إدفارد مونك وتعبيريته الصاخبة

عادل شلش مونك

يعد مونك Edvard Munch أحد أشهر فناني المدرسة التعبيرية في الرسم و هي مدرسة تهتم بإخراج اكبر قدر من المشاعر في اللوحة ولا تعطي قدرا كبيرا لجماليتها و هي تعتمد الرمزية في إخراج تلك المشاعر و قد خالف مونك الرسامين النرويجيين في تلك الفترة حيث تخلى عن وصف الطبيعة و المراة و الجمال كما هم, بل اعتمد على حالات مزاجية عاصفة و مسيطرة تصبغ الجمال و الطبيعة بنفسية الفنان و يعتبر مونك في ذلك مصدر إلهام كبير لفناني مدرسة التعبيريين الألمان في القرن العشرين و أبرزهم كاندنسكي و فرانز مارك الذين أسسوا في ميونيخ جماعة الفارس الأزرق و التي كانت أول جماعة للفن التعبيري. مونك هو -من فترة- موضوع شغفي الخاص و ميدان بحثي و تأملي و لمشاركة متعة البحث و شغفه مع الغير مذاق خاص لذا حبيت نتعرف مع بعض على الرسام الغامض المكتئب ذائع الصيت.

مونك بإيجاز (1863-1944) فنان نرويجي الأصل عاش معظم حياته في أوسلو و و كان الابن الثاني وسط خمسة أطفال و لعائلة مسيحية أقرب للتشدد و أثر ذلك التشدد الديني خاصة من جانب والده _الذي كان طبيبا في الجيش_ في حياة الطفل إدفارد حيث كان يتخيل ملائكة من الجحيم تلعنه و تحذره من العذاب الأبدي.

و هو ربما ما دفع مونك الشاب إلى التاثر بالفيلسوف العدمي هانس جيفر و قضاءه لما يقارب العشر سنوات في حياته في دهاليز الفناء و العدم و في أحضانهما فعاش على الكحول و الأفيون و جرب الحب و محاولة الأنتحار بسببه و عانى من نوبات المرض النفسي و أصيب بالزهري و عاش فقيرا جائعا لا يعرف طريق النجاح مع النساء في مرسم ضيق لمعيشته و عمله وسط ستة فنانين بوهيميين أيضاً معظم تلك السنوات.

و قد شكلوا جماع تدعىKristianiabohêmen و ضمت مثقفين من طلاب الجامعة و الرسامين و الكتاب و الموسيقيين الرافضين لقيم المجتمع و الداعين للخروج على تقاليد الدين و المجتمع و المؤمنين بالوجودية و التفرد الشخصي و إعادة تقييم الفن و الأدب و الأخلاق في فترة كان فيها المجددين تحت نير حرب الكنيسة و المحافظين و لم يك بعيدا عن الساحة بعد مسرحيتي الكاتب العظيم هنرك إبسن “بيت الدمية” و “الأشباح” الداعيتين لتحرير المرأة و البحث عن السعادة حتى ولو بالتخلص من قيود المجتمع و أعرافه .. حياة مونك كانت سلسلة من المصائب المتوالية التي لا تقارن إلا _ربما_ بحياة الأديب الأنجليزي البائس روبرت لويس ستيفنسون, فقد توفيت أمه و اخته بالسل عندما كان طفلا و لاحقاً في شبابه مات الوالد و جنت اخته الكبرى و في كل الأحوال كانت الحياة في بلد ذو طقس كئيب و شمس دائمة الغياب كطقس اسكندنافة عامل مهم لكآباته و لوحاته البعيدة عن التفاؤل كما رأى كل من تصفح لوحاته الغامضة.

تناولت لوحات مونك كلها تقريباً موضوعات الحياة الموت .. الحب و اليأس .. الشباب و الذبول, و شخصيا ينطبع في مخيلتي من كل لوحاته الحزن العميق على ضياع الجمال و السعادة و الشباب و قد قال مونك يوما ما “إن البلاء الواقع على البشر أصبح سمت فني و رسوماتي”.

و مما يميز لوحات مونك و ربما بابلو بيكاسو و فان جوخ و بول سيزان أنها _و على عكس أعمال مدارس اخرى مغرقة في الرمزية مثل أعمال سلفادور دالي مثلاً_ تستطيع أن تستنتج منها صور واضحة مختلفة عن مقصد الفنان و ربما كل كل انطباع جديد يكون أقوى و اعمق تاثيرا في النفس مما سبقه, و قد أخذ مونك عن الفرنسي هنري لوتريك اسلوب التلوين خاصته.

تعد الأشهر بين مجموعات مونك هي مجموعتي “دوامة الحياة” و “إفريز الحياة” و يعدوا هم الأشهر و الأكثر نضجاً بين كل أعماله و قد ضمت الأخيرة أشهر عمل له على الإطلاق و هو لوحة “الصرخة” 1893 .. و لعل معظمنا رأوا ذلك العمل المشحون عاطفيا بالحزن و الهلع و اليأس بشكل عاصف يرتسمون في وجه شاب مذعور يقف على جسر أنيق يحده و يحدده سياج خشبي أو حديدي بينما ارتفعت يديه إلى جانب رأسه _ربما ليسد أذنه أو ليدفن رأسه بينهما_, بينما اصطبغت السماء بشفق دماء قانية تلتهم زرقة السماء القليلة وهاج البحر كأنها نهاية العالم و قد انتشر السواد وسط البحر كأنها هوة سحيقة تريد أن تخطفه وحده للاعماق, و هو ربما ما نلمسه في وجود رجلين يمشيان عكس اتجاه التصوير بهدوء و رزانة, أو ربما يعبر هذا عن الهوة السحيقة التي تعصف بنفسية الكاتب دون غيره بينما يسير الكل في مساره غير عابيء بعذابه الشديد, و قد استخدم مونك الخطوط المتموجة و الدائرية و الألوان الصارخة لتعطي شعورا بالانزعاج و السواداوية.

ما ليس معروفا جدا هو ان تلك المنطقة تقع في خليج أوسلفورد جنوب النرويج وهو مكان هاديء جميل, و هو أيضاً ما يفسر طريقة مونك في التعبير عن الداخل لا الخارج و قد حكى مونك قصة عن تلك اللوحة ذاكرا فيها أنه كان يسير مع صديقين له بينما الشمس تميل للغروب و فجأة انتشر الشفق بالسماء و وقف يرتجف من الخوف و التعب بينما ترددت صرخة معذبة غريبة في الآفاق. و ككل أعماله أخرج الفنان عدة نسخ من تلك اللوحة و منها واحداً بطريقة الطباعة على الصخر.

و قد اختلف النقاد في تفسيرهم لاحمرار اللوحة و ابتعد البعض قائلين بانه هالة بركانية ما, و قال البعض أن اللوحة تمثل تحدي لنظرية شوبنهاور في تحدي فن الرسم حين قال أن اللوحة لا تصور الصرخة, و اتفق المعظم أن اللوحة تصف رحلة حياة الرسام المليئة بالخوف و اليأس و الهلع من الموت, و في كتاب ما وراء الصرخة لنيكولاس ديفيس يقول أن المكان المعني بحادثة اللوحة كان قريبا من المشفى النفسي الخاص بأخت الرسام و مكان آخر قريب لذبح الحيوانات, و أن صراخ الحيوانات و المرضى في تلك المنطقة كان منتشرا ,بينما قال مونك نفسه عنها “أنها كوجه طفل لم ينم الليالي و قد أنهك الفزع أعصابه

باقي لوحات تلك المجموعة كانت “مصاص الدماء” و “الطفل المريض” و “الرماد

و اختتم بمقطوعة شعرية لمونك و نستكمل أعماله في مقال آخر:

من جسدي المُتعفِّن،

يجب أن تنمو الأزهار

وأنا بداخلهم

وهذا هو الخلود

مونك

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عادل شلش and tagged , . Bookmark the permalink.