الأحزاب والثقافة والمثقفين

مؤمن سلاّم مؤمن سلام

بالرغم من أن نشأة وقيادة وعضوية الأحزاب المصرية في بدايات القرن العشرين قد ارتبطت بالمثقفين المصريين من احمد لطفي السيد لمحمد حسين هيكل لطه حسين للعقاد، بل نجد مقال لطه حسين ينتقد فيه المثقفين الذين يرفضون ممارسة السياسة وخوض الانتخابات.

نصف قرن اختلطت فيه الثقافة بالسياسة، نصف قرن كان الزعماء السياسيين أصدقاء وحلفاء للمثقفين يمارسون السياسة معا، لم يكن هناك تنافر أو تخاصم بين المجموعتين، إلا أن تكون اختلافات في وجهات النظر تتعلق بالممارسة السياسية.

أما الآن فنحن أمام مشهد مختلف تماما. فنحن أمام حالة عداء ورفض واحتقار متبادل بين الطرفين. فقد أصبح المثقف يحتقر السياسة والسياسيين والأحزاب لما يراه من ضحالة في الفكر وجهل حتى بأبسط أمور السياسة بل وحتى جهل بالفكر الذي يرفع الحزب شعاره ويدعي انتماءه لأيديولوجياته، بخلاف الفساد والانبطاح أمام الاستبداد والمستبدين وممارسات أخرى فاسدة لا تنتمي للسياسة بكل برجماتيتها ونفعيتها. وعلى الجانب الأخر تنظر الأحزاب وقادتها إلى الثقافة والمثقفين، باعتبار الثقافة رفاهية والمثقفين شخصيات حالمة تعيش في أبراج عاجية تمارس التنظير غير الواقعي. وهكذا تحولت العلاقة بين الأحزاب المصرية والثقافة من علاقة ارتباط وثيق إلى علاقة عداء مستحكم، فيرفض المثقفين الانضمام إلى الأحزاب أو حتى التعاون معها، وترفض الأحزاب أن تتثقف.

إشكالية العلاقة بين الأحزاب والثقافة إشكالية خطيرة من وجهة نظري وربما كانت أحد أسباب الانهيار السياسي الحالي وتعثر محاولات التحول الديمقراطي. فالأحزاب ضرورية لإقامة الديمقراطية الحقيقية التي يطالب بها المثقفون وينظرون لها ويكتبون فيها المقالات والأبحاث والكتب. وعلى الجانب الأخر، الثقافة هي المحرك الأساسي للإنسان أو كما أعبر عنها دائما بأنها نظام تشغيل الإنسان Operating System فثقافة الإنسان هي التي تحدد اختياراته ومواقفه ووجهات نظرة وأيضا قرار تصويته في الانتخابات، فانتشار الثقافة الليبرالية العلمانية سيزيد من تصويت المواطنين للأحزاب الليبرالية وانتشار الثقافة الاشتراكية سيزيد التصويت للأحزاب الاشتراكية، لذلك كان طبيعيا مع انتشار الثقافة الأصولية وأفكار الإسلام السياسي في المجتمع المصري منذ سبعينات القرن العشرين أن يتجه تصويت المواطنين المصريين لأحزاب الإسلام السياسي في 2011.

هذه إشكالية لابد من حلها إذا أردنا أن نؤسس لدولة ديمقراطية حديثة، فبدون الثقافة والمثقفين لن تستطيع الأحزاب تكوين كوادر قادرة على ممارسة العمل السياسي الحقيقي وخوض الانتخابات والفوز وبالتالي الوصول للسلطة لتطبيق أفكارها وبرامجها. وبدون الأحزاب والسياسة لن يستطيع المثقفون تطبيق رؤاهم وإقامة دولة ديمقراطية تطلق لهم حرية الفكر والإبداع وتكون مساعد لهم على الدخول إلى عصر الحداثة بدلا من أن تكون دولة معوقة لمشروع الحداثة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , . Bookmark the permalink.