تمييز اسما منفردا، وهذا الأمر يحتاج إلى فترة طويلة جدا كي يكون هناك اسما منفردا، أو مختلفا عن غيره.

 

–        قمت بتقسيم كتابك “شخصيات من ورق” إلى جزءين، قسم يختص بحياتك الشخصية مع الأسرة، والقسم الآخر مع بعض الشخصيات التي تعرفت عليها في الحياة العامة، لم لجأت إلى هذا اللون من التقسيم في كتاب واحد؟

أنا لم أتعمد هذا اللون من التقسيم، لكني سردت الكتاب حسب ظهور الشخصيات في حياتي، فبدأت بأمي، ثم أبي، وهكذا، ولقد كان ظهور الشخصيات في الكتاب متتاليا كما حدث في حياتي تماما، فخالد يوسف مثلا، أو أحمد عز كانوا مكملين لشخصيات أخرى مثل نور خطاب وغيرهم، أي انهم فرضوا أنفسهم كتكملة للقصة.

 

–        هل قابلت جميع شخصيات الكتاب بشكل فعلي على أرض الواقع، أم أن هناك بعضها ممن تأثرت بهم من خلال السينما، أو الميديا فقط؟

كل هذه الشخصيات التي كتبت عنها عرفتها بطريقة مباشرة، فمنهم من دار بيني وبينه مهاتفة، أو حوار، إلا راغب علامة، الذي قابلته وجها لوجه، ولكن لم يكن بيني وبينه أي لون من ألوان الحوار.

 

–        ألا ترين أن الكتاب كان من الممكن له أن يكون رواية ثرية، وأكثر عمقا لو كان قد خرج منه بعض الكتابات الشعرية؟

أنا لا أحبذ الإطالة أو التفاصيل الدقيقة، حتى أني أفعل هذا في كتابة المقال أيضا، وكذلك في القصائد الشعرية، فالقارئ العربي حاليا ليس لديه القدرة، أو الصبر على قراءة الكثير من الصفحات في إطار كتاب واحد، ونحن القارئ أن يقرأ، لا أن يشعر بالملل.

 

–        هل ترين أن الأدب والفن لهما علاقة بالأخلاق، بمعنى أني لابد من توجيه رسالة أخلاقية من خلال الأدب؟

بالتأكيد لا، فالأديب لا يجب له أن يلعب دور القديس، أو الواعظ، فهو إنسان عادي يكتب أدبا لأنه لديه موهبة، والكتابة في النهاية هي إبداع، أما أن تخرج من نطاق الكتابة إلى الوعظ فأنت لا تمارس فنا، فنزار قباني مثلا يحبه الجميع، ويقرأ له الجميع رغم أنه تطرق إلى ألفاظ رفضها الكثيرون، حتى أن البعض قال عنه أن ليس إلا زير نساء، ورغم ذلك فهو شاعر ناجح بكل ما فيه من مؤاخذات.

 

–        هناك لون جديد من الكتابة راج بشكل منقطع النظير في مصر في الآونة الأخيرة، وهو ما يُطلق عليه “أدب الرعب”، هل ترين أن هناك من يمكن أن نعتبره “أدب رعب”؟

بالتأكيد لا، فالأدب هو الفن، وليس هناك ما يمكن أن نطلق عليه أدب الرعب، فنحن نستخدم الألفاظ على عواهنها، وهذا اللون من ألوان الكتابة لا يمكن أن يُفيد أحدا، وهي مجرد قصص خيالية للأطفال، أو المجانين، والمهاويس بالجن والأرواح، إنها في النهاية لون من ألوان الكتابة المناسبة للأطفال والمراهقين.

 

–        هل ترين أن هذا اللون من الكتابة من الممكن أن يؤدي إلى حركة ثقافية؟

بالتأكيد لا، فالثقافة أساسها اللغة، وهذا اللون من الكتابة مفتقد في الأساس للغة، فهذه الكتابة ليست إلا لونا من ألوان التلوث، وبالتالي لن يستطيعوا تلويث ثقافة المنطقة العربية بما يكتبونه من هراء.

Print Friendly
This entry was posted in محمود الغيطاني and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.