نص – في مديح السرير

جمانة حداد – النهار جمانة حداد

في الأصل هو، وفي المصبّ. خاتمة الحلقة وبدايتها. من فرجه تطلع صرختكِ الأولى، والى غيومه تتصاعد الصرخة الأخيرة، زفرةً إثر زفرةٍ، لتوقيع الذكريات. قلعة التنّين الغاضب، الحارس جديلة الأميرة وقبلة الأمير المحيية. لا فرار منه ولا استكانة إلاّ إليه. مأهولٌ بخوفكِ، بالشكوك، بذكرياتكِ، والرغبات. بيت السرّ وجحيم السرّ. قمر الأسئلة البلا جواب. فيه يحدث جمالكِ، وفيه الأوجاع. تمشين على مياهه ولا غرق. تستريحين في ظلّه ولا وقوف. تقفزين على قطنه ولا تتلقفكِ سماء. ناطور عزلتكِ هو، وومضات اللقاء. صباح قلبكِ، ومغيبه. القريب منكِ فيه يظلّ غريباً مهما التصق، أما الطريق اليه فدائرة لا تفضي إلا إليكِ.

إذهبي إذهبي لا تنظري إلى الخلف، فالخلف والأمام فيه سيّان.

* * *

والسرير للنوم السرير.

للنوم معكِ. للنوم معهم. للنوم معهنّ. لا عدد يكفي ولا كثرة تشعركِ بالدفء. ترتجفين من البرد مهما تقاطروا. لأن البرد توأم النوم وفصل الصيف كذبة. ترتجفين لأنكِ، هناك، تلتقين وحدتكِ. الوحدة الوقحة، القاسية، المنيعة على العالم. وحدتكِ التي كعروسٍ بلا عريس في حفلٍ لن. التي كعروس لا أحد سواها يعرف أنها تتزوج.

اذهبي اذهبي لأن الزغاريد وهمٌ!

* * *

والسرير للحبّ السرير.

العاريان نهداكِ، الجمرتان المتوردتان من أجل الضوء، وللإمعان في الصبر. تشفطين النار ثمّ تنفثينها من الفخذين، ليكون للعشيق مكانٌ في الوليمة. ليصير رغيف الخبز المتضرع لكي يؤكل. في فمه تنفثين النار ليكاد يختنق. وعلى منبت القضيب ليرتمي في البركان.

وفيه، في السرير، تدرّبين الرجال. وتدرّبين أصابعكِ حين الرجال في العراء. تتسللين اليكِ كأفعى وتقنصين اللذة.

اذهبي اذهبي لأنكِ جائعة!

* * * رجل وامرأة في السرير

والسرير للحلم السرير.

تركنين إليه كآثمةٍ إلى كرسيّ اعتراف. تطلبين المغفرة من حلمٍ تهملينه، ومن حلمٍ صار للخذلان، وتُقسمين ستعوّضين. تتعهّدين أحلاما بضّة لغيوم السرير. بعضها للطيش، بعضها الآخر للمستحيل. ثمّ إن الأحلام تحقّقٌ في ذاتها. يكفيها أنها تولد لتنتقم مما لا يستطاع تحقيقه.

وفيه، في السرير، تلتقين أنواتكِ الأخرى. الأنوات التي تعيش في بلدان بعيدة، مع أناس ليسوا هم أناسكِ. الأنوات التي تتكلم لغاتٍ لا تفقهينها، لكنكِ تطربين لسماعها تتراقص على لسانكِ. أنواتك التي لا تشبهكِ لكنكِ تشبهينها. تلك التي لا تحبّكِ بالضرورة لكنكِ تحتاجين إليها. التي تتوالدين منها، وبها تتكاثرين حتى تصير لكِ السلالة ويصير لكِ النسل. النسلُ الذي جذورُهُ في خلية الحياة الأولى ولن ينقرض إلا مع انقراض الشمس. والسرير مزدحمٌ بكِ السرير. بالوحوش التي تُخرِج كوابيسكِ كأفلام هوليودية. الأفلام التي أنتِ بطلتُها الأولى والوحيدة. والتي حيث البقية كومبارس يصفّقون لانتحاركِ.

إذهبي إذهبي إلى حيث تسمعينهم يصفّقون!

* * *

والسرير للكسل السرير.

لتبذير الوقت، وهو الفعل الأجمل. لتبذير الحياة التي هي العدم. للاشيء الذي يحمي من امتحان هذا العدم. لإغماضة العينين على الصمت. لإعلان الهزيمة من دون معارك. للبياض الذي يسبق الذعر. للملاك الذي يوعز بالهدر. للانتقام من إرهاب قلبٍ حين لا يكفّ عن الخفق. للحظة نسيانٍ تكفي كي تتنفسي من جديد. هدنتكِ هو، وهو التكرار المطمئن. لا تخافي يا صغيرة. أطفئي هذا الرأس لبرهة النسيان تلك، وتلمّظي. كل شيء بلا جدوى، خصوصا أنتِ. إضحكي على نفسكِ، على طموحاتكِ، على مخططاتكِ التي سيرفسها حصان القدر. كل شيء بلا جدوى، صفرٌ يضاف الى أصفار. الطفل المعذّب سيظل معذّباً. المرضى سيموتون. وليس من إله يفتدي العالم.

إذهبي إذهبي. كلّ شيء بلا جدوى!

* * *

والسرير للكتاب السرير.

آه منه هذا الشيطان متململاً بين اليدين. تفتحينه تارةً، وطوراً ينغلق. كطفلَين يغيظ الواحد منكما الآخر. كطفلَين تلعبان. تطير منه الكلمات فراشةً فراشة، وتحطّ الفراشة على الشعر، على الكتف، على الشفتين. ثمّ الفراشة تصير دودة، والدودة تنخر الدماغ. وتصير الدودة فيلاً، والفيل يجثم على الصدر. ويصير الفيل أفعى، وتلتفّ الأفعى على العنق. وتروح تعصر وتعصر إلى أن تنفجر العروق وتتلطخ وسادتكِ بالمفاجآت.

إذهبي إذهبي لأنكِ تشتهين اللسعة!

* * *

والسرير للسفر السرير.

للتأمل. للمحاسبة. للنقض. للنقد. للاكتشاف. للمراجعة. للعيش في إلحاح اللغز. للتقشير ثمّ التقشير ثمّ التقشير، ولا لبّ.

مَن أنا؟ مَن الـ نحن الذين واللواتي هم أنا؟

والسرير للعار. للفخر. للضعف. للشعور بالألوهة. للدوران في متاهة العقل. لِما تنتظرينه عبثاً. لِما يأتي من دون سابق إنذار. لما يجرح. لما يصفع. لما يقتل. لما يكون قد ضيّع الطريق إليكِ منذ الخطوة الأولى. لما تيأسين من استسلامه لكِ. للمدن التي لم تزوريها، للأحبة الذين لم تلتقيهم، للأطفال الذين لم تنجبيهم. لكل ما يهرب منكِ وتركضين إليه، مثل نافذة تطل على داخل.

والسرير للدوار.

إذهبي إذهبي لأنكِ تريدين الدوار!

* * *

والسرير للخلق السرير.

نطفةٌ تضلّ الطريق فتصير جنيناً. فكرة تستحوذ فتتحوّل مشروع كتاب. وجهٌ لا ينفكّ يعود ليغدو حبيبا ممكناً. جسدٌ ينطبع على الراحتين ليصبح احتمال عشيق. كلمة، كلمة واحدة، فتولد قصيدة. خصبٌ سريركِ كرحم صبيةٍ تكتمل دورة أرضها. يحبل عشرين مرة في الليلة الواحدة ويجهض أربعين. ريح تمنحكِ صداها وعصفورٌ يعلّمك فنّ الوقوع في الهواء. نهرٌ يتدفّق منكِ، ليتدفّق إليكِ، ليوقظكِ، ليجمع الحصى من قعره وضفتيه، ويكون لكِ القصر.

إذهبي إذهبي لأنكِ تريدين النهر والقصر!

* * *

والسرير للعبِ السرير.

مع أفكاركِ. مع جنونكِ. مع مزاجكِ. مع الأقنعة الملوّنة بأوصاف عرق الجبين. مع عريكِ الذي لا يحتمله أحد. مع الأشجار التي تهدهد خيالكِ. مع الخطر الذي يلكز جموحكِ. مع الهدوء والعاصفة التي يضمرها. مع قاع المحيط وقمة الجبل. مع العفاريت والجنيات الذين يسهرون عليكِ. مع الجسور المهدمة والبوّابات المغلقة والعتمات التي تؤمنين بها وتصلّين لها. مع المسدسات الملقّمة في خزانة روحكِ. مع الأمس والغد والحبل المشدود بينهما.

إذهبي إذهبي لأنكِ البهلونة، ولأن السرير للعبِ السرير!

* * *

والسرير للموت.

تظنّين تعيشين بينه وبينه، لكنه، من وراء ظهركِ، يمرّنكِ على الغياب.

ماذا تنتظرين كي تتقنيه؟ اذهبي!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب and tagged , , . Bookmark the permalink.