الفوضى الخلاقة والربيع العربى 1/2

هشام حتاته هشام حتاته

اصبح من المعروف الان من خلال نظرية الانفجار الكبير او الانفجار العظيم كيف تكونت المجرات والكواكب ، ففى البداية كانت فوضى عارمه نتج عنها هذا الكون ثم استقر بقوانينه التى نعرفها الآن

ومن المعروف لدى علماء الجيولوجيا ان الارض مرت بالعديد من المراحل الفوضوية حتى تشكلت على ماهو معروف الآن

ومن المعروف لديهم ايضا ان الزلازل والبراكين التى اجتاحت الكرة الارضية سواء من داخها او خلال اصطدام بعض المذنبات بها ، وتقول بعض النظريات ان كوكب الزهرة كان فى البداية مذنب كبير اصطدم بالارض عدة مرات واحدث بها العديد من الزلازل والبراكين واخرجت الارض عن محورها لتجبره فى النهاية قوة الجاذبية وقوانينها ان يصبح أحد كواكب المجموعه الشمسية ويدور فى فلك الشمس

ومن المعروف كيف تكون نهر النيل من الامطار الغزيرة على سهول وهضاب الحبشه ليصنع فى البداية مجموعة من الشلالات العظيمة التى شكل اندفاعها على الاراضى الواطئة من عدة جهات مجرى نهرى واحد ليشق طريقة هادرا ومزمجرا الى الشمال حتى يصل الينا فى النهاية هادئا مستقرا 

اذن … الفوضى تخلق فى النهاية الاستقرار ، وهذه هى نظرية الفوضى الخلاقة ، فالانسان مرتبط بكل قوانين الطبيعه لانه فى نظرى مخلوق كونى انتجته هذه القوانين ، ويكفى ان نعلم انه بجسم الانسان كل العناصر والمعادن التى تتكون منها او الموجوده فى الارض ، وايضا فان نسبة المياة فى جسم الانسان هى نفس نسبة المياة فى الكرة الارضية بالنسبة لليابسه

فنظرية الفوضة الخلاقة هو مفهوم ظهر عام 1902 على يد المؤرخ الامريكى تاير ماهان ، ثم توسع فيها الامريكى مايكل ليدين فأسماها ( الفوضى البنَّاءة ) أو (التدمير البنَّاء )، وذلك بعد أحداث سبتمبر بعامَيْن في 2003، وهذا يعني الهدم، ومن ثم البناء ، ويعني هذا إشاعة الفوضى، وتدمير كل ما هو قائم، ومن ثم إعادة البناء

وقد سبقهم الى ذلك ليفى اشتراوس حين قال ( لايوجد بناء ايدلوجى جديد الا على انقاض بناء ايدولجى قديم ) 

وكان ميكافيللى الاسبق منهم جميع حيث ذكر فى كتابه المعروف ( الامير ) : الفوضى تؤدي إلى الخراب ، ومن الفوضى ينشأ النظام

فعندما صرحت كوندليزا رايز وزيرة الخارجية الامريكية السابقة بتعبير الفوضى الخلاقة من عدة سنوات ضحكنا ملئ اشداقنا وشربنا اقداح القهوة واطلقنا النكات عليها رغم انها مصطلح فى علم الاجتماع السياسى وتعنى ( اطلاق الفوضى من اجل خلق نظام جديد )

ضكحنا وسخرنا وشربنا اقداح القهوة بالهيل ( القهوة العربية بالحبهان ) او الشاى بالنعناع او الشاى بالياسمين ولم نتصور ان المشروع يجرى الاعداد له وتنفيذه بدقة متناهية ليبدأ ما اطلق عليه بثورات الربيع العربى

** الفعل ورد الفعل :

اذا اردنا ان نطبق قانون نيوتين الثالث ( لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه ) لنخرج به من تطبيقات الفيزياء التى تحدث عنها نيوتين ، ونقوم بتطبيقة على الانسان وماحدث فى ثورات الربيع العربى نستطيع ان نقول :

ظل القهر والظلم من الانظمة الحاكمة على مواطنيها مكبوتا فى الصدور ، يتزايد كل يوم بسبب الممارسات القمعية المستمرة من الانظمة الحاكمة ، ينتظر لحظة الانفجار ، حتى امتلأت الصدور بدخان الغضب ، وكانت البداية مع تونس لشعب اكثر وعيا ونظام حكم بدون حزب قوى او عصبيات قبلية تحمية ، وتنجح البروفة ، وينكسر حاجز الخوف من السلطة الحاكمة عندما ترى مصرالحاكم التونسى يسارع بالهروب مع اول موجه غضب فتبدا الثورة فيها على نظام حكم ايضا لايستند الى حزب سياسى قوى ولايستند الى فكر ايدولوجى يجعله متماسكا او عصبيات قبلية تحميه فيتم عزل الرئيس مبارك ، ولكن ….. ثورة

خرج البخار المكبوت تماما كما الحال فى الآلة البخارية لتتحرك عجلة الشعوب كما تحركت عجلات السيارات من قبل ، فتنقل العدوى سريعا الى سوريا 

– رغم ان الشعب السورى لايقل فى حضارته عن تونس ومصر الا ان الحاكم هناك يستند الى حزب ايدولوجى ( البعث ) وعصبية مذهبية ( العلويين ) مسيطرين على زمام الامور ومستعدين للموت من اجل بقاء النظام الذى يعنى انهيارة اعدامهم فى الشوارع ، وتدور على الارض السورية كما على الارض العراقية معارك بالوكالة عن كل من السعودية وايران ، ومازال المسلسل مستمر، والنار مشتعلة

– وفى اليمن ايضا يريد شعبها ان يحصل على الميدالية البرونزية بعد تونس ومصر ضد رئيس يستتند الى نظام عائلى ونظام عشائرى قوى، فتطول الحرب وفى النهاية ينتصر ، ولكن …..

– وفى العراق : صدام حسين حكم العراق بالحديد والنار وسيطر حزب البعث على كل مقدرات البلاد ، وفى الحرب المجنونه مع ايران كان الشيعى العراقى يحارب الشيعى الايرانى ولم يستطيع الشيعى العراقى ان يمارس طقوسة فى عهد صدام

اطيع بصدام وتصاعد البخار المكبوت ، السنه تخلصوا من الكابوس ولكنهم يردون حكم العر اق ونسبتهم السكانية حوالى 25 % والشيعه نسبتهم السكانية حوالى 50 % ويريدون ان تكون لهم الاولوية ، واتلاكراد يردون ان ترى دولتهم النور، وجاء بول براينر ووضع دستورتوافقى رئيس الدولة كردى ن ورئيس الوزراء شسيعى ، ورئيس مجلس النواب سنى

الصراع السنى الشيعى بدا بعمليات تفجير من السنه ضد الشيعه ، لجا الشيعه الى ايران وتزايد نفوذها فى العراق

السعودية انشات داعش ومولتها بموافقة ومباركة امريكية بالطبع ، داعش تخطت الخطوط الحمراء بمهاجمة الاكراد ، تركيا وقطر دخلوا على الخط

ومازالت التداعيات مستمرة . 

اخرجت الشعوب فى هذه الدول كل الدخان المحبوس فى الصدور لعشرات السنين – ومازال هناك شعب آخر فى مملكة آل سعود يحكم بالحديد والنار تحت نظام اشد قمعا واستبدادا ، تتحكم فيه عائلة تتولى كل المناصب السيادية فى الدولة ويستند فى شرعيته على حمايته ورعايته للدين الاسلامى ، هذا الشعب لو ثار على سلطة الامراء ورجال الدين سنجد المذابح فى الشوارع على غرار الثورة الفرنسية – رأينا رد الفعل متمثلا فى الانفلات الامنى ، والتمرد على سلطة الدولة ، وعصابات السرقة والسلب والنهب ، فالجموع التى ذهبت فى مصر لحرق اقسام الشرطة وحرق سياراتها والاستيلاءعلى اسلحتها والى مقار امن الدولة واقتحام السجون وسرقة كل محتوياتها …. الخ، لم تكن كما اشيع لجماعات الاخوان المسلين وحدهم ، لاشك ان التخطيط والتنظيم كان من الجماعه وبقيادة كوادرها لان التوقيت كان واحد ، ولكن الجماهير التى ذهبت ورائها ومعها كانت جماهير مصرية عادية مدفوعه بقانون رد الفعل

ونلاحظ ان ماحدث فى تونس ومصر مختلف فى الدرحة كثيرا عما حدث ويحدث فى العراق وسوريا لان النظام القمعى فى تونس ومصركان اقل من مثيلة فى العراق وسوريا ولذلك كان رد الفعل فيهما اكثر تدميرا واكثر فوضوية مما سمح للجماعات الارهابية ان تجد هناك موطأ قدم

– خروج المارد الدينى من القمقم

كما كتبنا من قبل اكثر من مره فان الفكر الوهابى الظلامى مدعوما بالبترودولار استطاع ان يغزو عقول الكثير من المهمشين والتى لم تستطيع الدولة استيعابهم فلجاوا الى المسجد ليلجأ الى السماء فيتلقفه اصحاب اللحى والوجوه الكالحة ليصنعوا منه قنابل موقوته تحت دعاوى الجهاد والاستشهاد وجائزته الفورية من حوريات وخمر ونعيم السماء

ويختلط هذا مع الخلافة الاسلامية التى تنادى بها جماعه الاخوان المسلمين حتى تعود العصور الذهبية ويعم الرخاء وتباع الجارية بوزنها ذهبا فى عهد عثمان ، وترعى الشاه مع الذئب ، وينادى المنادى فى عاصمة الامويين : هل من محتاج ؟ فى يجيبة احد …. !!!!!

– ونرى العلمانى الذى يريد دولة ديمقراطية حديثة يتم فيها فصل الدين عن الدولة

– والليبرالى الذى يريد ايضا دولة ديقراطية حديث تسود فيها منظومة حقوق الانسان ، ويقف طموحه عند فصل الدين عن السياسة

– والماركسى الذى يردها ( من كلّ حسب طاقته ، ولكل حسب حاجته ) —

– وقومى عربى يريدها ( امة عربية واحده ذات رسالة خالدة ، وامه مايغليها غلاب …!!! ) 

اختلط الحابل بالنابل ، علمانى مع ليبرالى مع ماركسى مع قومى عربى مع دينى وسطى مع دينى متطرف كله فى حالة رد فعل على انظمة قمعية طالما قهرته واستعبدته

وانطلقت الفوضى ، ومازالت التداعيات مستمرة حتى الان

فماذا بعد الفوضى .. ومتى ياتى النظام ؟

هذا هو موضوع المقال القادم

فالى لقاء

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in هشام حتاتة and tagged , , . Bookmark the permalink.