نافورة أبدية للوعي

ميلاد سليمان ميلاد

للأسطورة سحرها، ومهما مرّ الزمان، يعود لها الإنسان، من وقت لآخر، لينهل منها ويستخرج من عُمقها بعض المفاهيم، مرّة ليفهم بها غيبيات واقعه، وقد ينتقدها موضحًا أثرها المستمر في حياته، وأخرى ليتجاوزها بأسطورة أخرى أو عِلم حلّ محلها. من هنا تأتي أهمية فيلم “النافورة” The Fountain سيناريو وإخراج دارين أرنوفيسكي 2006، والذي لعب بطولته وجهيّن من ألمع الوجوه السينمائية هما؛ هيو جاكمان Hugh Jackman في دور تومي، ورتشيل وايزس Rachel Weisz في دور إيزابيل.

ربما يختلف الفيلم عمّا سبق وشاهدناه من أفلام تناقش مفهوم الأسطورة وأثرها، وقد يرجع إختلافه لعدة نقاط؛ منها إنطلاف الفيلم من جذر قصصي خيالي مغلف بالدين، متفق عليه نسبيًا في الأديان الإبراهيمية الثلاثة وبعض أساطير الحضارات القديمة (حضارة المايا)، وهي فكرة تقديس شجرة معينة، هي شجرة الحياة، التي كل من يأكل منها لا يرى جسده الموت أبدًا، وتم معالجة الفكرة، من وجهة نظر المخرج، دون أي إسقاط أو مساس بأي عقيدة بشكل واضح، مما أعطى الفيلم ثُقل دلالي رمزي.

السرد في الفيلم، ليس سرد تتبعي خَطِي، بل تسير القصة على ثلاثة مستويات، في تنويعة جمالية بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ بنفس الأبطال، وربما نفس الأسماء، ونفس الرموز والدلالات، ولكن يختلف الوسيط المستخدم بحسب سياق الظرف المكاني والزماني؛ فنشعر وكأننا ثلاثة أفلام لنفس القصة.

في الماضي؛ نرى “توماس” الفارس الأسباني الذي يحاول القضاء على الفساد الذي دبّ في الكنيسة بسبب سلطوية رجال الدين وقمعهم لأي صوت مخالف مختلف، وإستمرارهم في عمليات الإبادة التي يشنوها على الطوائف الأخرى، بل تطاولهم على الملكة نفسها وتهديدها بنزع العرش منها، ونرى الملكة “إيزابيل” تعطي الفارس الوعد بالزواج منها، إذا وجد شجرة الحياة وأتى لها بإكسيرها، وتعطيه خاتم ذهب كعهد بينها وبينه، فيذهب الفارس في رحلته إلى الأراضي المكفرة النائية، في أمريكا الجنوبية، حيث حضارة المايا، ويدخل في صراعات دموية هناك، وفي النهاية يجد شجرة الحياة، وحينما يأكل منها، يتحول هو نفسه إلى شجرة بجوارها.

في الحاضر؛ نرى “تومي” الطبيب الذي يقوم بالأبحاث على أنسجة أحد الأشجار النادرة التي يستخرج منها أمصال وأدوية، ويعتقد أنه سيجد فيها علاج لزوجته “إيزي” المصابة بالسرطان، والتي تقوم بتأليف رواية عن حضارة المايا ونجم الشيبالبا مركز بعث الأرواح، والرواية بالمناسبة تحمل نفس إسم الفيلم، وتحكي فيها عن بحث الفارس “توماس” عن شجرة الحياة في الأراضي المُكفرة. وتستمر “إيزي” في محايلة زوجها ليجلس بجوارها في لحظاتها الأخيرة، وتذكره أن خاتم زفافهما هو الرابطة المقدسة التي ستحفظ حبه لها، ولكنه يتركها ليقضي ساعات طويلة في المعمل باحثًا عن العلاج، ويستمد تشجيعه كلما نظر إلى الخاتم، ويرى أنه اقترب من الكشف، ولكن زوجته تموت دون أن يصل إلى العلاج الذي يساعد على شفائها، ويفقد الخاتم في المعمل، فيظل أثر الخاتم في إصبعه والرواية هما ذكراها الوحيدة. فيلم النافورة

في المستقبل؛ في مكان فوق النجوم، داخل فقاعة شفافة معلقة في الهواء، نرى “توم” حليق الرأس في زي راهب، يمارس التأمل في حضرة شجرة الحياة الآخذة في الذبول ولا يعرف كيف يوقف موتها البطيئ!!؟، تلك الشجرة التي يأكل ويشرب منها وتساعده على إستمرار حياته التي هي حياتها.

يلعب المونتاج دوره المميز، في ربط الفترات الزمنية بحرفية دلالية، ليعطي الفيلم معناه، نشاهد ذلك أثناء تقبيل الفارس ليد الملكة الخائفة على عرشها، يتقاطع مع صورة يد الطبيب أثناء ملامسة جسد زوجته المريضة وتقبيلها، ويتقاطع مع صورة تقبيل الراهب للشجرة الذابلة، في مشهد غاية في الرمزية. كذلك عندما توصي “إيزي” زوجها الطبيب بإكمال كتابة الرواية، وحينما يبدأ في قراءتها، يكتشف إنها كانت تقصد نفسها بالملكة، وهو الفارس الباحث عن شجرة الحياة “العلاج”، فيدخل “تومي” في حُلم طويل، ليرى نفسه هذا الفارس، وكلما استيقظ يعود لإكمال جزء من الرواية.

الثلاث مراحل، هم في الحقيقة مرحلة واحدة طويلة، هي إستمرار الوعي الإنساني الأبدي، في محاولته المستمرة للتصالح مع فكرة الموت وتقبُلها، لمعرفته وثقته أن هناك خلود ينتظره. الزوجة ترى نفسها ستذهب لسديم الأرواح في السماء الذي تنبأت به حضارة المايا ” نجم الشيبالبا” وتراقبه يوميًا من شُرفة منزلها بالتلسكوب، والراهب الذي يستمد حياته من شجرة الحياة، ويحفظها من الذبول بحبه لها وتماهيه فيها. والفارس الذي تحول هو نفسه إلى شجرة بجوار شجرة الحياة ليكتسب الخلود بخلودها. لنصل في آخر الفيلم لفكرة أن الموت ليس هو النهاية، ولم يكن هو النهاية، بل بداية لحياة أخرى.

موسيقا “كلاينت مانسيل” كان لها بصمتها التي لا تُنسى في الفيلم، والتي ستظل تتردد في عقلك مرات متكررة بعد إنتهاءه. والتي تعلو وتهبط في لحظات المعارك، وتجذبنا لعمق المشهد.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in ميلاد سليمان and tagged , . Bookmark the permalink.