تطور اللغة المصرية من خلال الأزجال وخيال الظل والمسرح

عبد العزيز جمال الدين  عبد العزيز جمال

بمرور قرون العصور الوسطى حتى تاريخنا الحديث استطاعت اللغة المصرية أن تنتج لها شعرا عاميا يُسمَّى الأزجال. وبمرور القرون أيضا أخذت العامية تسهم فى كتب النوادر، وهى أقاصيص قصيرة تروِّح عن النفس بالسخرية من قاض مشوَّش الفكر يخطئ في أحكامه، أو حاكم ظالم يجور فى أحكامه جورًا شديدا. ومن أطرف ما ساهمت فيه العامية من تلك الكتب كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش أحد قواد صلاح الدين الأيوبى، وكان أنابه عنه فترة بمصر وفوَّض أمورها فى الحكم إليه لغيبته عنها فى حروبه بالشام ضد الصليبيين، وهو الذى بنى السور الذى كان محيطا بالقاهرة، كما بنى القلعة التى لا تزال قائمة إلى اليوم. ويبدو أنه قسا قسوة شديدة فى تسخير المصريين فى بنائهما، فانتقم منه أحد كتاب الدواوين المصرية المسمَّى ابن مماتى فألف كتابًا عاميًّا وضع عليه فيه طائفة من النوادر فى أحكامه مصورًا فيها ما ادَّعاه عليه من غفلته وحُمْقه، وهو مطبوع ومنشور.

ونلتقي فى مطلع عصر المماليك بمصر بكاتب مبدع من كتاب العامية هو ابن دانيال، وكان شاعرًا، وكان كحالا، (طبيب عيـون)، وسأله سائل عن حرفته التى يكتسب منها معاشه:

ما حالُ مَنْ درهمُ إنفاقهِ

يأخذه من أعين الناس

والتورية في الشطر الثاني واضحة، وهى صيغة تدور على ألسنة العامة بمصر إذ يقولون عن الشخص الذي يأخذ حقه من شخص آخر إنه أخذه من عينه أى رغم أنفه، وهو لا يريد ذلك إنما يريد الإشارة إلى صنعته. وقد ألف بالعامية ثلاث مسرحيات نثرية شعرية كانت تمثل في عهد الظاهر بيبرس (658 – 676 هـ ) على مسرح خيال الظل، وهو مسرح دمى متحركة متحاورة، واسم أولاها ” طيف الخيال ” واسم الثانية عجيب وغريب، وهى تصور سوقا مصرية ومن فيها من أخلاط الشعوب وقد جمدت ألسنتهم عند لهجات شعوبهم الوطنية بكلام يثير الضحك في النظارة. واسم التمثيلية الثالثة ” متيم” وهى تعرض طائفة من حِيَل العُشَّاق في صور مضحكة. والتمثيليات الثلاث عند ابن دانيال مؤلفة بنثر عامى مسجوع محاكاة للنثر في رسائل الفصحى الديوانية منذ عصر ابن العميد، إذ أخذ يعمُّ فيه السجع.

وحقَّق ابن دانيال للعامية محاكاتها في تمثيلياته لأدب الفصحى المصرية الذى شاع فيه السجع شيوعًا كبيرًا. ونقف قليلا عند تمثيلية ابن دانيال المسماة “طيف الخيال” وهى تدور حول مشكلة الخاطبة فى العصور السابقة وما كان ينشأ عن وصفها للعروسين من أغلاط فى تبين حقائقهما، إذ تُقَدِّم العريس على أنه من أمراء الموصل ومعه كاتبه وحاسبه المزيفان، وحقيقته أنه أحدب فقير لا يملك شَرْوَى نقير، وتقدم العروس على أنها فتاة جميلة، وحقيقتها أنها عجوز قبيحة، ويُزَفَّان، وتكشف عن وجهها في الزفاف، ويصيبه الذهول، وينادى على الخاطبة وتأتيه، ويشكو منها، كما يشكو شكوى مـرة من زوجته التى يُـزَفُّ إليها0 والتمثيلية مليئة بالمواقف المتناقضة المضحكة، مع تصويرها لجوانب من الحياة المصرية الاجتماعية والسياسية في عهد الظاهر بيبرس. وتأخذ مصر في تأليف سير شعبية للبطولة بلغتها العامية تحميسا للشعب المصرى فى نضاله ضد الأستبداد الأجنبى والمحلى، وربما كان أول هذه السير البطولية سيرة عنترة بطل قبيلة عبس في الجاهلية، ويقال إن أول كتابتها كان في عهد الخليفة الفاطمى العزيز (365 – 386هـ ) على يد أديب يسمى يوسف ابن إسماعيل فألف سيرة عنترة. وهذا الخبر– إن صح – إنما يشير إلى أول من وضع هذه السيرة، إذ أخذت الأجيال تزيد فيها حتى القرن الثانى عشر وحروب الصليبيين وحتى بلغت اثنين وثلاثين جزءًا، وهى منشورة فى أربعة مجلدات، وألفت تأليفا قصصيًّا جذابًا بحيث يقتطع الكلام في كل جزء عند حادث مهم، ويشغف القارئ والسامع بمعرفة الجزء الذى يليه. وساحات بطولات عنترة لا تقف عند العصر الجاهلى بل تمتد في الزمان حتى نهاية القرن الحادى عشر، كما تمتد في المكان، فتشمل الحبشة والسودان وإيران والشام وشمال إفريقيا ومصر وجنوب أوربا: وهى ملحمة بديعة مثَّل فيها عنترة البطولة والمقاومة على مر التاريخ حتى نهاية القرن الحادى عشر. وقد ظهرت بشكل مكثف فى مسرح خيال الضل وصندوق الدنيا.

وأخذ الأدب فى الفصحى المصرية يتطور فى القرن التاسع عشر من لغة رفاعة الطهطاوى التى تعتمد على السجع ومحسنات البديع إلى لغة متحررة منهما تعتمد على التعبير المرسل الحر الطليق. ولا نتقدم بعد منتصف القرن الماضى طويلا حتى تتكاثر عندنا الصحف، وتتطورمعها الفصحى والعامية فى لغة بسيطة سهلة يخاطبون بها طبقات الأمة، ولا تميز بين طبقة وطبقة، بل ربما كان اهتمامها بالطبقات الدنيا يزيد على اهتمامها بالطبقات العليا فى الشعب، إذ تريد أن تنتشر بين جماهيره0 وقد هجرت موضوعات أدبنا القديمة من تهنئة وتعزية وذم ومديح إلى غير ذلك، فإنها لا تكتب للأفراد، وإنما تكتب للأمة، وتعرض ما يهمها من شؤونها السياسية، وتنادى بالإصلاح فى الأداة الحكومية، وتتناول كل ما تريد الأمة من موضوعات سياسية ودينية واجتماعية، وهذا ما تم عرضه فى العديد من كتابات خيال الضل. 

ومنذ أنشأ الخديوى إسماعيل في القرن الماضى دار الأوبرا أخذت مصر تعرف فكرة المسرح والمسارح بشكل أكثر تطورا عن مسرح ابن دنيال والأراجوز، وخاصة أن يعقوب صنوع أنشأ في القاهرة مسرحًا كانت تمثل عليه بالعامية مسرحيات فرنسية مترجمة ممصرة0 وأقبلت على مصر فرق تمثيلية سورية ولبنانية كانت تمثل في إسكندريه والقاهرة مسرحيات فرنسية أيضا باللغة العامية مترجمة وممصرة، وتكونت مع هذه الفرق فرق مصرية تواصل عروضها ورسالتها فى تطوير اللغة المصرية، مثل فرق الكسار ونجيب الريحانى.

This entry was posted in عبد العزيز جمال الدين and tagged , , . Bookmark the permalink.