المحاور الأربعة للحرب على الإرهاب

مؤمن سلاّم مؤمن سلام

منذ معركة مصر في التسعينات مع إرهاب الإسلام السياسي ونحن نردد أن محور الأمن وحدة لا يكفي ولابد من أن يصاحب الشق الأمني جوانب أخرى سياسية واقتصادية وثقافية، ولكن لا حياة لمن تنادي.

وقد ادعى النظام في ذلك الوقت انه قد انتصر على الإرهاب، ولكن هاهو يظهر علينا مرة أخرى ولكن بصورة أعنف واشمل. ولهذا لابد أن نذكر مرة أخرى أن الرصاص وحده لا يكفي. وحتى هذا الشق الأمني فيه من القصور ما فيه ولذلك وجب التذكير مرة أخرى لعل أحد يسمع وينفذ من أجل مصر والأمة المصرية.

المحور العسكري

وهو محور مهم لأن من يحمل السلاح ويطلق النار من أجل فرض وجهة نظره السياسية على الأمة المصرية لا يرد عليه إلا بالسلاح والرصاص من جيش الأمة المصرية وهذا هو دور القوات المسلحة المصرية حماية مصر والمصريين من أي عدوان مسلح خارجي أو داخلي.

ورغم تسلمينا بصعوبة مواجهة جيش نظامي لعصابات مسلحة تتبع طريقة “اضرب واجري” إلا أننا نلاحظ أن هناك قصور في بعض الجوانب المتعلقة بالعملية العسكرية. ورغم أنى لست بالخبير العسكري إلا أن الهجمات الكبيرة المتكررة التي تؤدي إلى أعداد كبيرة من شهداء الوطن تشير بقوة إلى وجود ثغرات أمنية ونقص في المعلومات المتعلقة بعمل هذه العصابات المسلحة.

كذلك يعلم الجميع أن رؤوس الإرهاب كلها موجودة في الخارج موزعة بين قطر وتركيا وبريطانيا، ومع ذلك لم نسمع حتى الآن عن أي عملية استخبارتية لقطع هذه الرؤوس، فلم نسمع أن أحد منهم مات في حادثة سيارة في استانبول أو سقط من شرفة منزله في لندن أو غرق في حمام السباحة بفيلاته في الدوحة.

ببساطة مازالت الضربات الأمنية ضعيفة وتتصف بالشفقة والرحمة وهو ما لا يجوز في هذه المرحلة من المعركة. وكذلك، مازالت الشرطة المصرية تتعامل بنفس العقلية القديمة التي تعتمد على العنف وليس العقل، تعتمد على القبض العشوائي الذي يعنى ببساطة أن هناك أبرياء في السجون وإرهابيين في الطرقات، مازال ظباط الشرطة يعتمدون مبدأ المحصول والوارد وليس مبدأ القبض على المجرم، مازالت تعمل على القبض على المجرم وليس منع وقوع الجريمة. انتبهوا الشرطة تفقد شعبيتها مرة أخرى وستورط النظام في مشكلة كبيرة وتذكروا أن أخر مسمار في نعش مبارك دقه 2 مخبرين في قسم سيدي جابر!

المحور السياسي

تتاجر جماعات الإسلام السياسي وتسوق لنفسها في العالم بأنها قوى ديمقراطية وان النظام المصري نظام قمعي يعتقل معارضيه بل ويقتلهم في الشوارع أيضا. والحقيقة أن النظام السياسي المصري يقدم لمدعي الديمقراطية هؤلاء الأدلة على طبق من ذهب لإثبات وجهة نظرهم.. لقد تفكك تحالف 30 يونيو تماما وأصبح في معظمه معارض للسلطة، فهل أن الأوان لجمع الشمل مرة أخرى؟

لابد للسيسي أن يجتمع بكل القوى السياسية العلمانية ويُحدث نوع من التوافق السياسي والانطلاق نحو عملية تحول ديمقراطي حقيقي تقوي الجبهة الداخلية للوطن وتكون ظهير سياسي قوي لقواتنا المسلحة في حربها على الإرهاب.

يجب التخلي عن أسلوب الاستحواذ السياسي ومحاولة السيطرة على كل شيء فقد انتهى هذا العصر ولن يعود.

يجب إرسال رسائل حقيقية بالفعل لا بالقول أن مصر تتحرك في طريق الدولة الديمقراطية الحديثة، يجب وضع خطط حقيقية لتقوية الأحزاب السياسية وتعديل القوانين التي تعيق عملها فالسياسة لا تعرف الفراغ، فإذا غابت الأحزاب العلمانية ستحل محلها الأحزاب الأصولية. وانسداد الأفق السياسي لنا لا يأخذنا إلا إلى الثورة والعنف، ونذكر بأحد تعريفات الديمقراطية أنها أداة إدارة الاختلاف في الدولة. لابد أن نتحرك في اتجاه الديمقراطية بشكل جماعي يجعل من قوى الإسلام السياسي تظهر على حقيقتها وأنها معادية للديمقراطية والحريات ولا ترغب إلا في السلطة لتأسيس دولة دينية مستبدة.

المحور الاقتصادي

لاشك أن للفقر دور في تدعيم جماعات الإسلام السياسي وزيادة شعبيتها في المجتمع المصري. فبعد انسحاب دولة مبارك من حياة الناس تطبيقا لسياسات الليبرالية الجديدة حل محلها جماعات الإسلام السياسي لتقديم الخدمات والمساعدات للناس ولذلك كان طبيعيا أن تقفز على كرسي الحكم مع أول انتخابات ديمقراطية. ولهذا كتبت قبل ذلك أن من سلم مصر للإخوان ليس طنطاوي ولا الثوار ولكن مبارك. وهنا يجب أن نؤكد على أن السياسات الاقتصادية القادمة يجب أن تتخلى عن أفكار الليبراليين الجدد وان تلتزم بسياسات الليبرالية الاجتماعية أو دولة الرفاه.

يجب أن تهتم الدولة بالتنمية وليس بالنمو الاقتصادي فقط، يجب أن تستثمر الدولة في الإنسان، يجب أن يشعر الإنسان المصري أنه محل رعاية من الدولة من خلال الخدمات التعليمة المحترمة والرعايا الصحية اللائقة بالإنسان وضمان الحد الأدنى للحياة الكريمة للمواطن المصري.

أما سياسات الليبراليين الجدد التي تركز الثروة في يد الـ 1% الأكثر غنى في الدولة وعلى الفقراء أن ينتظروا هطول المطر من هذه الـ 1% والتي غالبا لا تهطل إلا رزازاً، لن تؤدي إلا إلى تقوية الإسلام السياسي في الشارع المصري. على الدولة أن تعود مرة أخرى لممارسة دورها الاجتماعي ولا تترك الساحة للإرهابيين، مرة أخرى: السياسة لا تعرف الفراغ.

المحور الثقافي

وهو أهم المحاور فالإرهابي ليس مجرم عادي ولكنه مجرم محمل بأفكار. والأفكار لا تحارب إلا بأفكار، ولم يحدث في التاريخ أن قضى السلاح أو السجن على فكرة. فنحن نحصد الآن ثمن سياسات تجهيل وتسطيح وتعقيم العقل المصري.

يجب أن تنطلق ثورة ثقافية في مصر على جميع المحاور ويشارك فيها الجميع، الدولة والأحزاب والمجتمع المدني. لابد من ثورة في التعليم تزرع قيم التنوير والحداثة وتعلم المصريين التفكير العلمي النقدي وليس التفكير الخرافي النقلي.

يجب على الدولة أن تلغى كل القوانين التي تضع حدود على الفكر والإبداع خاصة قوانين الحسبة وازدراء الأديان ورقابة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

يجب أن يعود الإعلام لدورة التنويري ولا يكون مجرد بوق سياسي للسلطة أو المعارضة أو مجرد أداة للتسلية فقط.

على الأحزاب أن تفهم أن التصويت في الانتخابات هو في النهاية انعكاس لثقافة الأمة، فإذا سيطر عليها التفكير الخرافي فستصوت لأصحاب الخرافات وإذا سيطر عليها التفكير العقلاني التنويري فلابد أن تصوت لأصحاب الفكر والرؤيا، السياسة انعكاس للثقافة لو كنتم تعلمون.

في جملة واحدة يجب أن تعمل الدولة على جميع المحاور بالتوازي. الرصاص بالرصاص، والفكر بالفكر، وملئ الفراغ السياسي، ودولة الرفاه الاقتصادي.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.