مقتطفات من كتاب الوجودية مذهب إنساني لجان بول سارتر

داليا عبد الحميد داليا عبد الحميد

الوجودية مذهب يجعل الحياة الإنسانية ممكنة. مذهب يؤكد أن كل حقيقة، وكل عمل يستلزمان بيئة معينة، وذاتا إنسانية. ومهما كان إعتقادنا فالوجود سابق علي ماهيته.

 بداية نفرق بين فلسفتان للوجودية يعتنقها صنفان من الوجويين. فهناك الوجوديين المسيحيون علي رأسهم (جابرييل مارسيل ويسبرز )وهناك الملحدون وعلي رأسهم (هيدغر والوجودين الفرنسيون وأنا جان بول سارتر). 

نحن عندما نفكر في الله كخالق نفكر فيه طول الوقت علي أنه صانع عظيم.

فالأول من مبادئ الوجودية وهو ما يسميه الناس ذاتيتها. وإذ تكون أولي أثار الوجودية المترتبة علي ذلك هي وضعها كل فرد وصيا علي نفسه، مسئولا عما هي عليه مسئولية كاملة. إن الذاتية تعني الفرد الواحد من جهة، وأن الإنسان لا يستطيع تجاوز ذاتيته الإنسانية من جهة أخري.

والمعني الثاني هو المعني الأعمق في الوجودية، كلمات غاية في البساطة القلق السقوط اليأس:

القلق وهذا النوع من القلق الذي تصفه الوجودية هو القلق الذي يتبين خلال ممارسة المسئولية ممارسه مباشرة تجاة الآخرين الذين يلزمهم القلق. إنه ليس بحاجة ليفصلنا عن العمل، ولكنه جزء من العمل وشرط لقيامه، وهو ليس القلق الذي يؤدي إلي الإتكال والأفعال لكنه القلق الصافي والبسيط.

وعندما نتكلم عن السقوط وهو تعبير عزيز علي (هيدغر) فإنما نعني أن الله ليس بموجود، وأن علينا أن نستخلص لأنفسنا النتائج المترتبة علي عدم وجوده، ونستمر في إستخلاصها حتي تمام النهاية.

 فلاسفة القرن العشرين قوضوا الإيمان بالله، أما نحن قد قوضناه لكننا قلنا بإستمرار وجود تلك القيم بالرغم من إعتقادنا بعدم وجود الله، وبمعنى أخر كما يقول الديكارتيون إن القيم تظل كما هي دون تغيير بالرغم من أننا قد ألغينا الله وألغينا فكرة وجوده. إن الوجودية تقول عكس ذلك، إن عدم وجود الله معناه عدم وجود وجدان كامل لا متناه يعقل ذلك الخير، وقد كتب (ديستوفسكي) مرة أن الله إذا لم يكن موجود فكل شئ مباح، وما كتبه (ديستوفسكي) هو النقطة التي تنطلق منها الوجودية. وبمعنى آخر يصر كل تفسير بالحتمية تفسير مستحيلا، ويصبح الإنسان حرا بل يصبح هو الحرية، وهذا ما أعبر عنه بقول أن الإنسان محكوم عليه بالحرية. محكوم لأنه لم يخلق ذاته وهو حر لأنه قد صار مسئولا عن كل ما يفعل بمجرد أن تواجد في العالم. إن الوجودي لا يؤمن بقوة العواطف،وعلي العكس يؤمن الوجودي أن الإنسان مسئول عن كل ما يصدر عنه من العاطفة، وكما قال (بونج) في مقال رائع له (إن الإنسان هو مستقبل الإنسان). 

الكاثوليكيين يقولون بأن هناك غيبيات تشير علي الإنسان بما يجب أن يفعل. لكننا لو سلمنا جدلا بما يقولون، وقلنا معهم أن صحيح هناك إشارات غيبية تقدر لنا ما نفعله. يستبقي أن نقول لكننا نحن الذين نفسر هذه الإشارات ونؤهلها كما نشاء، فالذي يعطي لها معناها هو كل واحد منا حسب ما يهوي. 

وهذا هو معني السقوط أنني أحدد وجودي، أو أتخذ موقفا حيال نفسي، أو هو هروب الإنسان من ذاته بوصفها قادرة علي أن تكون نفسها.

والسقوط قرار من القلق لأن القلق يتهدد وجودنا بأسره، ويعزلنا أمام أنفسنا بحيث نشعر بهذه العزلة شعور أحاديا، يختفي معه كل ما يمكن أن يعتمد عليه الإنسان في وجوده، ويحتم عليه الوحدة ويحس بالغربة أحساسا عميقا، وينتابه شعور بعدم الإستقرار فيجد نفسه مرغما علي إختيار ذاته، وأن الوقت قد حان لتحمل المسئولية الملقاة علي عاتقه.

إن السقوط يتضمن إختيارنا لذاتنا بذاتنا، والسقوط يصاحبه القلق.

أما اليأس فمعناه بسيط بساطة غريبة. معني اليأس أننا نفقد إمكانياتنا علي مجموعة منها، هي المجموعة التي في نطاق إرادتنا، أو التي في نطاق الإحتمالات، التي تجعل عملنا ممكنا ونتكل عليها. 

قال (ديكارت) إنتصر علي نفسك أولا قبل إنتصارك علي العالم. كان يعني أننا يجب أن نعمل بلا إمل.

أما الماركسيون الذين تحدثت إليهم في هذا فقد أجابوا: بأن عملك يحدده موتك كما تري لذلك يجب أن تتكل علي عون الأخرين، أي علي ما سيفعلونه معاونين لك في كل مكان. وأجيب أني لا أستطيع الإتكال علي إناس لا أعرفهم، ولا أستطيع أن تكون كل ذخيرتي في الإتكال عليهم طيبة قلبي وإعتمادي علي طيبة قلوبهم. لكن هل يعني هذا أن أستسلم للتأمل السكوني، وأقتنع به. كلا بل يجب أن ألتزم حيال ذاتي، ثم أصنع ما ألتزمت به، طبقا لما يقضي به القول المأثور: (لا حاجة للأمل حتي أستمر في العمل)، ولو سألت نفسي مثلا هل من الممكن تحويل النشاط الإنساني في كافة مجالاته ومؤسساته إلي نشاط مجموع؟ هل من الممكن أن يحدث تحويل هكذا؟ فإني لا أستطيع الإجابة. فكل ما أعلمه أني سأبذل ما في وسعي لتحقيق هذا الهدف، وأني لا يمكن أن أصنع شيئا خارج نطاق عملي، وضد إرادتي إن فلسفة التأمل السكوني، هي فلسفة بأن عالم أستطيع عمله أنا، يستطيع غيري أن يفعله، ومن ثم فلا حاجة أن أعمل ما يمكن أن يؤديه غيري عني. أما فلسفة الوجودية التي أقدمها لكم فهي تقول العكس. تقول أن الإنسان ليس إلا مشروع الوجود الذي يتصوره هو، وجوده هو مجموع ما حققه، وهو نفسه ليس إلا مجموع أفعاله، ومجموع أفعاله هي حياته، فهو مجموع أفعاله وهو حياته.

عندنا نحن الوجوديين فلا وجود للحب، إلا الحب الذي يبني ذاته، وليس هناك إمكانية حب إلا تلك ذاتها في حب معين. والعبقرية هي  تعبير العبقرية في ذاتها في المنتجات الحية التي ستطالع بها العالم، بعبقرية (مارسيل بروست) مثلا هي مجموعة مؤلفاته، وعبقرية (راسين) هي مجموع مسرحياته، لا شئ من عبقريتهما ليس إلا ما كتابه، وهذه الفكرة السابقة قد تبدو قاسية بالنسبة لرجل عاني الفشل في حياته، لكنها فكرة لابد منها لأنها توقظ الناس علي واقع، وتهيئتهم لفهمه، فيفهموا أن الأحلام والأمال تحدد الإنسان تحديدا سلبيا مادامت لم تتحقق بعد أو فشل تحققها، والأحلام في دعة وفي هذه الحالة نصبح ليس بوصفنا متشائمين ولكن لأننا متفائلين تفاؤلا حادا ورزينا.  سارتر  سيمون

فالكاتب الوجودي عندما يرسم شخصية لأحد الجبناء فإنه يرسمه بإعتباره مسئولا عن جبنه أنه لا يرجع جبنه إلي سبب وراثي، أو عضوي،  بل يؤكد أنه ناتج عن سلسلة من الأفعال قام بها وإنتهي به إلي هذا المصير.

وما يوجه من نقد لروايتي (دروب الحرية) هو شئ من ذلك أنهم يتساءلون: كيف يمكن أن أخلق أبطالا من جبناء كهؤلاء علي ما هم عليه من دونية، لكن إنتقادهم مضحك حقيقة، لأنه يعني أن الناس خلقوا أبطالا بالميلاد، فمهما حاولت أن تكون بطلا لن تكون، فهم يحبون لمجتمعاتهم الإستقرار، فالبطل يولد بطل، والجبان يولد جبان، وليس الجميع. 

أما الكاتب الوجودي فهو يقول أن الجبان يجعل نفسه جبانا، والبطل يتصرف تصرف الأبطال، لكن الجبان يستطيع أن ينبذ جنبه، والبطل قد يتخلي عن بطولته، إنما المهم تصرفك العام، إلتزامك العام، فلا يمكن أن نحكم عليك بالجبن، أو البطولة من عمل واحد، أو حالة واحدة.

نستخلص من الإجابات أن الوجودية ليست تأمل وسكون. لأنها تحدد الإنسان طبقا لما يفعل، وهي ليست متشائمة لأنها تدع مصير الإنسان بين يديه، وهي تدفع الإنسان للعمل ولا تثنيه عنه، فالعمل هو سبب إستمرار الإنسان في الحياة، وإذا تكون الوجودية أخلاق عمل وإلتزام. 

وإذا كنا نبدأ فلسفتنا بالقول بالذاتية، فإنما نحن نقول بالذاتية أو الفردية لأسباب فلسفية، وليس لأننا برجوازيون، وإنما لأننا نريد أن نؤسس تعاليمنا علي الحقيقة، وليس علي مجموعة من النظريات الجميلة المليئة بالأمل لكنها تخلو من الأسس الحقيقية.

 فنقطة البداية في الفلسفة الوجودية هي الذاتية، وفي هذه النقطة لا توجد حقيقة سوي حقيقة الكوجيتو (أنا أفكر فأنا موجود)، وهي الحقيقة المطلقة للشعور وهو يعي ذاته، وكل نظرية تخفي الحقيقة. لأن كل الموضوعات خارج كوجيتو (ديكارت) ليست أكثر من محتملة، وكل نظرية تبني علي الإحتمالات لا صلة لها بالحقيقة هي نظرية مآلها التهاوي. لأن تعريف المحتمل يتطلب الإحاطة بالحقيقة ولا وجود للحقيقة إلا بوجود الحقيقة المطلقة، وهي موجودة فعلا وبسيطة ويمكن الوصول إليها وأن يبلغها كل الناس، وهذه الحقيقة هي إمكان إدراك الإنسان لذاته إدراكا مباشرا.

ومن جهة أخري فإن هذه النظرية نظرية الوجودية هي النظرية التي تضع الكرامة علي الإنسان ولا تعامله كشئ من الأشياء. 

أما نحن الوجوديين فنزيد أن تقوم دنيا الإنسان علي مجموعة من القيم المتميزة للعالم المادي. 

وأنا إن شئت أن أعرف شيئا عن نفسي فلن أستطيع ذلك، إلا عن طريق الآخر، ليس فقط شرط لوجودي، بل هو كذلك شرط للمعرفة التي أكونها عن ذاتي، وهكذا نجد أنفسنا فجأة في عالمية، لنقل أنه مجموعة من الذوات المتبادلة الوعي ببعضها البعض، وفي هذا العالم لم يجد الإنسان نفسه، ولابد أن يقرر ماهيته وماهية الآخرين.

أما الشكل الثاني من إعتراض خصوم الوجودية علي نزعتنا الذاتية، فهو قولهم لنا أنكم لا تستطيعون الحكم علي الآخرين، وهو قول فيه الصحة والخطأ معا، وهو صحيح لأن الإنسان يختار مشروعه وإلتزامه، وصحيح لأننا لا نؤمن بالتقدم لأنه مجرد تحسن، فالإنسان لا يتبدل بتغيير الظروف. كما أن الإختيار هو ذاته تحت أي ظروف، ولكن الحكم علي الأخرين يكون بجهة أخري، لأن الإنسان يختار نفسه وفي ذهنه الآخرون، ونحكم عليه حكم منطقي، لا حكم علي قيمة، ونستطيع أن نقول بالمنطق أنه يخدع نفسه في الإختيار الحر، ولن يجد راحة عذرا أو مساعدة، فإنه لو إحتمي خلف عذر عواطفه، أو خلف أي نظرية جبرية، يكون إنسانا مخادعا لنفسه، وخداع النفس نوع من الكذب، يطمس حرية الإلتزام التامة، وإذا ما إعترف الإنسان مرة بأنه مبدع القيم وخالقها، فإنه لن يطلب إلا شيئا واحدا فقط، وهو الحرية وينادي بها، وإنما نمارس الحرية من أجل الحرية، وسوف نطلبها من خلال ظروف معينة، وبسعينا خلف الحرية نكتشف أنها تتوقف كلية علي حرية الأخرين، وأن حرية الآخرين تتوقف عند حريتنا، والذين يطمسون حريتهم الكاملة بحجة أنهم لا يريدون الحرية، وإنما يريدون أن يعيشوا الحياة متزنين جادين، أو بحجة أنهم كانوا مضطرين تحت ضغط ظروف قدرية حتمية، هؤلاء ندعهم جبناء، أما الذين يحاولون البرهنة علي أن وجودهم ضروري في الوقت الذي لا يعدو فيه وجودهم أن يكون مجرد عرض لوجود الجنس البشري علي الأرض، هؤلاء أطلق عليهم إسم الأندال هكذا نجد أن الأخلاق في شكل من الأشكالها عالية مع أن محتواها متغير، وقد أعلن (كانت) أن الحرية هي إرادة لذاتها، لحرية الآخرين في نفس الوقت، وأنا أوافقه علي رأيه. لكنه يري أن الصورية والعالمية كافيتان معا لتكوين علم الأخلاق. أما نحن فنقول خلاف (كانت) أن المبادئ الشديدة التجريد تخفق في تحديد العمل.

إن قيمنا ليست قيما جدية مادمنا نقوم بإختيارها، وقد إخترنا أن نبدع قيمنا، ومادمنا نحن الذين نبدعها فليس من المعقول أن توجد الحياة مسبقة حتي نحياها، وأنت وحدك الذي تعطي للحياة معني، تستطيع الوجودية أن تخلق مجتمعا إنسانيا متضامنا.

وعن الهيومانية أني أستفيد من الإختراعات لكوني من البشر، ولكونها تضاف لسجل الإنسانية كلها وتشريفها، وعن مفهوم أخر للهيومانية، وهي أن الإنسان خارج نفسه دائما يسعي إلي أهداف متعالية بطبعه يتجاوز ذاته، وهذه ما نسميها الهيومانية الوجودية، لأنه كإنسان لن يحقق هذا الوجود بإتجاهه نحو ذاته، ولكن سيحققه بتجاوزه ذاته، وسعيه خلف غايات خارج ذاته، بهذه الطريقة يحرر ذاته، والمهم هو أن الإنسان محتاج لأن يجد نفسه من جديد.

والأن يتضح لنا مما سبق، أن الوجودية ليست سوي محاولة لإستخلاص كل النتائج للممكن. إستخلاصا من موقف إلحادي منطقي مع نفسه،  والوجودية ليست يأس من وجود الله، ولا إلحادا بمعني إستنفاذها لنفسها في إستعراض أوجه عدم وجود الله، وليس المهم هو مشكلة وجود الله، والمهم أن يجد الإنسان نفسه من جديد .. ولكن يفهم أنه لا شئ يمكن أن ينقذه من نفسه، ولو برهن علي أن الله موجود.

وبهذا تكون الوجودية فلسفة متفائلة، ومذهبا للعمل،

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Biblioteca مكتبة المحروسة, داليا عبد الحميد أحمد and tagged , , . Bookmark the permalink.