نماذج من رموز الفكر المصري – فؤاد زكريا

طلعت رضوان  طلعت رضوان

يُعتبر المفكر الكبير د. فؤاد زكريا (مواليد بورسعيد- ديسمبر1927- 11مارس 2010) أحد رموز الفكر المصرى الحديث، والراحل الجليل عمل أستاذا ورئيسًا لقسم الفلسفة بجامعة عين شمس ورأس تحرير مجلتىْ الفكر المعاصر وتراث الإنسانية المصريتين. ثم أستاذا ورئيسًا لقسم الفلسفة بجامعة الكويت. ومستشارًا لشئون الثقافة والعلوم الإنسانية فى اللجنة الوطنية لليونسكو بالقاهرة، وشارك فى عدة مؤتمرات لمنظمة اليونسكو. وبخلاف مؤلفاته العديدة ترجم (العقل والثورة) لماركيوز، (الفن والمجتمع عبر التاريخ) لهاوزر، (حكمة الغرب) لراسل فى مجلديْن. كما كانت له مؤلفات فى الموسيقى مثل (التعبير الموسيقى)، (فاجنر)، (مع الموسيقى: ذكريات ودراسات) 

كانت بداية تعرفى عليه من خلال كتابه (التفكير العلمى) الصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية. ونظرًا لأهمية هذا الكتاب فقد نفدتْ طبعته الأولى والثانية فصدرتْ طبعة ثالثة عام 88. فى هذا الكتاب ذكر أنّ التراكمية التى يتسم بها العلم هى التى تــُقدّم لنا مفتاحًا للرد على انتقاد العلم. وهو انتقاد يستغل تطور العلم فيُـتهم العلم بالنقصان. فمن الشائع أنْ يحمل أصحاب العقلية الرجعية على العلم لأنه متغير وأنّ حقائقه محدودة، فإذا قلتَ أنّ العلم متغير، فهذه حقيقة. وإذا اعتبرتَ هذا التغير علامة نقص فإنك تـُخطىء، إذْ تفترض أنّ العلم لابد أنْ يكون ثابتـًا، مع أنّ ثبات العلم لا يعنى إلاّ نهايته. ومن ثم فإنّ الثبات فى هذا المجال هو الذى ينبغى أنْ يُعد علامة نقص. وفى تأكيده على دور العقل، طلب من أعداء العلم النظر فى المعرفة البشرية منذ 500 سنة بما هى عليه الآن، حيث أجرى بعض العلماء مقارنة بين الفترات الزمنية التى كان يستغرقها الوصول من الكشف العلمى النظرى إلى التطبيق، فتبين مايلى: احتاج الإنسان إلى 112سنة لتطبيق المبدأ النظرى للتصوير الفوتوغرافى. و56 سنة لاختراع التليفون و35 سنة للإتصال اللاسلكى و15سنة للرادار و12سنة للتليفزيون و 5 سنوات للترانزستور وسنتيْن للدوائر المتكاملة. ترتب على ذلك أنْ اخترع الإنسان العقل الاكترونى الذى يعود فيساعد العقل البشرى لإحراز المزيد من التقدم، وهذا التقدم الجديد يؤدى لتطوير العقول الالكترونية. وهكذا تستمر مسيرة التقدم. وردّ على الذين زعموا أنّ العرب فى العصور الوسطى سبقوا أينشتين فى نظرية النسبية. فأكدّ أنه زعم واضح البطلان ((لأنّ ظهور نظرية كهذه يحتاج إلى تطور معين فى العلم. ولا يمكن تفسيره إلاّ فى ضوء عصر معين فى حين كان العصر الذى ظهر فيه العلم العربى مختلفـًا كل الاختلاف)). 

أسطورة المعجزة اليونانية: 

رأى د. فؤاد زكريا أنّ حديث البعض عن المعجزة اليونانية لا يخلو من التحيز مثل القول بأنّ بناء الأهرام لم يُكسب المصريين قاعدة علمية نظرية. وذكر أنّ القول ((بأنّ هناك شعبًا لم يعرف طوال تاريخه إلاّ تطبيقات وخبرات عملية. وشعبًا آخر توصل لأول وهلة إلى الأسس النظرية للعلم، فإنه زعم يتنافى مع التجارب الفعلية للبشر)) وأشار إلى العلماء الأوروبيين الذين أكدوا على أنّ الكلام عن معجزة يونانية ليس من العلم فى شىء. كما أنّ أفلاطون شهد بفضل الحضارة المصرية على العلم والفكر اليونانى وذكر أنّ اليونانيين أطفال بالقياس إلى المصريين. وأنّ كثيرين من الفلاسفة اليونانيين أقاموا فى مصر عدة سنوات وتعلموا أصول الفلسفة من الهكنة المصريين. ويصعب تصور أنّ أولئك العباقرة الذين بنوا الأهرام بتلك الدقة المذهلة فى الحساب، بحيث لم يُخطئوا إلاّ بمقدار بوصة واحدة فى محيط قاعدة الهرم الأكبر، لا يستحقون وصف (علماء) ومن الظلم أنْ نأبى صفة (العلم) على تلك المعلومات الفلكية الرائعة التى توصل إليها المصريون القدماء، وعلى الكشوف الرياضية المهمة التى كانت ضرورية من أجل الحسابات الفلكية. والمعلومات الكيمائية التى أتاحتْ لهم أنْ يُصبغوا أنسجة ملابسهم وحوائط مبانيهم بألوان مازالتْ زاهية حتى اليوم. أو التى مكنتهم من تحنيط جثث ظلتْ سليمة لمدة أربعة آلاف سنة. فهل كل هذا الانجاز لا يستحق صفة (العلم التجريبى) لذلك فإنّ الحضارة المصرية جمعتْ بين الخبرة العملية والمعلومات النظرية كالطب وصناعة العقاقير والهيدروليكا (الرى والسدود والخزانات) إذن لم ((تكن نشأة العلم يونانية خالصة. بل إنّ الأرض كانتْ ممهدة لهم فى بلاد الشرق))  فؤاد زكريا

الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل: 

ربط د. زكريا الفكر بالواقع، فعندما شاعتْ مقولة (الصحوة الإسلامية) كتب كتابه المهم (الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل) وفيه ذكر أنّ أمريكا من أكثر المهتمين بهذه الظاهرة. إذْ بدأتْ موجة عارمة بالإهتمام بالإسلام، تبدو أكاديمية فى ظاهرها، ولكنها موجهة لمعرفة ما يدور فى عقول المسلمين. وأنفقتْ الكثير من المال على مشاريع تفصيلية، شارك فيها عرب أو عرب أمريكيون. ورأى الأمريكان أنّ (الصحوة الإسلامية) هى البديل عن الاشتراكية التى كانت تتبناها التيارات المضادة للامبريالية الغربية. وكان من رأى د. فؤاد أنّ القهر فى المجتمعات الإسلامية دفع تلك الجماعات للبحث عن مخرج، وكان الثمن تلطيخ سمعة البدائل الأخرى كالليبرالية ونظام الأحزاب واليسار الديمقراطى. وفى ظل غياب العدالة الاجتماعية أعلن شباب الجماعات الإسلامية كفرهم بالأنظمة الدنيوية مقابل النظام الإلهى. ورغم ذلك يهتف أعداؤنا (الأمريكان) إحذروا الصحوة الإسلامية ولكن لسان حالهم يقول: مرحبًا بها مادامتْ لا تـُهدّد مصالحنا ومصالح حلفائنا الممسكين بدفة الأمور فى العالم الإسلامى . وفى رده على الذين روّجوا لصلاحية النص الدينى لكل زمان ومكان ذكر أنّ الواقع الاجتماعى فى تغير مستمر، فكيف يكون ((الإسلام دينا ودنيا إذا كانت (الدنيا) لا تكف عن التغير؟ وإذا كان النص إلهيًا فإنّ من يُطبّقه ويُفسره إنسان . وركز على ((ألوهية التشريع وبشرية القائمين بتطبيقه. وإذا كان الإسلام مطبقــًا فى السعودية وإيران إلخ فمن أين أتى الاختلاف إنْ لم يكن من البشر؟ وإذن فإنّ العلمانية لا مفر منها حتى فى صميم الحكم المرتكز على مصدر دينى . وأنّ الشعائر الشكلية تتستــّر على المظالم ومساندة للاستبداد، وبالتالى فإنّ ((اليقظة الإسلامية هى غفوة فكرية. والصحوة كبوة عقلية)) 

أوروبا وكيف انتصر النور على الظلام: 

عاشتْ أوروبا أسوأ فترات حياتها لعدة قرون، فكيف انتصر التنوير؟ ذكر د. زكريا أنّ أوروبا لم تـُحقق نهضتها إلاّ بعد صراع مرير مع الكنيسة. صراع سقط فيه كثيرون مثل جوردانو برونو الذى أحرق حيًا. وظلتْ مقاومة الكنيسة حتى القرن19 ولكن الأمر المؤكد أنّ الكنيسة بدأتْ تنتقل إلى موقف الدفاع منذ عصر التنوير، أى فى القرن 18على حين أنها كانتْ فى القرنيْن السابقيْن تهاجم بشدة وبلا رحمة دفاعًا عن مصالحها التى كان معظمها دنيويًا بغطاء روحى . وذكر أنّ مارتن لوثر الذى حاز إعجاب كثيرين بحجة إصلاحاته الدينية، ارتكب جريمة بشعة بوقوفه ضد ثورة الفلاحين عام 1626 للمطالبة بأدنى الحقوق الإنسانية. هذا المصلح الدينى وقف مع الكنيسة التى تستنزف عرق الفلاحين ودعا الأمراء إلى سحقهم بلا رحمة. وهذا ما حدث بالفعل فى مذبحة من أبشع المذابح فى التاريخ الأوروبى، إلى أنْ كان الانتصار الأخير على الكهنوت المتحدث باسم الدين، ويزعم أنه يمتلك الحقيقة المطلقة. ويُكفر كل المؤمنين بالنسبى وبالسببية والتعددية. 

هيكل المقدس فى الثقافة السائدة: 

رفض د. زكريا أنْ يكون نسخة كربونية من الثقافة السائدة، فكما انتقد د. مصطفى محمود الذى هاجم العلم والعلماء وسفه العقل البشرى لصالح الغيبيات، انتقد- كذلك- أ. محمد حسنين هيكل فى كتابه المهم (كم عمر الغضب: هيكل وأزمة العقل العربى) أورد فيه بالتحليل الدقيق، حجم التضليل والتناقضات التى وقع فيها هيكل، والعلاقة بين هيكل والإدارة الأمريكية. ومن واقع كتابات هيكل نفسه. وبهذا أسهم فى إثراء الواقع الثقافى بنقد الرموز المقدسة التى رسّختْ لفاشستية الفكر الواحد، وإقصاء كل مختلف، وعدم الإيمان بحق النقد، وتكفير منهج التسامح الفكرى والفلسفى . وصدق الفيلسوف هيجل فى قوله الحكيم (( ملعون الشعب يعبد البطل، أيًا كان هذا البطل)) 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Figures أعلام العلمانية, طلعت رضوان and tagged . Bookmark the permalink.